Loading alternative title
الأخبار

تونس .. والفقر

تاريخ النشر: 2020-02-07 || 18:35

تونس .. والفقر
جنات بن عبدالله إعلامية متخصصة في قضايا الإقتصاد والإستثمار

جنات بن عبدالله

إعلامية متخصصة في قضايا الإقتصاد والإستثمار

كتبت جنات بن عبدالله 

بقلم جنات بن عبد الله صنف التقرير الأخير للبنك الدولي الذي جاء تحت عنوان "تسريع الحد من الفقر في افريقيا لسنة 2019 " تونس كواحدة من أفقر البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا حيث يعيش نصف مليون تونسي على 4 دنانير في اليوم وذلك بناء على تعريف البنك الدولي لظاهرة الفقر الذي يعتبر أن كل من يعيش بأقل من 9 دنانير في اليوم هم فقراء. من خلال هذا التقرير يبدو أن تونس بعد الثورة قد قطعت تذكرة الأرقام القياسية السلبية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث يختزل مؤشر الفقر كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في البلاد والذي يترجم ارتفاع نسبة البطالة وارتفاع نسبة المديونية وارتفاع نسبة عجز الميزان التجاري وتعميق التفاوت الجهوي... ليرفع هذا المؤشر الستار عن حقيقة الخطاب السياسي الذي يتم الترويج له منذ عقود والذي يتباهى بإصلاحات هيكلية انخرطت فيها بلادنا منذ سبعينات القرن الماضي. أغلب الأحزاب السياسية التي دخلت مسار الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 رفعت شعار مكافحة الفقر وقدمت تصوراتها في المجال في الوقت الذي يفترض فيه واقع الانتقال الديمقراطي، وبعد تسع سنوات من الثورة، خطابا سياسيا جديدا يقوم على الإقلاع الاقتصادي وتوظيف الثورة الصناعية الرابعة التي تقوم على التكنولوجيا الرقمية... ليقف المواطن التونسي عند حقيقة صارخة تؤكد له أنه لم يخرج بعد من مربع التحديات الاقتصادية والاجتماعية لسنوات سبعينات القرن الماضي بل أن وضعه ازداد تأزما بخروجه من نادي البلدان النامية الى نادي البلدان الأقل نموا. لقد كشف التقرير الأخير للبنك الدولي بخصوص مؤشر الفقر في تونس في سنة 2019 أن مكتسبات العشرية الأولى للتنمية بعد الاستقلال في مجال بناء النسيج الاقتصادي الذي قام على القطاعات المنتجة وعلى دور القطاع العام في مجالات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل بمكوناته الثلاث البري والجوي والبحري بدرجة أقل، والكهرباء والماء وفي المجال التمويل العمومي وغيرها قد تآكلت اليوم في ظل ميزانية دولة تمثل فيها خدمة الدين 25 بالمائة من حجم الميزانية ونفقات التنمية 14 بالمائة ونفقات التأجير 15 بالمائة. وفي الوقت الذي تعتبر فيه عديد الأطراف أن تونس قد دخلت في سبعينات القرن الماضي مرحلة الانفتاح الاقتصادي بإرساء قانون أفريل 1972 الذي فتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي المباشر للانتصاب مقابل حصوله على مزايا مالية وجبائية سخية من ميزانية الدولة، ومهد لها الاندماج في الاقتصاد العالمي مرورا بالاقتصادي الإقليمي وتحديدا المجموعة الاقتصادية الأوروبية أنذاك والاتحاد الأوروبي حاليا، وذلك استنادا الى ما روجت له، ولا تزال، المؤسسات المالية الدولية وتحديدا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن مزايا هذا الاستثمار الذي يؤمن نقل التكنولوجيا والنفاذ الى الأسواق العالمية، يتضح أن الاقتصاد التونسي لم يخرج بعد من سجن المناولة الذي باعت في اطاره الدولة التونسية اليد العاملة الوطنية مقابل أجور زهيدة وتخلت عن الاستثمار الوطني وأخضعته الى ضغوط مالية وجبائية عالية فضلا عن تخليها عن حماية النسيج الاقتصادي من المنافسة الخارجية بتحريرها التدريجي للتجارة الخارجية. وفي سياق هذا التوجه الانفتاحي، تم احداث الصندوق العام للتعويض بمقتضى القانون عدد 26 بتاريخ 29 ماي 1970 وادراجه في صيغة حساب خاص في الخزينة بمقتضى القانون عدد 65 بتاريخ 31 ديسمبر 1970 والمتعلق بقانون المالية لسنة 1971 وذلك لدعم المقدرة الشرائية لشريحة واسعة من القوى العاملة التي ستعمل في قطاع الصناعات المعملية الخاضع لقانون أفريل 72. ويندرج احداث صندوق التعويض في تونس ضمن استراتيجية عمل البنك الدولي لاحتواء تداعيات الخيارات الاقتصادية ذات الكلفة الاجتماعية والتي لم تتغير الى اليوم حيث يعمل البنك الدولي، بعد الثورة بالتنسيق مع السلط التونسية، ولامتصاص الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بحماية المقدرة الشرائية للمواطن التونسي التي تدهورت بسبب الإصلاحات الهيكلية التي تعهدت بها الدولة التونسية تجاه صندوق النقد الدولي والمتمثلة في الضغط على عجز ميزانية الدولة من خلال رفع الدعم عن المحروقات وتقليص الاعتمادات الموجهة للقطاعات ذات البعد الاجتماعي من صحة وتعليم ونقل والتفويت في المؤسسات العمومية ...على ادماج برامج الحد من الفقر على غرار إرساء شبكة لحماية الفقراء والفئات الضعيفة الذي يفترض توفير المعرف الوحيد الذي سيتم بمقتضاه توزيع بطاقات الفقر في تونس الى جانب إرساء الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني ... وفي الوقت الذي يفترض من الحكومات المتعاقبة بعد الثورة العمل على اقرار وتدعيم السياسات المحفزة على الإنتاج ومراجعة السياسات التي عمقت الأزمة المالية الخانقة لتحسين المقدرة الشرائية للمواطن وتوفير مواطن الشغل وتدعيم منظومة الإنتاج والتقليص من الاقتراض الخارجي، واصلت هذه الحكومات في نفس خيارات سبعينات القرن الماضي وواصلت في بيع القوى العاملة التي تحولت اليوم الى كفاءات متخرجة من الجامعات مقابل أجور زهيدة ساهم انزلاق الدينار في سحقها وارتفاع التضخم في تبخرها وارتفاع الضغط الجبائي في امتصاصها. ما يلفت الانتباه في أطروحات الأحزاب السياسية في البلاد وخاصة تلك المتواجدة في الحكم إصرارها على اتباع سياسة التفقير التي يعمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على تزويقها في أديباته ودراساته في إطار ما يتم تسميته بإصلاحات هيكلية كبرى، حيث لا نجد أي تفسير ولا مبرر لدولة تقبل بتوظيف مواردها البشرية بأجور ضعيفة لفائدة شركات عالمية يتجاوز رأس مالها حجم ميزانية الدولة أو الناتج المحلي الإجمالي لنقف عند حقيقة أن الفقر في بلادنا أضحى سياسة ممنهجة تقوم على التفريط في مقدراتنا الوطنية من موارد بشرية وثروات طبيعية تحت مسميات منمقة مثل سياسة التقشف وسياسة الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي وهي سياسات تعمل مؤسسات بريتون وودز منذ انبعاثها في سنة 1944 على فرضها على البلدان "النامية" لضمان هيمنة رأس المال العالمي على ثرواتها البشرية والطبيعية.

  • شارك على:
0
 ضيعة أحيزون أقطاي يوقّع في إسطنبول خمس كتب مترجمة إلى العربية 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج