Loading alternative title

الرئيس الباجي أو الحبُ زمنَ الحرب

تاريخ النشر: 2019-08-19 || 12:22

الرئيس الباجي أو الحبُ زمنَ الحرب
احميده النيفر أستاذ جامعي مفكر وعضو  بيت الحكمة بتونس

احميده النيفر

أستاذ جامعي مفكر وعضو بيت الحكمة بتونس

كتب د. احميده النيفر 

 

يكتفي البعض بالقول إننا نعيش، في تونس، مرحلة حاسمة من تاريخ منطقتنا التي تخضع لطور انتقالي موسوم بالضبابية والالتباس. عند الاقتصار على هذا التوصيف أو ما يشبهه من توضيحات تفيد دخولنا منطقةَ أعاصير فإننا لا نتجاوز الحالة الانطباعية التي لا تعتمد منهجا ولا تقدم تحليلا ولا تُبيِّن خصائص أوضاعنا وأسبابها.

هو الرُكونُ الذي لا يُسهم في بناء فكر لأنه لا يهتم بالقوانين والمحركات التي تشير إلى مقصد خفي يتحقق تدريجيا أو جدليا ندرك على أساسه واقعنا وماضينا.

إنها الاستقالة التي لا تقف، أو لا تريد أن تقف، عند التحديات ومعناها والأحداث ودلالات الفاعلين فيها أفرادا وجماعات بما يفضي إلى تيهٍ يبتلع من يُهمل مؤشرات الزمان التي تنطق بها دقيق الوقائع وجليلها.

هذا أول ما ينبغي أن نسجله بمناسبة التفاكر في شأن وفاة الرئيس الباجي الذي لخّص لحظاته الأخيرة، رحمه الله، بعد أن زُوِيَتْ له حياته بأنه "جاهزٌ لمشيئة الله".

بنفس التمشي التركيزي نوجز القول في الراحل بأنه كان في نهاية مطافه من "حُماة المدينة". بتعبير آخر نستطيع التأكيد على أنّه حقق ذلك عندما غَدَا رجلَ السياسة الذي يميّز بين "الاختلاف والخلاف" عندما لم يجعل الأول مؤديا إلى الثاني. في مستوى القراءة العلائقية الثقافية يتسنّى القول بأن الرئيس الباجي سجّل، في تونس، اختيارا توجيهيا صعبا سياسيا وشعبيا وهو رهان الحب زمنَ الحرب.

في شرح ذلك نقول إنّ شهادة الرئيس الراحل تتعين بالأساس في مقومات ثلاثة: انطلاقٌ من قاعدة "حراسة المدينة" في تحصينٍ مطلوب للبلاد خاصة في هذا الزمان، وإثباتٌ في أن مهمة رجل الدولة تكون في "الارتقاء بواقع الاختلاف" القائم في المشهد الوطني حتى لا يُصبحَ مصدرَ خلاف مُؤدٍ إلى العداء والتصادم وتمَثُلٌ واضحٌ، أخيرا، لخصوصية هذا الطور من الزمان ولاحتياجاته. تلك هي ثلاثية حياة الرئيس الباجي لمن يريد تجاوز انطباعية التيه والتمجيد اللذين لا يُغنيان حالَنا ومآلنا.

إذا بدأنا بالمقوّم الثالث المميز لمسيرة الرئيس الباجي خاصة في عقدها الأخير بعد ثورة 17-14 فإننا نلحظ إدراكه أننا نعيش في عالم الأزمات الكبرى المتواصلة.

كان ذلك بعد انقضاء الحرب الباردة التي هيمنت على العالم وقسّمته بنهاية الحرب العالمية الثانية مُدشّنة عالما جديدا مأزوما ومعقّدا وقابلا للالتهاب السريع. عندها انخرطنا في سياق لا يخوض الأقوياء فيه مغامرات حربية مباشرة لكنهم يعملون عوضا عن ذلك من أجل الحروب بالوكالة وما يعرف بحروب الجيل الخامس.  

لتحديد معالم هذا التحوّل الخطير  كتب المؤرخ الألماني فرانك بوش (Frank Bösch) كتابه "1979 منعطفُ التاريخ" ليحدد ويفسر أغلب العوامل التي صارت تحكم العالَم اليوم والتي ساهمت بالخصوص في تغيير سياقات عالَم المسلمين[1]. من منعطف هذا التاريخ يتبيّن أن دوائر خطره تُحدق بنا جميعا بتلاحم أزماته عبر الكوارث البيئية وما فرضته من حركات إيكولوجية وبتدفق المهاجرين من لاجئي "الجنوب" نحو "الشمال" فرارا من دمار المشرق ومآسي إفريقيا ومشاغل المكسيك وما وراءها وما نجم عن كل هذا من دعاوى الشعبوية والانعزال.

في دائرة تالية لمخاطر منعطف التاريخ ظهرت "الحروب التجارية" بين الولايات المتحدة والصين مع ما يستتبع ذلك من توترات عالية ودامية موصولة بتحديات الطاقة وما تفرزه من مشاكل "الإرهاب" والابتزاز. في عالَم المسلمين تتوالى مخاطر منعطف 1979 لتتعيّن ابتداء من الثورة الإسلامية الإيرانية وما واكبها من غزو السوفيات لأفغانستان وما نشأ عنها من جهاد مُسلّح ضد الغزاة الشيوعيين شجعه الغرب باعتباره حربا من أجل الحرية. تأتي حادثة المسجد الحرام في مكة، في نوفمبر 1979، بمواجهاته الدموية لتُحْكِمَ الطوق بما ركّز خطابا دينيا متشددا غايتُه دعمُ شرعية السياسة القائمة في الجزيرة وما جاورها والتصدي لخطاب الثورة في إيران المنافس، سياسيا وروحيا، على قيادة المسلمين. 

أخطرُ ما سيعرفه عالم المسلمين من مخاطر منعطفِ 1979 تحدد في طبيعة الحروب الجديدة: حروب الجيل الخامس[2].

خصوصية هذه الحروب في اختلافها عن سابقاتها التقليدية التي كانت تخوضها الدول وتعلن عنها رسميا وبأدوات حكومية معروفة وضمن جملة من القوانين والأعراف المتفق عليها. بالمقابل أضحت أبرز سمة للحروب الجديدة في أنها تقوم على "التفجير من الداخل" باعتباره الوسيلة الأمثل لهزيمة الخصوم، دون اشتراك مُعلن ودون كبير تكلفة. هي تحقيق لنبوءة الخبير العسكري الصيني والفيلسوف "سون تزو"، في كتابه "فن الحرب" الذي اعتبر ذروةَ المهارة في إخضاع العدو دون قتال".

ما يعتمل في عالم اليوم وفي الفضاء العربي الإسلامي خاصة إنما هو أفضل تطبيق لسياسات "التفجير من الداخل" التي ينخرط فيها بصورة موضوعية أو فعلية دعاة الحق العقائدي والاستئصال الإيديولوجي ومناضلو الحتميات القطعية مع اللاهثين وراء المصالح الذاتية.

عند استحضار آفاق الحروب الجديدة المتربصة بهِناتِ المجتمعات وإعاقاتها المتفاقمة نتيجةَ قصور الجهود الذاتية في معالجتها لا يبقى للسياسي الذي يعمل على حماية "المدينة" سوى ترياق التسويات الوفاقية.

إنها وصفة "الحب زمنَ الحرب"، اقتضتها وطنية الرئيس الباجي منطلقة مع لقاء باريس وما تبعه من واقعية سياسية مع المنافس الأبرز بإلغاء شعار" لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية" لتعويضه بما اقتضته الثورة من مبدأ "الحرية للجميع".

بهذا نصل إلى المقوّم الثاني من ثلاثية الحياة السياسية للرئيس الباجي في تمثّله لواقع الاختلاف والتعدد الذي فرض نفسه بعد الثورة بصورة جازمة على الساحة الوطنية.

لقد صار لزاما لمن استوعب طبيعة المشهد الجديد أن يُسهم في بناء الجمهورية الثانية بالعمل على الارتقاء بواقع الاختلاف القائم بما يجنب تحوّلَه إلى خلاف فاحترابٍ فـتفجيرٍ من الداخل.

لذا تطلّب رهانُ "الحب زمنَ الحرب" من رجل الدولة الراحل أن يجعل واقع الاختلاف فضاءً لعلاقات تفاعلية تسمح بالوصول إلى بدائل مشتركة تصون أركان المجتمع والدولة.

لا يفوتنا في هذا الاختيار أنه استئناف لما كان قد أنجزه الرئيس الباجي في ثمانينات القرن الماضي مع ثلة من المناضلين المطالبين بحياة سياسية تعددية وتشاركية والمتجاوزين الخط العام للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم آنذاك.  

كان الرئيس الراحل عندئذ منخرطا ضمن مبادرة قادها الوطني الديمقراطي " أحمد المستيري" عندما أسس مع مصطفى بن جعفر ومحمد مواعدة والدالي الجازي وغيرهم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في شهر جوان 1978. كانوا في ذلك يعملون من أجل "صيانة كرامة المواطن والدفاع عن حقوقه الأساسية وحرياته العامة مع الذود عن النظام الجمهوري وجعل الديمقراطية أساس الحياة العمومية في البلاد وإقرار نظام اشتراكي يرفض استغلال الإنسان للإنسان ويجعل التنمية الاقتصادية في خدمة العدالة الاجتماعية، والعمل على تشييد المغرب العربي الكبير كمرحلة نحو الوحدة العربية".

ضمن ذات السياق وقبل ذلك أصدر المرحوم حسيب ابن عمّار، الوجه الوطني الديمقراطي، صحيفة "الرأي" ليتولى بعد ذلك الرئيس الراحل إدارةَ رديفتها المعارضة بالفرنسية "Démocratie" بعيدا عن التجاذبات الأيديولوجية والحزبية وعن الاعتبارات الانتخابية والسلطوية.

عند الوصول إلى المقوّم الأول المتعلّق بـ"حراسة المدينة" بما تستدعيه احتياجات الدولة ومناعة المجتمع يبرز الرئيس الباجي نموذجا في مسيرته المديدة وما امتازت به من مرونة تواصلية نادرة. تمكّن من ذلك بتوليه منذ الاستقلال المسؤوليات السياسية والدبلوماسية المختلفة مع النظام الملكي والنظام الجمهوري بمراحله وتقلباته مما أكسبه خبرة واسعة ورؤية مميزة. لا غرابة عندئذ إن أوقعَ أصدقاءَه ومؤيديه في أكثر من مناسبة في الالتباس وسوء التقدير بما أدّى أحيانا كثيرة للتخلي عنه.

في هذا كتبت الباحثة الألمانية- الإنجليزية" آنا ولف" (Anne Wolf) المختصة في الشأن التونسي المعاصر أن الرئيس الباجي " رجل الحرس القديم أتت به "الثورة المضادة" لحمايتها فصهرها بالثورة التونسية".

هل كان ذلك منه خيانة، كما قيل، لمليون امرأة ظنت أنه سيكون المنقذ مما كنّ يعتبرنه الخطرَ الداهم الذي تقتضي حراسةُ المدينة استئصالَه؟

قد لا تكفي الجنازة المهيبة للرئيس الباجي وآلاف المودعين الذين اصطفوا لوداعه الوداعَ الأخير لإثبات أن الرئيس الباجي استعاد كامل مكانته لدى جمهور أنصاره ولدى عموم الشعب. الأرجح أنه سيحتاج إلى مدى زمني أطول حتى يتجلّى بصورة كاملة أنه كان من أكثر الشخصيات الوطنية التي قامت بـ"حماية المدينة" بما بذله من جهود في التحوّل الديمقراطي. ذلك أن الفقيد وإن كان بورقيبيا على أكثر من صعيد لكن الذي غيّر من اختياراته عمّا درج عليه مؤسس الجمهورية الأولى هو السياق الدولي والإقليمي والوطني. لقد حمله ذلك السياق المغاير على التوقّي من زمن الحرب وأهواله باللجوء إلى تسويات توافقية وتعديلات جوهرية. بذلك انخرط الرئيس الباجي في توجه بورقيبي مجدِّدٍ صهر به ماضيه وتجاربه في المقتضيات الجديدة لحماية الدولة ورعاية الاختلاف واعتبار المتطلبات الأمنية للبلاد.

 

[1]https://www.youtube.com/watch?v=_YfsPHq1bsM&feature=share&fbclid=IwAR2fWDtMIcNxWF7OX_HMo07e4Cf8wOZ1eS-mGpGd1hW4WS-tMUdy0MbCh4Q

[2] انظر الدكتور شادي عبد الوهاب، حروب الجيل الخامس: أساليب التفجير من الداخل على الساحة الدولية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بالتعاون مع دار العربي للنشر والتوزيع، القاهرة ط 1، 2019.

 

  • شارك على:
0
 موعد الإعلان عن صفقة القرن السيسي يأمر الحكومة بإخلاء القاهرة من الوزارات 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج