Loading alternative title
الأخبار

المستثمرون في الفشل

تاريخ النشر: 2020-02-10 || 16:08

المستثمرون في الفشل
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سياسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سياسي

كتب علي بوراوي 

رماني بحجر وصاح «يا شيوعي». لكن الحجر لم يصبني. التفتّ لأتعرّف على الذي قذفني، فلم أجد شيئا، سوى نوافذ مساكن كانت تحيط بالمكان.
كان هذا عندما خرجت من مقرّ الحزب الشيوعي الجزائري، بعد حوار أجريته مع زعيمه الهاشمي الشريف. فقد حرصت وقتها على إجراء سلسلة حوارات مع قادة أهمّ الأحزاب السياسية، بعد أن ألغى الجيش الانتخابات التي فازت فيها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» واعتقل قادتها، لأسالهم عن رؤيتهم للجزائر بعد إلغاء المسار الانتخابي.
ما لفت انتباهي في تصريحات قادة تلك الأحزاب، أنّهم كانوا يراهنون على وراثة جبهة الإنقاذ، في قاعدتها الشعبية التي منحتها أصواتها، وتجنّدت لنصرتها. مازلت أذكر إجابات كلّ من الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم، وعبدالله جاب الله رئيس حركة النّهضة، وأحمد بن بلّة زعيم «الحركة من أجل الديمقراطية» وحتّى الهاشمي الشريف زعيم الحزب الشيوعي، الذي قال لي يومها، إنّ الظلم والحرمان، وليس التديّن، هو الذي أكسب جبهة الإنقاذ ذلك الزخم الشعبي، وأنّ حزبه قادر على كسب تلك القاعدة الشعبية إلى صفّه. ولفت انتباهي وقتها، موقف حسين آيت أحمد، الزعيم التاريخي لحزب «جبهة القوى الاشتراكية» الذي لم أجد في تصريحاته هذه الرغبة، وإنما وجدته مهموما بالوضع السياسي الصعب الذي انزلقت اليه الجزائر، وأنّ «الرّدّة التي حصلت عن المسار الديمقراطي، تنذر بالأسوأ».
قادة الأحزاب السّالفة، كانوا يعتبرون أنّ قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» فشلوا وخسروا المعركة، وتركوا قاعدة شعبية واسعة، بدون قيادة، وأنّ الفرصة مواتية لوراثتها. ورغم إقرار نسبة عالية من أنصار الجبهة الإسلامية بأنّ عددا من قادتها ارتكبوا أخطاء خطيرة، إلاّ أنّ معظمهم رفض الانضمام إلى واحد من تلك الأحزاب. وظلّت تلك القاعدة الشعبية، التي أسالت لُعاب السياسيين، ترفض تلك الأحزاب إلى اليوم.
لقد انحدر مستوى العمل السياسي الشعبي في كثير من البلاد العربية، إلى الاستثمار في الفشل. فشلهم هم، وفشل منافسيهم في الأحزاب الأخرى. يحضرني هذا المشهد، وأنا أنظــــر إلى الســاحة الحزبية في تونس، بعد فشل أحزاب التحــــالف الثلاثي الذي حكم البلاد بعد الثّورة، بقيادة حركة النّهضة. نعم فشلت تلك الأحزاب في الحكم، وانفضّ من حولها جزء غير يسير من قاعدتها الشعبية، ولا أقول من أعضائها. وحتّى أعضاء هذه الأحزاب، أصابهم قدر غير يسير من خيبة الأمل، وأصبحت القاعدة الشعبية الواسعة التي تحمّست للثّورة، يتيمة، بدون قيادة سياسية.
حركة النّهضة، انفضّ من حولها جمهورها الذي جمعته حولها طيلة أربعين عاما من النضال السياسي، واستهلكته في أقلّ من عامين من مشاركتها في الحكم. هؤلاء يقولون إنّها نجحت في المعارضة، وفشلت في الحكم. نعم احتفظت الحركة بأعضائها المنتظمين في صفوفها، ولكن الفتور أصاب كثيرا من أنصارها والمتعاطفين معها. وحتّى مؤسساتها التي كانت محلّ إعجاب الكثيرين، فقدت وهجها، وأصبحت بلا طعم. ولم يبق للحركة سوى الشيخ راشد الغنوشي، المفكّر الإسلامي، والزعيم السياسي، رغم ما في تصريحاته السياسية من مواقف يعتبرها رجل الشارع متناقضة، بل وانتهازية. ويصنّفها كثيرون في خانة الموقف السياسي اليومي المتقلّب، الذي يقتات من جدية الرجل ورصانته. لكنّ الشيخ الغنوشي بقي رقما سياسيا صعبا، أمّا حزبه، فقد أصابه ما أصاب بقية الأحزاب السياسية من تآكل وضعف فعالية.
الشّيء نفسه أصاب حزب الدكتور المرزوقي «المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي تحوّل إلى مجموعة من القيادات، بدون قاعدة شعبية ذات بال. ولكنّ رصيد المرزوقي، الرئيس المتواضع والحقوقي والمناضل الصّلب الذي لم تسرقه إغراءات السياسة، ولم يغمض عينيه عن معاناة سكان القرى والأرياف والأحياء الشعبية والشباب المحبط، تضاعفت شعبيته، وجمع حوله نسبة غير بسيطة من المؤمنين بالتغيير ومحاربة دولة الفساد.
الفرق بين الرّجلين، هو أنّ الشيخ راشد الغنوشي أتيحت له الفرصة وفشل في استعمالها حسب وجهة نظر فريق، أو صدّه الوضع الدولي وحتى الإقليمي عن تحقيق ما كان يريد، حسب وجهة نظر آخرين. وانتهت به المرحلة إلى التّصالح مع ما خطّطت له القوى الدولية.
أمّا المرزوقي، فقد استمرّ في عناده، وحافظ على قدر غير قليل من الالتصاق بالحراك الثّوري، فظلّت حظوظه في الانطلاق منه، من جديد، مفتوحة. أمّا حزب «التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات»، ثالث أحزاب التحالف، فقد تبخّر تماما في لظى المعركة التي تدور بين دعاة التغيير ومحاربة دولة الفساد، وقوى الدولة العميقة.
ورغم المسافة بين التجربتين، التّونســـية والجــــزائرية، فإنّ الرّغبة في الاســــتثمار في الفشل، حاضــــرة لدى جزء مهم من النّخبة والأحزاب السياسية، في كلتا الحالتين، كما في عدد من البلاد العربية التي تعيش وضعا سياســـيا صعبا، كما هو حال ليبيا ومصر والعراق وسوريا واليمن، وبلاد عربية أخرى.
المشكلة أنّ هؤلاء المستثمرين السياسيّين، سواء كانوا قادة أحزاب أو من رجال النّخبة، بارت سلعتهم، ولفظهم الرّأي العام، ولم يبق لهم غير هذا الباب، ليواصلوا اقتياتهم من السّياسة. فقد فشلوا في كسب ثقة الشّارع العربي، لأنّ أحزابهم ليست أحزابا، وإنّما هي هياكل أحزاب، بدون حراك. هي أحزاب مصابة بالرّبو الحاد والمزمن، الذي يمنع سريان الأوكسجين في دورتها الدموية. فظلّت حياتها مرهونة بما يصلها من إسعافات، من هنا وهناك. إنّهم جنرالات السياسة، ينتظرون لحظة يمكنهم فيها ـ حسب اعتقادهم ـ أن يغنموا جنودا يخوضون بهم معاركهم، ليحافظوا على امتيازاتهم، أو ينتزعوها من غيرهم انتزاعا، ولا أرى أنّ ساعة الظّفر بهؤلاء الجند قادمة.
وهناك قادة، أو مشاريع قادة، لا تنقصهم الإرادة، ولكنّ بلورة رؤاهم للتغيير السياسي في برامج ملموسة يلقفها الشارع، ويتفاعل معها جزء من النّخبة وكثير من الكفاءات المستعدّة للإسهام في بناء وطنها، يحتاج إلى جهد غير بسيط. وهذا هو الخيار الآخر المتاح عربيا. ولا أرى خيارا آخر ثالثا للحكم، في ظلّ الأوضاع العربية الراهنة. ولقد اتّضح المستثمرون في الفشل، أمّا المصرّون على البناء، رغم إكراهاته الكثيرة، ومخاطره الجمّة، فمازالوا يبحثون عن اللّحظة المناسبة لذلك، ولم يعلنوا الاستسلام بعد.

نشر في "القدس العربي" بتاريخ 9 فيفري 2015 

  • شارك على:
0
 الجمعية التوسية للأمم المتحدة مستاءة من قرار إنهاء مهام السفير المنصف البعتي الجيلاني خطب عيشه 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج