Loading alternative title

ميزانية الدولة .. وسياسة تضخيم الأهداف

تاريخ النشر: 2019-08-20 || 08:17

ميزانية الدولة .. وسياسة تضخيم الأهداف

كتبت جنات بن عبدالله 

تزامن اصدار المعهد الوطني للإحصاء لنسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي للثلاثي الثاني من سنة 2019 مع انطلاق السباق نحو الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها ليشكل هذا المؤشر الاقتصادي مرجعا لتقييم أداء الشاهد الذي ترشح للانتخابات الرئاسية من جهة، ومنطلقا للمترشحين وللأحزاب السياسية لبناء تصوراتهم وبرامجهم الاقتصادية للمرحلة القادمة من جهة ثانية.

وتكمن أهمية هذا المؤشر الاقتصادي في اختزاله لحصيلة عمل حكومة الشاهد منذ سنة 2016 الى اليوم، وفي اعتماده لتقييم أدائها على أساس المقارنة بين ما وعدت به الشعب التونسي في إطار ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2019 وما تحقق خلال السداسي الأول من السنة الجارية وما تنبئ به من تطورات خلال الفترة المتبقية من السنة.

في هذا السياق تعتمد ميزانية الدولة على وضع فرضيات لنسبة النمو للناتج المحلي الإجمالي، وسعر صرف الدينار مقابل الدولار وسعر النفط في الأسواق العالمية. وتكمن أهمية هذه الفرضيات في دورها لضبط توقعات نسب نمو القطاعات الاقتصادية التي تعتمد بدورها لضبط الموارد الجبائية للميزانية وبالتالي ضبط التوازنات المالية الداخلية بين الموارد والنفقات من جهة، وضبط التوازنات المالية الخارجية من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق فان أي اختلال بين فرضية نسبة النمو وما تحقق، وفرضية سعر صرف الدينار وما تفرزه السوق النقدية، وفرضية سعر النفط وما تفرزه الأسواق العالمية، يستوجب مراجعة التوازنات الداخلية والخارجية.

لقد اعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين أن الفرضية التي وضعتها حكومة الشاهد بخصوص نسبة النمو وهي 3.1 بالمائة لكامل سنة 2019 طموحة جدا بل أنها بعيدة عن حقيقة الواقع الاقتصادي الهش في البلاد حيث كان على الحكومة اعتماد نسبة نمو لا تتجاوز 1.5 بالمائة وفي أقصى تقدير 2 بالمائة بما يساهم في ضبط نفقات تصرف وتنمية قابلة للتحقيق اعتمادا على الموارد الذاتية وبلجوء أقل للاقتراض من السوق المالية المحلية ومن الخارج.

وقد جاءت نسبة النمو المتوقعة وهي 3.1 بالمائة بناء على مساهمة القطاعات الاقتصادية التي اعتبرها الخبراء الاقتصاديون مبالغ فيها أيضا.

وبناء على ذلك دعا عدد من الخبراء الاقتصاديين الحكومة الى تجنب هذه المبالغة في فرضية نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي لتجنب سيناريو مزيد لجوء الدولة الى الاقتراض وتعميق تبعيتها تجاه السوق المالية المحلية والخارج بما يفترض وضع سياسات قطاعية حقيقية تقوم على تحفيز الاستثمار والإنتاج الوطني وتقطع مع أوهام «الإصلاحات الهيكلية» التي تقوم على تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي لفائدة القطاع الخاص لتواصل حكومة الشاهد إصرارها على اتباع سياسة الهرولة الى الأمام والتسويق للسراب وايهام الشعب التونسي بانتعاشة اقتصادية تقوم على تحقيق نسبة نمو بـ3.1 بالمائة لا يمكن تحقيقها في ظل واقع اقتصادي كشف عن قدراته الحقيقية في ظل قطاع صناعي مدمر وقطاع فلاحي في حالة احتضار وقطاع خدمات لا تعترف الحكومة الا بجزء منه وتحديدا السياحة والنقل لتواصل تجاهلها لبقية الأنشطة.

لقد اختارت حكومة الشاهد رفض التعاطي بكل مسؤولية مع الواقع الاقتصادي،ليكشف المعهد الوطني للإحصاء من خلال نشره لنسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي للسداسي الأول من السنة وهي 1.1 بالمائة، ومن خلال التوقعات للفترة القادمة على أساس التوجهات، عن الخلفيات الحقيقية لهذا التعاطي المرتبطة بدخول الشاهد في حملة انتخابية سابقة لأوانها على حساب الشعب التونسي وسيادته الوطنية بتكثيف اللجوء الى الاقتراض الخارجي في هذه السنة للحفاظ على مستوى النفقات دون القضم من نفقات التنمية، وهو ما يفسر الحجم الضخم من القروض الخارجية المبرمجة خلال هذه السنة والذي جاء على خلفيةضعف الموارد الجبائية بسبب ركود اقتصادي، لا نخال أن الحكومة كانت تجهله بل يذهب الاعتقاد الى أنه كان متوقعا... بل هو ممنهج ومبرمج... بل هناك سابقية إصرار على هذا الركود الذي فرضته علينا حكومة الشاهد بمبالغتها في فرضية نسبة النمو في الوقت الذي كان عليها الاقتراب أكثر من الواقع بما يفرض عليها اتباع سياسات اقتصادية حقيقية والتقليص من هالة «الإصلاحات الهيكلية» التي وضعها صندوق النقد الدولي التي تخدم مصلحة الاتحاد الأوروبي وشركاته.

