Loading alternative title

انطلاق السباق الانتخابي في تونس

تاريخ النشر: 2019-08-01 || 08:13

انطلاق السباق الانتخابي في تونس
نورالدين علوي أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية  وروائي

نورالدين علوي

أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية وروائي

كتب د. نور الدين العلوي 

كأنما كان القوم ينتظرون اختفاء الرئيس من الصورة لينطلقوا في سباقهم المحموم نحو القصر، حتى إننا لفرط استعجالهم الأمر شككنا في رواية الموت الطبيعي للرئيس.. مسلحين بأجهزة إعلامية محترفة وبصحفيين بلا ضمير، يبدأون الطَرق المتواصل على أذهان عامة تأبى أن ترفع من وعيها بالتحايل السياسي المتخفي في خطاب الشفقة الاجتماعية.

هذا السباق سيكون كاسرا، ولكن تبدو نتيجته محسومة سلفا لأكبر المغامرين. فحتى الآن يبدو السيد نبيل القروي، مالك قناة نسمة، في طريق مفتوحة، فمنافسوه لا يملكون وسائله، وخاصة لا يملكون شبكة علاقاته الخارجية التي لها دور محدد في الاختيار.

القروي نجا من تعديل القانون الانتخابي
موت الرئيس بعد مرض تزامن مع أجل المصادقة على تعديل القانون الانتخابي؛ جعل نبيل القروي يفلت من تعديلات مقترحة على القانون الانتخابي، فعادت الهيئة المستقلة للانتخابات إلى تطبيق القانون القديم غير المعدل. وقد انطلقت في قبول الترشحات للبرلمان (لم يتم تعديل موعد الانتخابات البرلمانية، فقد حافظت الهيئة على موعد السادس من تشرين الأول/ أكتوبر). كل مبررات التعديل بقيت معلقة، بل حوّلها القروي إلى سبب للدعاية، جاعلا منها خطة إقصاء يقودها رئيس الحكومة ضد شخصه بالذات.

رئيس الحكومة فقد المبادرة وبدا باهتا يوم الجنازة، كأنه أيقن بإفلات الأمر من بين يديه. ورغم امتلاكه وسائل السلطة، إلا أنه يبدو مخذولا في مواجهة احتمال منافسة انتخابية مع القروي، فيما بدا القروي مالكا لزمام أمره ولديه خطته، إذ بدأ عبر تلفزته في إطلاق أرانب السباق لتضليل التركيز على شخصه في فترة مبكرة من الموعد الانتخابي ليوم 15 أيلول/ سبتمبر، فضلا على أنه استقطب وجوها كثيرة من حول الشاهد لتكون على رأس قوائمه الانتخابية للبرلمان. ويركز الآن الدعاية على ذلك، ليظهر الأمر كنجاح سياسي لحزبه (قلب تونس) الذي تحول في شهر فقط؛ إلى حزب نخب وحزب جماهيري.

حتى الآن ليس للقروي منافس جدي
جهة واحدة يمكنها منافسة القروي؛ هي حزب النهضة، فلها ماكينتها الانتخابية المتماسكة (في ما نعلم من ظاهر الحديث). ولكن النهضة محجمة عن الترشيح لأسباب قيل إنها ضغوط خارجية، إذ يبدو أن ما قيل عن قبول فرنسي بالنهضة لا أساس له، بل كان تحليلات مفرطة لزيارة الغنوشي إلى باريس في الربيع. وقد زاد الأمر وضوحا للمراقبين الخطابُ التعليمي الذي ألقاه الرئيس الفرنسي في الجنازة، فقد تحدث بلغة آمرة محددا خارطة طريق لتونس، كأنها مزرعته الشخصية. وعوض أن يخرج حزب النهضة للرد انتخابيا على هذا الخطاب الاستعماري، ما زلنا نسمع في كواليس الحزب تكرارا لمقولة أن الغرب لا يقبل بأحزاب الإسلام السياسي في الحكم، لذلك لا داعي لترشيح ينتهي بهزيمة.
الجهة الثانية التي يمكنها الترشيح هي الثورة، ولكن للثورة قادة كثر حتى لم يعد لها قائد أبدا. كل الثوريين (بالحق وبالباطل) يرون أنفسهم رؤساء لتونس ولذلك يتقدمون فرادى، بل إن بأسهم بينهم شديد، فهم يتبادلون الطعنات الإعلامية، وعلى قناة القروي نفسه؛ التي يمنحهم عليها مساحات حديث لينفثوا ضد بعضهم البعض.
أما احتمال أن يتحالف كل هؤلاء الثوريين مع حزب النهضة ضد مرشح فرنسي؛ فهذا من أحلام الطفولة، وليس من واقع النخبة التونسية. من كل زاوية نظر يبدو القروي في طريق مفتوحة للقصر وليس له منافسون، وهو في وضع عرضالصفقات السياسية لتأمين الخطوات الأخيرة، بما في ذلك على حزب النهضة الذي يحشر نفسه في موقع الانتظار الذليل حتى الآن.

حركة الجودو الأخيرة ضد الثورة
استغلال قوة اندفاع الخصم واستعمال اندفاعه ضد توازنه الذاتي؛ هي أبسط حركات رياضة الجودو وأكثرها منفعة للمصارع الخصم، فالمنتصر يبذل أقل الجهد ليحصل أكبر المكاسب. الثورة المضادة (السيستم) استعملت قوة اندفاع الثوريين وعلو خطابهم ضدهم فسقطوا، بينما قرر عقل السيستم أن يستوعب الثورة من داخلها، مبرزا فشل الثوريين وقاطعا بينهم وبين الشارع المحتاج والمتلهف جبلة على المغانم السريعة. وفي نفس الوقت الذي كانت تلفزة نبيل القروي تتحدث عن الصعوبات الاقتصادية التي تفشل الحكومات في حلها، كانت تذهب إلى الناس بمساعدات عينية ذات تأثير مباشر. وهكذا أحاطت بالثورة من أسافلها وقوضتها بلا حرب.
الانتصار الأكبر هو أن المنظومة (السيستم) وجدت مرشحها الذكي، ولذلك تقف معه بالمال أولا، أو على الأقل تجتنب أذاه بالمال أيضا. فقد كانت طبقة المال عرضة للابتزاز؛ تحمي مصالحها برشوة المبتزين. وقد سن هذه السنن بن علي تحت عنوان صندوق التضامن الوطني. ويسير القروي على أثره، فقد كان القروي يقول عن بن علي "أبي الحنون".
مرشح لوبي المال المرتبط بدوره بلوبيات المال الفرنسية يجتمعان في مواجهة الثورة وبواسطة الصندوق الانتخابي، وهذه ثورة مضادة بسلاسة، فلم تبذل قطرة دم واحدة لاستعادة نفوذها الذي خلخلته الثورة ولم تسقطه.. حركة جودو ذكية وبسيطة لاستيعاب قوة الاندفاع ضد صاحبها.
هل حسم الأمر إذن وعرفنا الرئيس قبل يوم الذهاب إلى الاقتراع؟ نعم تقريبا.. لقد عرفنا الرئيس الذي سينجح بأمرين: تشتت منافسيه وقوة تحالفاته الداخلية والخارجية، وبالتحديد الرهان الفرنسي عليه.
لقد كتبنا دوما أن رئيس تونس تختاره فرنسا، وحتى الآن تبدو الوقائع في طريق تأكيد هذه الحقيقة.. في السنوات الخمس القادمة لن يأكل الثوريون أصابعهم ندما على ما فرّطوا في الثورة؛ لأنه لن تكون لهم أصابع. فنبيل القروي لن يتحمل الثورجية المفرطة وسيحاربها بلا ضمير، فابن بن علي البار لا يعترف بالحرية.

  • شارك على:
104
 سلامة: هناك دول منحازة لأطراف الأزمة في ليبيا مساء اليوم: تحري الهلال لتحديد موعد عيد الأضحى 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج