Loading alternative title

إنقاذ الديمقراطية السودانية من مدمني الفشل

تاريخ النشر: 2020-03-14 || 17:40

إنقاذ الديمقراطية السودانية من مدمني الفشل
عبدالوهاب الأفندي أكاديمي سوداني وأستاذ العلوم السياسية

عبدالوهاب الأفندي

أكاديمي سوداني وأستاذ العلوم السياسية

كتب د عبدالوهاب الأفندي

اتفق السودانيون، على خلافاتهم، في مشهد نادر، على أن المحاولة الفاشلة التي قيل أنها استهدفت اغتيال رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، كانت جريمة منكرة فاشلة. وهي حقاً كذلك، بغض النظر عن الجهة التي احتملت وزرها. فإذا كانت جريمة إرهابية اجترحها أعداء الثورة بقصد تغييب رئيس الوزراء، كما يرجّح كثيرون، فإنها إثم عظيم مستنكر ومستهجن، يدخل السودان في نفق مظلم بإدخال كبيرة الاغتيالات السياسية إليه أول مرة. وإذا كانت، كما يعتقد كثيرون غير أولئك، "تمثيلية" تولّت كبرها جهةٌ تريد رفع شعبية حمدوك، أو تستغلها لمآرب أخرى، فإنها تكون أبشع وأضلّ سبيلاً، وهي كذلك أشد فشلاً. ذلك أن نسبة من رجّحوا أنها تمثيلية بدت أكبر بكثير ممن استنكروها باعتبارها جريمة اغتيال.  مهما يكن، تمثل هذه الواقعة جرس إنذار للجميع، لأن دخول ظاهرة الاغتيالات السياسية إلى السودان سيكون أكبر كارثة في تاريخ بلدٍ لم يعرفها، على الرغم من تطاول عهده بالحروب والصراعات العنيفة. وقد ظلت هذه أرض الأبواب المفتوحة، يغشى بيوت كبار مسؤوليها غمار الناس غير محجوبين، وتلقى كبار مسؤوليها، بمن فيهم حمدوك وغيره، في المآتم والأفراح يخالطون الناس، لا يخشى أحدهم الغيلة، فلو فقد هذا الأمان، فإن السودان، بلدا ووطنا، يكون قد آذن باختفاء.
وتأتي هذه النذر في وقت يبدو أن بعضهم يستعد فيه لإعداد حبكة لإخراج من نوع آخر، باختلاق  أسطورةٍ تستحق واحدةً من جوائز الرواية العربية، تقع فيها تبرئة مرتكبي جريمة فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الصيف الماضي، وهم معروفون-مجهولون، وإلقاء التهمة على ثلّة من الأبرياء. وقد وصلت إلي سلفاً بعض ملامح هذه الحبكة، بما فيها أسماء أشخاص متهمين وصفات آخرين. ولن تكون هذه الرواية الشيطانية خيانةً للشعب وإهداراً للعدالة فحسب، ولكنها ستقوّض أركان الديمقراطية في البلاد، وتدخلها في صراعات وفوضى لا نهاية لها. وهي بالقطع ستكون تمهيداً لإخضاع السودان لديكتاتورية أبدية من فئات عسكرية خاضعة للخارج، وللقوى نفسها التي تريد اليوم تركيع السوادنيين بتجويعهم حتى يقبلوا السيناريو المصري.
لحسن الحظ، فإن المحامي نبيل أديب عبدالله، رئيس لجنة التحقيق في جريمة فض الاعتصام (أبقاه الله ذخراً للديمقراطية السودانية) يقظ جداً لمثل هذه المحاولات، وقد شكا علناً، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من "ضغوط سياسية هائلة" على اللجنة للوصول إلى نتائج محدّدة، معلناً رفضه هذه الضغوط، وإصراره على الوصول إلى الحقيقة. قرأت له، قبل أيام، رأياً يدعو فيه إلى تعزيز الوضع الدستوري في السودان، بدايةً بالإسراع بإحياء المحكمة الدستورية الغائبة - المغيبة، وتعزيز منظومة الحقوق دستورياً، وسد كل الثغرات التي قد تقيم وضعاً استبدادياً بدون قصد، عبر تغييب الآليات التي تمكّن المواطن من التظلم ضد قرارات الحكومة التعسّفية.
وفي حقيقة الأمر، فإن التحدّي الذي تفرضه الحادثة الأخيرة المدانة بكل المقاييس يتركّز في تقوية منظومة العدالة، والبعد عن أي وضعٍ يكرس أو يمهد لدكتاتورية عسكرية مدعومة من جهاتٍ لا تريد للسودان خيراً. إلا أن الديمقراطية في البلاد لن تنقذها نزاهة شخص واحد، سواء أكان نبيل أديب أم حمدوك أم غيرهما، بل تحتاج إلى منظومةٍ متكاملةٍ من الضمانات المؤسسية، أهمها الفصل بين السلطات، والقضاء المستقل العادل، والإعلام الحر. وينبغي أن تدعم هذه المنظومة قوى سياسية - مدنية نشطة، تتمثل في الأحزاب ديمقراطية التوجه، ومنظمات المجتمع المدني النشطة. ولا غنى لأي ديمقراطيةٍ عن منظومةٍ اقتصاديةٍ قويةٍ، تتمثل في "مجتمع اقتصادي" يتحرّك في فضاء حر، محميٍّ بالقانون وملتزم به، ومتعاون مع الدولة في مشاريعها الداعمة للعدالة الاجتماعية.
أول وأكبر عقبة تواجه الديمقراطية في السودان هي غياب البنية الاقتصادية السليمة، ومعها السياسة الاقتصادية الراشدة. وهذه في جوهرها مشكلةٌ سياسيةٌ، موروثةٌ من النظام السابق الذي كبل الاقتصاد عبر تدخلاتٍ اعتباطية مستمرّة، وقيود بيروقراطية مقعدة، وفساد مؤسسي متراكب. وقد كان دافع هذه التدخلات، في أول الأمر، اتباع السياسات "الدولتية" المعهودة في الدول الراديكالية التي ترى أن الدولة القابضة هي القادرة بعصا سحرية على اجتراح الحلول  الاقتصادية. ولكن بعد أن أجبرت ضغوط الواقع النظام على التخلّي عن هذا الوهم، واعتماد الاقتصاد الحر، فإن التدخلات اتخذت طابعاً آخر، تمثل في التحيّز السياسي. ولم يلبث التدخل أن اتخذ شكلاً رسمياً عبر إيجاد شركات حكومية، يتبع بعضها الجيش، وبعضها الآخر الأمن، وطائفة أخرى للحزب، وكثير منها لمحاسيب سياسيين. وسرعان ما تداخل ذلك مع فسادٍ صرف، يتمثل في الدمج بين مثل هذه التحيزات السياسية وعديد من أعضاء أسر المتنفذين أو المتحالفين معهم. هذا علاوة على أن "التحرير" لم يقلل شيئاً من القيود البيروقراطية المعوقة للعمل.
وقد ورثت الحكومة الحالية هذه التركة، ولكنها زادتها سوءاً، ليس فقط بتبنّي النهج السياسي نفسه في المعاملة التفضيلية للمحظوظين سياسياً، بل في تبنّي سياسة تخريبية تجاه المؤسسات الاقتصادية الناجحة، بدعوى أنها تنتمي لأنصار النظام السابق، فأصبحت الحكومة تبذل جهداً أكثر في إغلاق ومحاربة الهياكل الاقتصادية الناجحة منها في بناء البدائل، أو حتى الاستيلاء على هذه المؤسسات وتحويلها لمصلحة الدولة. وفوق ذلك، لا تفتقد الحكومة الحالية فقط الخبرة والحكمة في إدارة الاقتصاد، بل إنها عمدت إلى تسييسٍ متزايدٍ للبيروقراطية، والمسارعة إلى تعيين المحاسيب من الأنصار الحزبيين والأقارب والأصدقاء، ما قدم الولاء على الكفاءة، ووضع مقدّرات الدولة وقراراتها في أيدي هواةٍ كثيرين.
يعقّد المشكلة أكثر الوضع الدولي غير المهيأ، حيث اعتمدت الحكومة، بصورة شبه كلية، على دولتين، الإمارات والسعودية، وعدتا بدعم اقتصادي سرعان ما حجبتاه لإجبار الحكومة على إسكات الأصوات الديمقراطية التي تنتقد بعض سياسات هذه الدول تجاه السودان. ولا يمكن أن تقوم ديمقراطيةٌ على أعطياتٍ وهباتٍ من دول دكتاتورية تتضرّر من الديمقراطية، وتحاربها في كل مكان، بما في ذلك أماكن بعيدة، مثل موريتانيا والمغرب والأردن، حيث إنها ترى أي نجاح للديمقراطية، ولو في المرّيخ، تهديداً لأنظمتها السلطوية.
هناك أيضاً العلاقة الملتبسة مع مؤسسات عسكرية متنافسة في البلاد، ومرتبطة بدورها بمصالح أجنبية، فهناك صراع داخل المؤسسة العسكرية أدّى إلى تصفيات، وصراع آخر بين المؤسسة العسكرية والمليشيات التي تريد أن تحل محلها. ولهذا تاثيره الاقتصادي، حيث إن المليشيا تتوسل النهب في سعيها إلى إضعاف الجيش والحلول محله، ما يهدّد بجعل السودان أول دولة حديثة تحكمها مليشيا قبلية، تابعة بدورها لدول أجنبية، ويهدّد بعزلة دولية أكبر مما كان في السابق، فضلاً عما سيؤدي إليه من عنف، إذا قامت كل القبائل الأخرى في البلاد بتسليح نفسها.
مهما يكن، تتطلب حماية الديمقراطية الإسراع في خطواتٍ تبدأ باتباع مقترحات نبيل أديب في  تعزيز البناء الدستوري. بدايةً بدعوة كل القوى السياسية إلى مؤتمر دستوري جامع، يقر دستوراً جديداً للبلاد، وتشارك فيه الحركات المسلحة. ويسبق ذلك وقف أي تمويلٍ رسمي لأي مليشيا خارج الجيش، وحل أي مليشيا قبلية أو حزبية ونزع سلاحها، وتعزيز قومية القوات المسلحة، ليس بدمج المليشيات فيها، وإنما بوضعها تحت قيادةٍ وطنيةٍ، تكون بدورها خاضعة لسلطة ديمقراطية منتخبة، وخاضعة للقانون. ويجب أن يتزامن هذا مع تعزيز البنية الاقتصادية، وذلك بإيقاف تسييس المجال الاقتصادي، وتعزيز الحماية القانونية له، وتحريره من القيود البيروقراطية وكل أنواع الفساد، بما فيها الفساد السياسي، وتعزيز الشفافية، ما يفتح المجال لكل مبادرة اقتصادية خلاقة، ويقلل بدوره الفساد في الدولة التي لا تصبح المجال شبه الوحيد للتوظيف.
تعزيز الحريات في كل مجال هو المفتاح: حرية الشعب في السعي إلى كسب رزقه بدون أي تدخل متعسّف من الدولة، وحرية المواطن في ممارسة حقوقه السياسية بدون تهديد من أي جهة، وحرية الدولة من الارتهان لأي جهة أجنبية. وهذه كلها متعاضدة، وتتطلب وحدة الشعب، فكل انقسامٍ يدفع بالضرورة إلى الاستعانة بجهة عسكرية باطشة، تحتاج بدورها لدعم أجنبي. وأختم هنا بما ختمت به مقالات نشرتها في صحيفة الحياة، نهاية أغسطس/ آب عام 1989، وأنا أوجّه تحذيراً لانقلابيي السودان، استناداً إلى دراسة لتجارب "الثورات" الراديكالية في افريقيا والعالم العربي وفشلها، حيث أكدت أن أي نظام هو بين خيارين: التذلل للشعب، وهو ما يسمّى الديمقراطية، والتذلل للأجنبي، وهو ما يسمى العمالة. وهما خياران لا ثالث لهما.

  • شارك على:
0
 الصين: 100 كمامة في الدقيقة ... تكنولوجيا صناعة المقاتلات تنتج الكمامات اتحاد علماء المسلمين يفتي بالتوقف عن الجمعة والجماعات في كل بلد يتفشى فيه وباء كورونا 

آخر الأخبار