في ذات السياق راجع صندوق النقد الدولي نسبة النمو المتوقعة في تونس نحو الانخفاض وذلك على ضوء النتائج المسجلة وعديد المؤشرات الاقتصادية والمالية، وذلك من 3.1 بالمائة متوقعة الى 2.7 بالمائة وهي نسبة في تقديرنا تبقى بعيدة عن واقع اقتصادنا.

ففي إطار منوال النمو الذي جاء في الميزان الاقتصادي لسنة 2019، والذي شكل مرجعية لإعداد مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2019، افترضت حكومة الشاهد تطورا إيجابيا لجميع القطاعات الاقتصادية بدءا بقطاع الصناعات المعملية الذي توقع أن تحقق قيمته المضافة ارتفاعا بنسبة 4.2 بالمائة مقارنة بسنة 2018 في الوقت الذي كشفت فيه نشرية المعهد الوطني للإحصاء عن تسجيله لتراجع خلال الثلاثي الأول من السنة بنسبة 0.9 بالمائةليتعمق هذا التراجع بنسبة 0.8 بالمائة خلال الثلاثي الثاني.

كما توقع منوال النمو لسنة 2019 تطورا للقيمة المضافة للصناعات غير المعملية بنسبة 4.8 بالمائة بينما كشف المعهد الوطني للإحصاء أن هذا القطاع سجل تراجعا بنسبة 0.7 بالمائة خلال الثلاثي الأول ليتعمق هذا التراجع بنسبة 2.6 بالمائة خلال الثلاثي الثاني.

مقابل ذلك عرف قطاع الخدمات المسوقة تطورا إيجابيا بنسبة 2.9 بالمائة خلال الثلاثي الأول وبنسبة 2.1 بالمائة خلال الثلاثي الثاني مقابل توقع نسبة نمو بـ4.1 بالمائة حسب منوال النمو لسنة 2019.

أما بالنسبة للقطاع الفلاحي فقد توقع منوال النمو لسنة 2019 أن يحقق القطاع أضعف نسبة مقارنة مع بقية القطاعات وهي 0.5 بالمائة مقابل تسجيله أعلى نسبة في سنة 2018 كانت في حدود 9.5 بالمائة وذلك مقارنة ببقية القطاعات، ليساهم في انقاذ السنة الماضية التي عرفت فيها نسبة النمو تطورا بلغت 2.5 بالمائة مقابل 1.9 بالمائة في سنة 2017.

ولئن أنقذ القطاع الفلاحي خلال الثلاثي الثاني من السنة الجارية بتسجيله لنسبة نمو بـ2.8 بالمائة، نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي سجل تطورا ب0.5 بالمائة مقارنة بالثلاثي الأول بفضل صابة الحبوب القياسية، فان تقديرات منوال النمو لسنة 2019 التي تتوقع أن يسجل القطاع الفلاحي على كامل السنة تطورا بنسبة 0.5 بالمائة ، وفي ظل تراجع نمو قطاعي الصناعات المعملية والصناعات غير المعملية خلال السداسي الأول من السنة، ينتظر أن تمتص هذه القطاعات نسبة نمو القطاع الفلاحي المسجلة خلال الثلاثي الثاني وذلك في مستقبل الأشهر القادمة بما يؤشر لتراجع نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي الى أقل من 2.7 بالمائة توقعها صندوق النقد الدولي على كامل السنة.

لقد كشفت نتائج المعهد الوطني للإحصاء المتعلقة بنسبة النمو الاقتصادي ونسب نمو القطاعات الاقتصادية عن الفجوة الشاسعة بين فرضيات ميزانية الدولةوحقيقة الواقع الاقتصادي وقدراته التي ترجمتها نسب نمو القطاعات الاقتصادية ، ليقف المواطن التونسي عند حقيقة ما قامت به حكومة الشاهد من توظيف سياسي لميزانية الدولة لسنة 2019، وهي سنة انتخابية، ليتم التلاعب بمؤشرات اقتصادية يدفع فاتورته الباهظة اليوم كل الشعب التونسي من خلال مزيد تدهور المقدرة الشرائية ومزيد من البطالة ومزيد من تدمير منظومة الإنتاج ومزيد من الارتهان للخارج.

ومن هذا المنطلق لا يمكن القول ان الشاهد قد فشل في تحقيق أهداف ميزانية الدولة فالفشل يحسب لمن حاول إيقاف نزيف تدهور المؤشرات الاقتصادية باتخاذ اجراءات استثنائية وعاجلة الا أنه يبدو أن تضخيم هذه الأهداف كان لتبرير مزيد الاقتراض بما عمّق التبعية للاتحاد الأوروبي ولصندوق النقد الدولي.

  • شارك على:
8
 ايفنكا ترامب تثير جدلا في المغرب أمريكا ومصر يتفقان على الحاجة لحل سياسي في ليبيا 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج