Loading alternative title

النهضة .. أو سفينة نوح للربيع العربي

تاريخ النشر: 2019-09-19 || 13:45

النهضة .. أو سفينة نوح للربيع العربي
أبو يعرب المرزوقي مفكر تونسي

أبو يعرب المرزوقي

مفكر تونسي

كتب د.  أبو يعرب المرزوقي 

لا يمكن أن يوجد في تونس أو في الاقليم ممن يتابعون الشأن السياسي على الأقل منذ الربيع العربي من يجهل أني أكثر الناس حرصا على المساهمة في عمل الإسلام السياسي وأكثرهم نقدا لبعض تصرفات قياداته.
لكن حرصي المضاعف هذا لا يعني أني أنكر فضل حركات الإسلام السياسي عامة والنهضة خاصة على الأمة على الأقل منذ بداية الربيع. فكل ما يجري في الإقليم من علامات الاستئناف تدين به الأمة لرجال هذه الحركات ونسائها بكل أجيالهم ومنذ قرن كامل على الاقل.
لكن حركة النهضة صارت اليوم ضحية ظلم ذوي القربى. وهو الأشد مرارة من ظلم أعدائها الذين يعلمهم القاصي والداني.
لذلك يبنغي أن أشرح علة وصفي إياها بـ”سفينة نوح” للربيع العربي ليس في تونس وحدها بل في كل الإقليم وربما في العالم الإسلامي كله.
وما حدث في تونس بفضل دور النهضة مثال ينبغي أن يحتذى به.
كان من المفروض أن يكون مثالا يحتذيه جميع الإسلاميين في بلاد العرب للوصول إلى ما تحقق في تونس من بداية مشجعة للمسار الديموقراطي.
فأولا كل الذين يدعون تمثيل الثورة في تونس يدينون بوجودهم لبقاء الربيع فيها. ومن تقدم عليه من المعارضة لبورقيبة استوعبها ابن على فصار جلها “صبابة” نظام السابع من نوفمبر أو على الأقل تربية نظامه و”مثقفيه” من جنس كتّاب “الثورة الهادئة”. وهم إلى الان من توابع مافية ابن علي أعني ما يسمى باليساريين والقوميين والعلمانيين ممن قفزوا من أقصى البداوة إلى التظاهر بأقصى الحضارة.
ولذلك فهم أشد الناس على النهضة رغم أن بقاءهم نفسه شرطه بقاء دورها في حماية الربيع لأن الثورة كان يمكن أن تتحول إلى عنف فيصفيهم مثيلهم في الحركات الإسلامية. فالثورة كان يمكن أن تكون حربا أهلية بين من حولوا الحداثة السطحية إلى سلفية ظلامية ومن حولوا الأصالة السطحية إلى سلفية ظلامية.
وكان الأمر سيكون من جنس ما حدث في إيران لما أخذ الخميني الحكم فكانت تصفية الظلامية الملالية للظلامية الشيوعية في إيران أو ما يحدث في سوريا أو ما يحدث في اليمن و ما يحدث في ليبيا و ما حدث في العشرية السوداء في الجزائر.
لكن هؤلاء الذين لم يصبح لهم وجود سياسي إلا بفضل بقاء الربيع في تونس “مزروبون” أعني فتات حزب المرزوقي وحزب الشابي وحزب ابن جعفر وحزب ابن علي وبعض من يريد أن ينضم إلى ركبهم من جنس “هاني معاكم لا تنسوني”. كل هؤلاء لم يكن لهم ذكر أو وزن سياسي. لكن النهضة مدت لهم يدها حتى لا يكون تمثيل الثورة بالإرادة الشعبية مقصورا عليها خاصة.
وكان يمكنها بما حصلت عليه أن تفعل ما فعل الإخوان في مصر ما جعل الصراع يصبح داميا دون أن يكون ذلك بإرادتهم بل كان مؤامرة الجيش والنخبة اليسارية والقومية وخاصة السلفية والمسيحية التي ارادت الفشل للثورة.
لكن هذه المؤامرة لم تجد آذانا صاغية من جيشنا الوطني الذي كان مع الحكومة الاولى للربيع الحامي الثاني للمسار الثوري في تونس: وقد كنت شاهد عيان للتعاون على الامن الوطني بثقة متبادلة مطلقة بين السلطة التنفيذية وقيادات الجيش والامن الوطنيين.
وما كنت لأكتب هذا النص لو لم تفض الكأس من سماع من يذهبون إلى اعتبار النهضة من السيستام لأنها ضحت في مهادنة ليس خوفا منه بل أخذا بعين الاعتبار لما كان يمكن أن يقضي على التجربة الوحيدة ذات النجاح النسبي في ثورة الربيع. فلما أسمع جل الصبابة يزايدون على من دفعوا جل شبابهم في الصراع الذي كان داميا وهم في خدمة مافية ابن علي يتفاحلون حاليا للكلام على السيستام وما يضاده لم يعد بوسعي أن أقبل هذه المهازل.
فما أقوله في قيادات الحركة ليس للمس منهم أو من دورهم بل الهدف هو الاعداد للمستقبل لأن الأحزاب لا تبقى إلا بما تبقى به الحياة أعني تداول الأجيال: وقد حان أوان اعداد الجيل الخالف لبقاء الحركة دون التخلي عن الجيل السالف الذي يصبح ممثلا لجيل الرمز المتابع لجيل الفعل. فيكون الجيل السالف مسددا لفعل الخالف وتلك هي الحياة. فالآباء المؤسسون هم من يعد الأبناء المواصلين لما أسسوا له. ومجرد قيامهم بهذا الدور يزيد من منزلتهم الخلقية فيصبح للجيل الخالف رموزا يعتد برأيها ولا يعمل من دون الاستفادة من خبرتها ومشورتها.
أما أن يتطاول “المفرخة ” على الحركة الوحيدة التي ضمنت لتونس بقاءها رغم الأمواج العاتية في الزوبعة التي يمر بها الاقليم فإن الواجب يقتضي أن أقول إن حركة النهضة -كما قلت في بداية مشاركتي المستقلة في العمل السياسي – هي قمة الإصلاح في الإسلام السياسي الذي سيجد في تجربتها طريق السلامة لتحقيق شروط الاستئناف. وهي بهذا المعنى “سفينة نوح” بكل معاني الكلمة.
وحتى موافقتي على قرارها التصويت لسعيد، رغم رفضي لرؤاه وعلمي بعدم أهليته، فهي لأني أعتقد أن ذلك ليس لقناعة بأنه الرجل المناسب، بل لأنها تريد أن تحول دون أن يستغله أعداء الثورة والأمة فتكون مرة أخرى الحرز الحامي للثورة وللوطن وللأمة.

  • شارك على:
145
 اعتقال نشطاء من المعارضة الجزائرية الشيخ السلاّمي: آخر العمائم؟ 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج