Loading alternative title

خالتي هنيّة .. التي لا تعرف ورقة العشرين دينارا

تاريخ النشر: 2019-11-10 || 12:51

خالتي هنيّة .. التي لا تعرف ورقة العشرين دينارا

كتب الخال عمار الجماعي

كانت خالتي " هنيّة " أقصر ممّا يجب أن تكون عليه إمرأة يرغب فيها الرّجال ولكنّها كانت مُخصبةً ولودا ! فأتمّت ستّة أبناء لزوج ، طلاّع نخل جمّاع تمرٍ .. قمحيّة ولكنّها أميل لبياض نراه في ساكنات الواحات ، نحن القادمين بسمرة الصحراء و بلاغة الألسن التي تشفع لنا في صحبتهنّ ! ..هي جارة لنا و " حبيبة " أمّي .. و أمّي لا تبلغ عندها إمرأة هذه المرتبة إلا بعد مطاولة و عشرة ..
عرفتها و انا صبيّ تحملني أمي معها إلى بيتها القريب في كلّ ليالي الخريف لتساعدها في تخزين التّمر و تظفر لنا ببعض نصيب تأكله الأسرة بعد أن تعطّره بالإكليل و الخزامى ..و ل" خالتي هنيّة " روح في سكّر تمرها يجعله مثلا في التّمور ! فنقول :" سكريّ كتمر خالتي هنيّة " .. أذكر كومة" المطرّف" الذي يناوش بُسرَه بعضُ سواد فيكون أصلح للخزن .. القنديل الزيتي فوق رؤوسنا و أحاديث السمر يفيض بها لسان " خالتي هنيّة " ..وفي الحقيقة كانت تنتزع النّكتة ببعض فحش فتعضّ أمي - بين ضحكات بناتها - اصبعها مشيرة للولد الجالس الذي " يفهم "!! .. كنت أستطيب تقليدها لزوجها وهو مقبل عليها و لا يجد تكّة سرواله فيلجأ حتّى تعينه او ولدها البكر وهو يترنّح من سكر !! كان مجلسا يطرح سكّرا ك" سكّر تمر الخالة هنيّة " ..
ودارت دورة الأيام و انتقلنا بعيدا ولكنّ امّي لم تنقطع عن زيارة " حبيبتها هنيّة " و توصيني دائما بحفظ حبل الودّ معها خاصة بعد أن قاطعها إبناها و مات زوجها و " ضفرت بناتها الشّيب " ولم يتزوّجن و انحدر حالها إلى بؤس ..ولكنّها لم تنقطع عن عادة التقليد الفكه و لا إشارتها الفاحشة و تضحك كأنّها لم تقل شيئا.
وكلّما عدت من العاصمة ، كنت أذهب إليها فتطبخ لي شايا و تحدّثني بالأحاديث القديمة و كلّما ذكرت أمّي كانت تقول :" رحمها الله ...كانت فحلة كرجل " ..و تواصل رغم ضعف بصرها تجديل سعف النّخل لتكون مروحة او قفّة أو مظلّة تستعين بثمنها على همّ الأيام ..
زرتها في الخريف الفارط ، فلم أجد تمرا و لا قنديلا و لا شايا .. فقد كانت تجلس إلى بنتها الوسطى بعد ان فقدت بنتين لها بداء غريب .. حدّثتني طويلا عن أمّي فأستدرّت دمعي و لكنّها فاجأتني في غير السّياق بجملة سريعا ما تجاوزتها :" يا ولدي كم اتمنّى أن تكون بيدي هذه ورقة عشرين دينارا .. أنا لا اعرف شكلها ! ولكن هي كثير من الفلوس على ما حدّثوني ! ..و في يدي الأخرى قفّة ..و ادخل السّوق و أشتري ما تشتهيه نفسي !" .. سرحت قليلا حتّى طلبت منها أن تقلّد زوجها كأيام زمان ..ضحكت و اعادت لي مشهد فكّه لتكّة سرواله ..حتى استلقيت على ظهري من الضّحك !!
من الغد وضعت في جيبي ورقة العشرين دينارا ..قصدت بيتها .. دفعت الباب فرأيت قليلا من الخلق واجمين .. إلتفتت لي بنتها وقالت :" خالتك هنيّة .. الدوام لله "!!
دخلت عليها مسجّاة لأودّعها ..قبّلتها في جبينها ..ودسست في يدها ورقة العشرين دينارا !
رحم الله " خالتي هنيّة " التي لا تعرف ورقة العشرين دينارا ! لقد كان سكّر تمرها ليس كمثله سكّرا ...

  • شارك على:
0
 وزير الأوقاف المغربي: نصف مليون مغربي يُقبلون على حفظ القرآن العاهل الأردني يعلن عودة الباقورة والغمر إلى سيادة المملكة الهاشمية 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج