Loading alternative title

مجلس فلسفة أمام كورونا

تاريخ النشر: 2020-03-11 || 09:10

مجلس فلسفة أمام كورونا
نورالدين علوي أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية  وروائي

نورالدين علوي

أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية وروائي

كتب د. نورالدين العلوي 

محتارون في كتابة اسم الوباء، بألف المد أو بالتاء المربوطة، فهو اسم ولد خارج العربية، وهو الامتياز الوحيد حتى الآن في المنطقة العربية التي لم تصدر طواعين للعالم عبر تاريخها، لذلك فإن لغتها لا تجد الحرف المناسب في التسمية، فتقبل الدخيل في التسمية كما قبلت الدخيل في الأدوية بعدما استسلمت للدخيل في الأمراض. هل عليها أن تفرح بوضعها الصحي العام رغم الفقر المتفشي، أم تندب حظها لأنها صارت مكبا دوليا لما لا نعرف من الأدواء والأدوية؟
فرصة للتفلسف أمام حالة الاستسلام العامة لمصير لم تصنعه المنطقة، فهي خرجت من منطقة التأثير إلى منطقة التأثر المستسلم. جملة واحدة للتعزية عندما يفنى العالم يمكن لآخر عربي حي أن يفخر بأنه بريء من فنائه.. هل سيفنى العالم بهذا الوباء؟ نتفلسف حول طبيعة الفناء المقبل.

الوباء كشف العالم القرية
العالم صار قرية واحدة.. هذه الجملة تتردد على ألسنة الناس منذ نصف قرن تقريبا، ويذهب الناس في تفسيرها إلى قوة الاقتصاد المعولم، حيث يمكن لمواطن تونسي أن يلبس من مصنع صيني وأن يأكل من فاكهة لاتينية.
كورونا جعلت هذا المواطن التونسي يعطس لأنه صافح مواطنا صينيا.. المرض تعولم أيضا حتى صارت عدوى الزكام تمر بين نصفي الأرض من نفس سيجارة. يوشك المرء أن يرى سبعة مليارات ساكن ينامون في فراش واحد. لم نعد شعوبا وقبائل نتعارف.. صرنا مرضى في مشفى واحد ونطرح الأسئلة عن مصدر المرض ولا نصل إلى إجابات غير ظن وشكوك. من أمرض العالم؟ الذين وحدوه، فلم تعد بين قراه مسافات فاصلة لحجب رذاذ العطاس.
القرية الكونية كانت عبارة رومانسية في منشئها، وهي الآن لعنة صحية. كنا سعدنا بعبارة تعني التواصل والتقارب والعمل والإنتاج والسعادة المادية. كورونا وجهها الآخر البشع صارت القرية مورستان كوني، والعلاج بيد تجار الموت. القرية لم تعدم تجار الموت بل زادت في عددهم. من تجار الموت صيدلي في قرية تونسية أخفى الكمامات الصحية ليبيعها بأضعاف ثمنها وقت حاجة الناس، ومخبر أدوية في البر الأمريكي يمكنه لو رغب أن يطرح الدواء في السوق قبل تفشي الوباء، لكنه يؤجل حتى يصير ثمن الدواء أغلى من عيني المريض فينزله السوق، فيقايض المريض صحته بعينيه. قرية نعم، ولكن تجار الموت يسيطرون على مصائر الناس فيها، والناس يرتعدون فرقا أمام الموت الجاثم فوقهم.

الخوف يكشف بدائية الإنسان
كورونا تعيدنا إلى سؤال أول: هل تطور الإنسان؟ مظاهر الرعب المسيطرة تعيد لنا صور إنسان الغاب المرعوب. هجم الناس على المواد الغذائية يحتكرونها.. الصور الأولى رأيناها في تونس، فلما وسعنا الحدقة رأينا صورا من كل بقاع الأرض المنعوتة منها بالتخلف والمنعوتة بالتقدم. لا فرق بين جرماني غني وبين تونسي فقير.. ادخر الغذاء قبل أن يصلك الموت. لا يهم أن تخلق أزمة تموين في بلادك، فبلادك ليست بلادك ومواطنك عدوك، وإذا هجم الموت أنقذ رأسك ولتذهب القرية الكونية إلى الجحيم. هكذا كان زمن الصيد قبل اكتشاف النار وقبل اكتشاف التعايش المدني.
كورونا عرت البدائي في الإنسان الحديث.. لقد أخرجت الذئب الذي التحف الحرير تحت مسمى الحداثة. القائلون بالقرية الكونية أو الذين دفعونا إليها أعادونا إلى بدائيتنا، فلا نحن متمدنون ولا نحن إخوة في كون واحد موحد متعايش. وصناع المرض تجار الدواء يعيشون من بدائيتنا أكثر مما يعيشون من تمدننا.

العالم في الكرنتينا
اقتصاد كوني مترابط تفككه جرثومة ميكروسكوبية.. مشاهد الطائرات المتوقفة في مطارات العالم وقد ألغت رحلاتها، فأغلقت خطوط الطيران وأُخضع كل مغامر مضطر إلى الكرنتينا الكونية. النزل السياحية في بلد مثل تونس ستقضي صيفها في إزالة العنكبوت عن جدران الغرف.. بلد سياحي يموت بجرثومة، وكل بلد راهن على السياحة يتعرض إلى مصيبة اقتصادية لا قبل له بالخروج منها.

شركات النقل الجوي والبحري ستعلن إفلاسها إذا امتد الطاعون إلى الصيف. (سيحول البعض طائرات قديمة إلى أقفاص لتربية الدجاج) السلع ستتكدس في الموانئ، هذا إذا بقيت هناك معامل منتجة في مكان ما. يمكن تخيل عدد المسرحين من شركات مفلسة لم يعد لديها أجور لعمال لا يعملون.. يمكن تخيل مصير البلدان التي تأكل من خارج حدودها.
عمليات نقل الأغذية عبر العالم إذا أخضعت للشروط الصحية اللازمة لمقاومة الوباء ستتوقف، ولن تجد دول كثيرة حليب الأطفال ولا خبز الكهول. سيقول كثيرون: هنيئا لمن ينتج غذاءه من أرضه، لكن قد نتفلسف هنا أيضا.. كورونا قد يعيد الناس إلى خدمة الأرض، حيث يمكن تدبر الغذاء من أرض قريبة. المؤمنون جدا سيقولون رب ضارة نافعة، وهذه نافذة لترويج أمل صغير. مصير بلد مثل تونس ليس في الاستثمار السياحي بل في خدمة الأرض وإنتاج الغذاء، حيث يتحول العدد القليل من السكان إلى نعمة لن يفرح بها بلد مثل مصر. (مصر تستحق الدعاء في هامش هذا الدرس الفلسفي، فقد جمع الله عليها كورونا والسيسي وسد النهضة).
هل نبالغ في تخيل الكارثة؟ نحن (في تونس كما في بلدان كثيرة مشابهة) في وضع الانتظار المميت، فمصيرنا ليس بأيدينا، وكل ما قد نقدر عليه إجراءات حمائية تم الشروع فيها، وبدأنا الاستعداد لتحمل كلفتها الاقتصادية، فهذا الموسم السياحي مات قبل أن يبدأ. سندعو أن يرفع الله درجات الحرارة، فقد قيل لنا إن الشمس تقاوم معنا الفيروس.
من خلق كورونا من نشرها من أمرض العالم؟ أسئلة لا يملك عليها أحد إجابة، وسيأتي الخبر بعد أن يغنم تجار الموت في القرية الكونية من موت بعضنا، وسيكون الناجون في وضع من يشكر هؤلاء القتلة بعد أن يكفوا عن القتل. قرية كونية يسكنها متمدنون.. هذه رواية رومانسية لا يستطيب حتى الأطفال قراءتها، وتكثر فيها الأسئلة عن طبيعة الإنسان الحقة وعن مصيره وعن قيمته أمام رأس المال المعولم، وبعضه عند صناع الدواء الذين يشربون الآن أنخاب الطاعون ويراقبون تقدمه. ما هي الحلول؟
أنا المواطن المجهول في القرية الكونية لا أملك حلولا، لذلك سأواصل الحذلقة: هل الكورونا مذكر أم مؤنث؟

  • شارك على:
0
 ما هذه المحاكمة في الرياض؟ بلدية العاصمة تركز نقاطا لتوزيع مطهر اليدين 

آخر الأخبار