Loading alternative title

أيقونات الحَراك ورمزية الاعتقالات

تاريخ النشر: 2019-11-27 || 18:30

أيقونات الحَراك ورمزية الاعتقالات
واسيني لعرج جامعي وروائي جزائري

واسيني لعرج

جامعي وروائي جزائري

كتب واسيني لعرج

ملامح لا تبشر بالخير مطلقاً من الآتي، يعيش الحراك في أسبوعه الأربعين ورد فعل السلطة تناقضاً صارخاً ومخيفاً؛ من جهة يبذل الحراك جهوده للحفاظ على سلميته وعدم السقوط في دوامة العنف، على الرغم من اختراقات العصابة والنظام نفسه وقتلة الأمس، يستعرض النظام قوته باعتقال كل من لا يرضى عنه، مع أن عودة بسيطة إلى الوراء تظهر لنا عكس ما يحدث اليوم، وكلها علامات لا تبشر بأي خير أبداً. فقد رافقت المؤسسة العسكرية الحراك في البداية، واختارت صف الشعب لأنها منه، وذهبت بعيداً في خياراتها، فأسقطت العهدة الخامسة، وكان هذا هو المطلب الرئيسي للحراك، وجرّت رؤوس العصابة من سياسيين كبار، وعسكريين، ورجال المال المتواطئين، ووضعت الخيارات الجديدة في المسار، وفجأة تغير المسار فتعقدت المطالب التي ارتفعت عالياً.
الحراك قوة لا يمكن الاستهانة بها، بدءاً من الخيارات الدستورية التي تبنتها المؤسسة العسكرية، وخيار الاعتماد على مجلس وطني موسع، سيادي مع كل المخاطر التي يمكن أن تستتبع ذلك. منذ تلك اللحظة بدأت الفرقة وظهر على الواجهة شعبان، شعب السلطة؟ وشعب الحراك؟ وإذا بدا هذا التقسيم تعسفياً، فإننا نشعر بوجودهما وبالقوى أيضاً التي تقف خلفهما. هذا التناقض دفع إلى ظهور سلطتين، سلطة رمزية لكنها قوية، سلطة الحراك بكل شعاراتها المختلفة التي انتقلت من السلمية إلى المواجهة، بل إن تعنت السلطة سيؤكد فرضية محاولة غلق مكاتب الانتخابات في الجزائر وفي القنصليات، كما حدث في بعض البلديات، في منطقة القبائل. هذا ينبئ للأسف بقادم مظلم لا أحد يدرك نتائجه القاسية، إلا إذا كانت السلطة تملك العصا السحرية في يديها؟ هذا الوضع الذي تتحمل فيه السلطة مسؤولية كبيرة، يمكن أن يدفع بالبلاد إلى دوامة العنف الكبير، وإلى عمليات التدويل التي بدأت تتأكد منذ الآن. بدل الحوار والاستماع إلى صوت العقل، اختارت السلطة طريق الطرش، وعدم الاستماع إلى نداءات الحراك التي وصلت إلى بلدان العالم، لكن لم تصل إلى آذان السلطة؛ بل اختارت الحلول المتطرفة، ومنها التعنيف والاعتقال الذي لم تشهده البلاد حتى في فترة حكم العصابة والفساد. أي رمزية لهذا الاعتقال باختيار رؤوس الحراك الذين لم تثبت ضدهم أية تهمة حقيقية سوى الكلام الفارغ الذي يزكيه قضاء تم إفراغه من الداخل. حتى حينما حاول أن ينتفض تم كسره وإرجاعه إلى بيت الطاعة الذي تربى فيه.
صحيح أن الحراك لم يخلف أية ضحية منذ بدئه، وهذا يحسب لسلمية الحراك في الأصل، ولكن أيضاً لوعي القوى الأمنية التي حافظت على دمها البارد حتى في أصعب الاصطدامات. فقد علمتها سنوات الرماد ألا ترتكب حماقات التقتيل لأن نتائجها غير مضمونة وقد تدفع بالملايين التي تحتل الشوارع إلى العنف الذي لا يمكن السيطرة عليه. ولكن أليس الاعتقال قتلاً رمزياً؟ ما معنى أن تسرق من إنسان حر حركته الطبيعية ويتم شله، في وضع يخسر فيه شرطه الإنساني؟ الاعتقال قتل رمزي، وغرف السجن قبور مصفوفة، بل حشر في انتظار العقاب. يسحبون نحوهم نفسها صورة القرن التاسع عشرة، حيث كانت السجون قلاعاً كما يقول فوكو، وكانت السلطة فخورة بملء المدن بالسجون، في عمق المدن. كل من يسرق، يغتصب، يقتل، يسجن. يضاف لها اليوم من يفضح السارق القاتل المغتصب، يسجن أيضاً. والهدف السيطرة على الإنسان الآخر الذي لا يخضع لقانون الهيمنة حتى يصبح ناعماً وصالحاً كما يقول ميشيل فوكو في surveiller et punir.
لم تكن اعتقالات الحراك عبثية ولكنها محسوبة رمزياً، وأظهرت في الوقت نفسه غطرسة نطام تغنّانت. لا أحد في منأى عن الاعتقال، السياسي الوطني مثل حالة طابو التي بينت حالة مفجعة يعوم فيها القضاء، جهة تخلي سبيله، وأخرى تعيد اعتقاله. اعتقال سياسي ومسؤول حزب واتهامه بكل التهم الغريبة يبين أن الجزائر في وضع خطير. ثم فضيل بو مالة أحد أهم وأجدر المثقفين الوطنيين، حصصه التليفزيونية من خلال الجليس أيام الشدة الكبرى (العشرية السوداء) تبين قدرات الباحث والمفكر والمثقف في الوقوف بجانب خيارات شعبه، كان من المثقفين القليلين من الذين وقفوا ضد العهدة الخامسة قبل بدء الحراك، وكان حضوره كبيراً ولافتاً من خلال الفيديوهات التي كان ينشرها، رافضاً الملكية الجديدة التي رسخها بوتفليقة. كان يفترض أن يكون في أعلى مراتب الدولة لا في المعتقل، مع عصابة نهبت البلد كلياً وحولتها إلى مزرعة خاصة. من زار بيته مليئاً بالقنابل الموقوتة: مؤلفات في الفكر والفلسفة الإنسانيين، ومنتج مالك بن نبي، وكتب الاقتصاد، ومحاضراته التي ألقاها في أماكن كثيرة في الجزائر أو خارجها. مثقف يعي جيداً مسؤوليته التاريخية. ثم، في سابقة شديدة الخطورة تم اعتقال المجاهد بورقعة، الذي قاوم الاستعمار طوال أيام الثورة، ووقف في وجه كل أنظمة الفساد والانقلابات على مدار الخمسين سنة الأخيرة. شيء لا يمكن قبوله إنسانياً ولكن أيضاً لتاريخه النضالي الكبير ولرمزية إهانة للنظام نفسه لأنه يبدو من حيث فعله أسوأ من الاستعمار، وإهانة لتاريخ الرجل الذي كان رفيقاً للشهيد سي أمحمد بوقرة. وأخيراً تم اعتقال الطالبة ذات الـ 22 ربيعاً، دحماني نور الهدى التي توجد حالياً في سجن الحراش.
السبب، رفعت لافتة تدين العصابة والفساد، فقط ليفهمنا هذا النظام الرث، احذروا، فلا أحد خارج دائرة الاعتقال حتى المرأة؟ طبعاً بقي فقط أن يعتقلوا جميلة بوحيرد لأنها نزلت إلى الحراك وشاركت فيه كأيقونة تاريخية؟ كل من يحل فمه، يطيحوا ضروسه، مثلهم العريق. في الوقت الذي يترشح فيه الكثير من بقايا العصابة للرئاسيات، وتحقيق بسيط سيكشف كم أن الكثير منهم نهبوا وسرقوا من المال العام وكانوا وراء فضائح وتراجيديات وطنية كبرى. ماذا تعني هذه الاعتقالات؟ التخويف؟ الترهيب؟ صعب على جيل عاش وهو يرى الظلم والرؤوس المقطوعة معلقة على أخشاب طرقات المدرسة، في العشرية السوداء، أو وهو يرمي بنفسه يأساً من بلاد احتلتها العصابة وحولتها إلى مرتع للضباع، أن يخاف أو يردع بالسجون. أخشى أن يكون النظام قد بدأ يغرق من حيث لا يدري، ويغرق معه الجزائر، فهو من يصنع الأيقونات التي ستكبر بسرعة وستضعه وراء قضبان التاريخ وعليه أن يجيب عن سؤال واحد: ماذا فعل بسلمية قرابة السنة؟

  • شارك على:
0
 موريتانيا: أحكام تتراوح بين 10 و15 عاما سجنا بتهمة ممارسة العبودية حملة أمنية تشمل الوردانين وسوسة والمنستير 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج