Loading alternative title
  • الرئيسية
  • آراء
  • دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية

دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية

تاريخ النشر: 2019-11-30 || 11:12

دول الخليج: ترسانة أسلحة وامبراطورية تجسسية إلكترونية
د. سعيد الشهابي كاتب من البحرين

د. سعيد الشهابي

كاتب من البحرين

 كتب د. سعيد الشهابي

لم يعد السباق بمنطقة الخليج محصورا على توسيع النفوذ السياسي او التسلح او الرغبة في الهيمنة فحسب، بل اصبح مجال التجسس خصوصا الالكتروني منه، مجالا واسعا للتنافس، وان كان السباق في مضماره محاطا بالسرية، وقلما يظهر الى العلن. غير ان هذا التوسع المحموم فرض نفسه في السنوات الاخيرة على الساحة الاعلامية واخترق حدود السرية فرشح شيء منه. وما الاعلان الاسبوع الماضي عن اعتقال السلطات الامريكية عناصر تجسس لصالح السعودية الا الفصل الاخير في مسلسل سباق ليس له حدود. تظهر شكوى من وزارة العدل الأمريكية أن اثنين من الموظفين السابقين في تويتر ورجلا ثالثا من السعودية يواجهون اتهامات بالتجسس لصالح المملكة من خلال البحث عن بيانات شخصية خاصة بمستخدمين وتقديمها لمسؤولين سعوديين مقابل أموال. وربما يعتبر هذا النوع من التجسس اهون كثيرا من اشكال اخرى منه، تمارسه الدول المتحالفة ضمن ما يسمى "قوى الثورة المضادة". فما تقوم به السعودية والامارات والبحرين من اعمال تجسسية على مواطنيها يفوق ممارسات الدول الشرقية التي كانت منضوية ضمن "الاتحاد السوفياتي". وما اكثر الكتب التي صدرت حول تلك الاجهزة وشراستها خلال الحرب الباردة، بعضها توثيقي واغلبها خيالي، حتى اصبحت اسماء تلك الاجهزة مثيرة للخوف الشديد في نفوس الكثيرين حتى من غير مواطني تلك الدول ومنها "كي جي بي" الروسية "واستاسي"  . ومع ان الجانب الاكبر من نشاط تلك الاجهزة موجها للدول الغربية واختراق انظمتها الا ان جانبا كبيرا من نشاطها كان موجها للمواطنين العاديين خشية تمرد البعض على الانظمة القمعية آنذاك. ويعيد الحديث عن اجهزة الاستخبارات تلك الذاكرة الى الوراء عندما كان جهاز "ألسافاك" الايراني مرعبا للطلبة والنشطاء خارج الحدود، فضلا عن القاطنين داخل ايران. كما كانت اجهزة الامن لدى سوريا والعراق ومصر من اشد ما يخيف مواطني هذه الدول. وعندما صدرت في 1949 رواية الكاتب البريطاني جورج اورويل الشهيرة بعنوان "1984" وهي من صنع خيال الكاتب تماما، كان محتواها غير قابل للتصديق. ولكن فصولها بدأت في التكشف في السنوات الاخيرة، واصبح مصطلح "الاخ الكبير" تعبيرا رائجا، برغم محاولات التخفيف من وقعه واثره على نفوس الكثيرين.

لقد اصبح من الطبيعي للدول تشكيل اجهزة امنية صارمة، خصوصا في عالم يفتقر للنزاهة والعدالة والمنطق، وتتجه انظمته السياسية نحو توسيع نفوذها من اجل مصالح سياسية واقتصادية. فاجهزة الاستخبارات لا تحصر نشاطاتها بالجوانب الامنية ذات الطابع السياسي، بل توسعها لتشمل النمو الاقتصادي والتجاري لدى الدول المنافسة. فالغرب يتجسس على الصين مثلا للتعرف على اساليبها في الانتاج والتسويق. ويعزى الكثير من التطورات التكنولوجية لاجهزة الاستخبارات عموما والامريكية بشكل خاص. فهي التي تدير مختبرات البحث وتوظف العقول العلمية المتفوقة، وتنفق اموالا هائلة على مشاريع البحث. فمثلا اجهزة الكومبيوتر التي انتشرت على نطاق شعبي واسع منذ نهاية الثمانينات كانت متوفرة لدى المخابرات المركزية الامريكية منذ الخمسينات. ويمكن القول ان ما يسمى "الدولة الحديثة" تضاءلت صلاحياتها كثيرا بعد ان اصبحت اداة بايدي اجهزة استخبارات بلدانها، فهي صاحبة القول الفصل في القضايا الكبرى، وان غلف ذلك بقرارات حكومية علنية.

التوسع الاستخباراتي الخليجي ليس ناجما عن يقظة عميقة للدفاع عن مصالح البلدان والشعوب، بقدر ما هو تعبير عن تشكل عقل لدى نخب حاكمة صغيرة يهدف لتوسيع النفوذ من جهة، وضرب المنافسين الاقليميين من جهة ثانية، واضطهاد المواطنين ومنع قيامهم باية حراكات سياسية ثالثا. ولذلك فعندما اعلنت واشنطن عن اعتقال الموظفين الثلاثة العاملين ضمن اجهزة "تويتر" للتجسس على حسابات النشطاء ونقل ذلك للاستخبارات السعودية، كان امرا مفاجئا للبعض بسبب الاعتقاد السائد بان السعوديين لن يمارسوا انشطة استخباراتية داخل امريكا التي لا تسمح بذلك عادة. وما اكثر الحالات التي تم فيها تبادل طرد الجواسيس بين العواصم الغربية والشرقية خصوصا خلال الحرب الباردة. ومنذ صعود محمد بن سلمان قبل اقل من خمسة اعوام توجهت المملكة العربية السعودية نحو سياسات جديدة تهدف لتوسيع النفوذ الاقليمي والدولي من جهة والسيطرة المطلقة على المواطنين لمنع اي حراك ذي طابع سياسي من جهة اخرى، وادخال الرعب في نفوس مسؤولي دول مجلس التعاون الاخرى التي تصغرها سكانا ومساحة واقتصادا. ومع ذلك ما تزال الاجهزة السعودية بدائية جدا، فسرعان ما تنكشف خططها وتغضب اصدقاء الرياض. وجاءت جريمة اغتيال الاعلامي جمال خاشقجي العام الماضي لتؤكد هشاشة النظام الامني السعودي، ففي غضون ساعات من الجريمة اكتشف قدر كبير من تفصيلاتها وعناصرها. وما اكثر المقاطع المرئية التي تنتشر هذه الايام لممارسات اجهزة الامن السعودية، وما تمارسه من ذبح للنساء والرجال على اساس تهم لا تصمد امام التحقيق الموضوعي. فهل هناك اخفاق استخباراتي اكبر مما حدث في الاعوام الاخيرة؟ فقد شنت الحرب على اليمن بعد معلومات خاطئة اقنعت السياسيين والعسكريين بامكان هزيمة اليمنيين بقيادة انصار الله في غضون اسابيع. فما ابعد ذلك التقييم عن الحقيقة.

ولاتقل الدول الاخرى المتحالفة ضمن قوى الثورة المضادة انفاقا على اجهزة الامن. هذه الاجهزة ليست مؤسسة على عقيدة راسخة بضرورة حماية المجتمع المدني وتوفير الامن للمواطنين العاديين، بل ان هدفها الاول الترصد للنشطاء ومنعهم من القيام باي حراك يحرج السلطات. وفي شهر يناير الماضي بتثت وكالة انباء "رويترز" تقريرا طويلا حول انطلاق مشروع تجسس الكتروني اماراتي بادارة الامريكية لوري ستراود بعد ترك وظيفتها كمحللة استخبارات بوكالة الأمن الوطني الأمريكية. هذه السيدة التحقت بما سمي "مشروع ريفين" المكون من فريق سري يضم أكثر من 12 فردا من العاملين السابقين في الاستخبارات الأمريكية وذلك لمساعدة الإمارات العربية المتحدة في عمليات مراقبة حكومات أخرى ومتشددين وناشطين في مجال حقوق الانسان ممن ينتقدونها. وحسب تقرير "رويترز" كانت مهمة ستراود وفريقها استخدام ما تعلموه من وسائل خلال العمل عشر سنوات في عالم الاستخبارات الأمريكية لمساعدة الإمارات في اختراق هواتف أعدائها وكمبيوتراتهم. وقد انضمت ستراود للفريق من خلال شركة في ولاية ماريلاند تعمل في مجال الأمن السيبراني لمساعدة الإمارات في إطلاق عمليات اختراق إلكتروني، ولكن الإماراتيين نقلوا مشروع ريفين إلى شركة إماراتية تعمل في مجال الأمن الإلكتروني اسمها دارك ماتر. تكشف قصة المشروع ريفين كيف استغل متسللون سابقون في الحكومة الأمريكية أحدث وسائل التجسس الإلكتروني لحساب جهاز استخبارات أجنبي يتجسس على نشطاء حقوق الإنسان وصحفيين وخصوم سياسيين. ووفقا لتقرير رويترز فقد "استغل أعضاء الفريق ترسانة من الأدوات الإلكترونية من بينها منصة تجسس حديثة جدا تعرف باسم (كارما) يقولون إنهم تجسسوا من خلالها على هواتف الآيفون لمئات من النشطاء والقيادات السياسية وأفراد تحوم حولهم شبهات أنهم إرهابيون."

اما البحرين فلدى حكومتها باع طويل في التجسس على المعارضين وقمعهم بالاستعانة بخبراء اجانب. بدأت القصة باستقدام الضابط الاستعماري البريطاني ايان هندرسون في ابريل 1966 لادارة القسم الخاص بجهاز الاستخبارات قبل الانسحاب البريطاني من المنطقة. واختير هذا الشخص بعد تجربته الطويلة في تعقب نشطاء حركة "ماو ماو" الكينية الذين قادوا عملا مسلحا ضد الوجود البريطاني في جبل كينيا آنذاك. وتجدر الاشارة الى اكتشاف بقايا جثة الناشط الكيني، ديدان كيماثي، الاسبوع الماضي بعد 63 سنة على قتله بايدي عناصر جهاز هندرسون. اما التجسس الالكتروني من حكومة البحرين على المعارضين فقد ظهر الى العلن في 2014 بعد اختراق نشطاء حقوقيين موقع شركة بريطانية – المانية زودت حكومة البحرين بنظام "فين فيشر". وقد استطاع فريق الاختراق تحديد اجهزة كومبيوتر تابعة لثلاثة من المعارضين لاجئين في لندن، وحدثت ضجة اعلامية حول موضوع الاختراق الالكتروني من قبل حكومة البحرين. وبدلا من مراجعة سياساتها استمرت تلك الحكومة في توسيع دائرة تجسسها فاستعانت بشركة اسرائيلية لمساعدتها على اختراق نظام "واتس أب" بهواتف المعارضين وغيرهم. ويعتبر التطبيع الذي قامت به الدول الثلاث مع "اسرائيل" بوابة لتكثيف التجسس على المواطنين بوسائل الاختراق الالكترونية. هذا التجسس لا يهدف لاستباق اعمال غير قانونية قد يقوم بها هؤلاء، بل انها رسائل للمعارضين بان الحرب معهم مفتوحة على كافة الجبهات والاحتمالات.

بدلا من تسخير الطاقات التجسسية لدى هذه الدول للاستخدام ضد الجهات التي تستهدف الامة وشعوبها، ومن اجل حماية المواطنين ورصد الانشطة الهدامة ومراقبة ظاهرة المخدرات والانحرافات السلوكية، اصبح المواطنون المطالبون بالحرية والاصلاح السياسي هم المستهدفون الاساسيون من جانب هذه الحكومات. والواضح من خلال الاستعراض ان العناصر التي تساهم في هذه العمليات التجسسية انما هم اجانب يتم استقدامهم بتكاليف باهضة لتعبئتهم ضد المواطنين المتطلعين لممارسة سياسية افضل وتوزيع اعدل للمدخولات النفطية الهائلة. ويتوقع حدوث شرخ بين هذه الحكومات بسبب استهداف بعضها البعض في عمليات التجسس الالكتروني المذكورة. وكما كشفت حرب هذا التحالف غير المقدس على اليمن حدود ترسانة الاسلحة والقدرات التجسسية الالكترونية، فان الهزيمة النفسية امام الطرف الآخر هو السبب الاهم في الاندحار والهزيمة التي لم تمنع حدوثها الاسلحة الفتاكة او القدرات التجسسية الرهيبة.

 

  • شارك على:
0
 عبد الباري عطوان: قيس سعيّد قال لي إن خميّس الجهيناوي مطبّع (فيديو) البكاء حاضر بقوة في الحملة الانتخابية الجزائرية 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج