Loading alternative title
الأخبار

في نتائج سبر الآراء: مأزق السياسيين والأحزاب

تاريخ النشر: 2020-01-28 || 11:04

في نتائج سبر الآراء: مأزق السياسيين والأحزاب
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سياسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سياسي

كتب علي بوراوي

اعتبر 75 بالمائة من التونسيين، أن البلاد تسير في الإتجاه الخطإ، بينما اعتبر 21٫5 بالمائة فقط من العينة التي شملها سبر الآراء، أن البلاد تسير في الإتجاه الصحيح. جاء ذلك في سبر للآراء قامت به مؤسسة "سيغما كونساي" في الفترة ما بين 16 و21 جانفي الجاري.

وفي معرض إجاباتهم عن درجة رضاهم عن أداء الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، يقول سبر الآراء إن الرئيس قيس سعيد كان في الطليعة، بنسبة رضى بلغت 63٫9 بالمائة، يليه رئيس الحكومة يوسف الشاهد بنسبة 35٫4 بالمائة، ثم رئيس مجلس النواب بنسبة 17٫5 بالمائة.

أما في صورة إعادة الانتخابات التشريعية، فإن نوايا التصويت منحت الحزب الدستوري الحر المرتبة الأولى بنسبة 16٫6 بالمائة، تليه حركة النهضة بنسبة 15٫9 بالمائة، ثم حزب قلب تونس الذي يرأسه نبيل القروي بنسبة 15٫6 بالمائة، ثم التيار الديمقراطي بنسبة 11٫3 بالمائة، ثم ائتلاف الكرامة بنسبة 10٫2 بالمائة.

واحتفظ الرئيس قيس سعيد بالمرتبة الأولى في حال إعادة الانتخابات الرئاسية، إذ نال نسبة 63٫9 بالمائة من نوايا التصويت، جاء بعده نبيل القروي بنسبة 11٫1 بالمائة، ثم الصافي سعيد بنسبة 7٫9 بالمائة، ثم عبير موسي بنسبة 4٫4 بالمائة، وفي الأخير يوسف الشاهد بنسبة 3٫5 بالمائة.

هذه النتائج تضع السياسيين التونسيين وقادة الأحزاب في مأزق حقيقي. وهي تحتاج إلى وقفة جادة، رغم ما يمكن أن يقال عن عملية سبر الآراء هذه، من ملاحظات تقدح في الأرضية التي بنيت عليها، سواء في طريقة توجيه الأسئلة، أو في اختيار الشخصيات، أو في الخلفية التي صيغت بها الأسئلة والخيارات التي وضعت أمام المستجوبين. هذا طبعا إذا سلّمنا بصحة نتائج سبر الآراء، واستبعدنا تزييفها.

فقد سبق أن شهد التونسيون قبيل الإنتخابات التشريعية الماضية تزييفا لنتائج سبر الآراء، وبحجج ووثائق مادية لا يرتقي إليها الشك، ومرّت كما تمرّ قضايا الفساد الكثيرة، دون محاسبة ولا عقاب!

فمما لا يخفى على أحد أنّ صاحب مؤسسة "سيغما كونساي" يجتهد في تلميع صورة الثورة المضادة، ونظام الإستبداد بوجهيه البورقيبي والنوفمبري. وتصريحاته واضحة في ولائه  للمشروع التغريبي، وفي ضيقه بالتيارات المتمسّكة بالهوية العربية الإسلامية.

وعهدنا في مؤسسة سبر الآراء هذه، عدم حيادها، بل اجتهادها في توجيه الرأي العام وإعادة صياغته، بما يخدم المشروع السياسي الذي يدعمه صاحبها، مهما حاول إخفاء ذلك.

وتبدو نتائج سبر الآراء هذه، وكأنّها موجّهة بدرجة أولى إلى قيادة حركة النهضة، التي لا تستبعد إعادة الإنتخابات التشريعية، بسبب ما يشهده مجلس النواب من تجاذبات وتشويش، يعمد إليه بعض النواب، لتشويه صورة أهم مؤسسة في هذه الديمقراطية الناشئة، وترذيل العملية الإنتخابية. وكذلك وضعها في المرتبة الثانية في نوايا التصويت البرلمانية، بعد الحزب الحر الدستوري. والتشكيك المغلّظ في شعبية رئيسها راشد الغنوشي، عقابا له على رئاسته مجلس نواب الشعب! 

لعلّه من حسن حظّ التونسيين وثورتهم، أنّ شخصية الرئيس قيس سعيد مازالت تستهوي التونسيين وتلهمهم. وسعيد رجل يؤمن بالثورة ومنحاز إليها، فكيف يلتقي اختيار شخص قيس سعيد في المرتبة الأولى من الشخصيات السياسية التي تلقى قبولا من التونسيين، مع اختيارهم – في نفس العيّنة – للحزب الدستوري الحر على رأس الأحزاب في نوايا التصويت للبرلمان، وهو الحزب الذي يعلن رفضه للثورة وتجريمه لها ولكل من يناصرها، ويفتخر بسياسة كل من بورقيبة وبن علي الإستبدادية، التي أذلّت رجال تونس ونخرت المجتمع وأشاعت الفساد وشرّعت للإقصاء؟

وكيف ذابت واختفت نسبة المصوّتين إلى رمز الثورة الرئيس قيس سعيد والتي بلغت 63٫9 بالمائة، فلا نجد منها سوى أقل من نصفها في نوايا التصويت للأحزب المناصرة للثورة في نوايا التصويت التشريعية، وتصعد نسبة المصوّتين للأحزاب المشتقة عن النظام القديم، المتبرّمة من الثورة وأهدافها، والتي يعتبرها الرأي العام رمزا لتفشي الفساد وضياع الثورة؟

ألهذا الحد بلغت درجة تناقض التونسيين مع أنفسهم؟

لكن رغم علّات سبر الآراء هذا، فإنه عبّر عن حقائق يجمع حولها التونسيون، رغم مرارتها. يتجلّى ذلك في نسبة الذين اختاروا قيس سعيد رئيسا في حال إعادة الرئاسيات، بلغت نسبتهم من العينة 63٫9 بالمائة، بينما نالت رئيسة الحزب الدستوري الحر نسبة 4٫4 بالمائة في حال إجراء انتخابات رئاسية، ولكن حزبها حصل على 16٫6 بالمائة من نوايا التصويت في حال إعادة الانتخابات التشريعية. والفرق جد كبير بين النسبتين. لكن، كيف ولماذا نال هذا الحزب النشاز المرتبة الأولى في التشريعيات المحتملة؟

هذا السؤال يوجّه بدرجة أولى إلى قيادات الأحزاب التي تعتدّ بنفسها وبتاريخها النضالي وشعبيتها، وعلى رأسهم قيادات حركة النّهضة. وهذا يؤكد ضرورة أن تعيد الحركة النظر في مسارها السياسي، وعلاقتها بثقافة الثورة وقواها. فهل تتجرأ على ذلك؟ وهل يمكنها أن تتبنى سياسة ومواقف تُقنع ناخبيها وجمهورها، وتعزّز علاقتهم بها، وتثبت على قيم وأهداف واضحة وسهلة الفهم للناخبين؟ أم ستواصل في المواقف المضطربة والمتغيّرة إلى حدّ التناقض أحيانا، بشكل يجعل أعضاءها، فضلا عن مناصريها، في حيرة، وعاجزين عن الفهم. فالسياسة الناجحة هي التي يسهل على الرأي العام فهمها والتجاوب معها إيجابيا، وليست تلك التي تحتاج دائما إلى توضيحات واتصالات. وهل تتوفّر الحركة على سياسة اتصالية ومؤسسات إعلامية تغطي هذه الحاجة؟

كما أن وجود ثلاثة أرباع التونسيين الذين يعتبرون أن البلاد تسير في الإتجاه الخطإ، وهو ما يمكن اعتباره واقعيا، نظرا لما تشهده الساحة السياسية والحزبية من تناقضات وتوتّر وعرقلة لمصالح البلاد والشعب، تطرح أسئلة كثيرة، وتحرج الجادّين من الشخصيات السياسية والأحزاب. لكنّ أكثر هؤلاء يستشهد بهذه النتائج، ولا يجرأ على القدح فيها، ويعتبر نفسه غير معني بها، وكأنّ كل من سواه معني بها، إلاّ هو!!!

الشارع التونسي يسائل هؤلاء الذين تربّعوا على مقاعد المسؤولية في مؤسسات الدولة: هذه نتائج أعمالكم، فماذا أنتم فاعلون؟ وماذا أعددتم لانتزاع رضى الناخب عنكم في انتخابات قادمة، قد تكون قريبة؟

هل تسمحون لنا بالقول إن وجود عبير موسي وحزبها بالحجم الذي هما عليه اليوم، ليس سوى صورة صارخة من فشلكم وإخفاقاتكم وسوء تقديركم لمصلحة البلاد؟

هل مازالت بوصلة كلّ منكم، يا من تزعمون أنّكم تعملون على خدمة مصالح البلاد وأهلها، هل مازالت بوصلة كل منكم في الإتجاه الصحيح: مناصرة الثّورة ومحاربة الفساد والإنحياز لمصالح الشعب، وخصوصا الفئات الضعيفة والمستضعفة منه؟

هل أنتم واعون بأن تحالفاتكم ومواقفكم قد ردمت الهوّة السحيقة التي كانت بين أنصار الثورة وخصومها، وألحقتكم في أعين العامة، برعاة الفساد والمتعايشين معه؟

قد يذهب بعض السياسيين إلى تحميل الشعب (درجة وعيه) مسؤولية ما وصلنا إليه، من خلال نتائج الانتخابات. ولكن أين كنتم يوم التبس الأمر على الرأي العام، وضعفت الرؤية واختلطت الأصوات؟ وما هي أولوياتكم في المعارك التي خضتموها وتخوضونها؟ هل كنتم تتحرّون مصلحة البلاد وثورتها، أم هي مصالحكم الفردية ملأت قلوبكم وأعمت أبصاركم عن الأهداف العليا التي تزعمون أنكم مدافعون عنها؟

لقد قلتم منذ أسابيع معدودة، أنّكم تلقيتم رسائل الانتخابات الأخيرة، ووعدتم الناخبين بأنّكم ستعيدون توجيه بوصلاتكم على أساسها، ثم عدتم بسرعة إلى أجنداتكم التي مازلتم ومازال التونسيون يكتوون بنار نتائجها المرعبة. فهل أنتم واعون بأنّكم ستكونون أوّل من يدفع ثمن ذلك؟ وأنّ التطهّر من شبهات الفساد وضريبة الإلتصاق بالسّلطة، ومختلف أوجه الفساد السياسي، غير متاح، لأنّ الممارسة السياسية، من شرف الإنسان، والشّرف إذا داهمه السوء، فإن استعادته أمر بالغ الصعوبة، حتى لدى من لا يؤمنون به؟

  • شارك على:
0
 روسيا: "صفقة القرن" تتجاهل قاعدة التسوية المعترف بها دوليا سيدة لونيسي: منعوا اللجنة البرلمانية من اللقاء بصاحب وكالة الأسفار في السجن 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج