Loading alternative title

ولدتُ من جديد

تاريخ النشر: 2020-04-30 || 09:25

ولدتُ من جديد
قرأنا لك مقالات مختارة

قرأنا لك

مقالات مختارة

كتب الأستاذ الطاهر بوبحري

 

في مثل هذا اليوم السبت 29 أفريل من عام 2006 ولدت من جديد.

عشية أمس وكانت الساعة تشير إلى حوالي السابعة والنصف مساءً وكان يوم جمعة، كان يوما ربيعيًا ممتعًا منعشًا، الثامن والعشرون من شهر افريل 2006.

كنت عائدا إلى البيت وفي طريقي عرّجت يمينا نحو إحدى المساحات التجارية الكبرى لأشتري بعض الأغراض، ركنت السيارة في مكانها وأمتار قليلة قبل أن أصل إلى الباب الدّوّار الذي سأدخل منه رنٌ هاتفي:

- آلو..

- وي آلو ( عرفتُ الصوت)..

- دكتورة Ourahma - (اورحمة) معاك (وهي طبيبة التبنيج المغربية).

- كيفك سيد بوبحري؟

- طيب الحمد لله.

- سيد بوبحري عندك الحظ اليوم.

فهمت مقصدها ..و واصلتْ حديثها..

- وجدنا لك أعضاء- organes هل بإمكانك القدوم الليلة لنقوم بالعملية غدا ؟ أرجو إجابتنا خلال ثلاثين دقيقة، إن رفضت سنمر إلى الذي يليك في القائمة.

كنت تلقيت منذ ثلاث سنوات إتصالًا شبيها وكان ذلك على الساعة الرابعة صباحا، كنتُ منقبضا ولم أكن سعيدا به، مع السادسة تلقيت هاتفا آخر ليعلموني أن ما وجدوه من أعضاء لا يتوافق معي.

هذه المرة أجبتها دون تردد:

- أكون عندكم الليلة.

- أرجو أن لا تتجاوز الساعة التاسعة، نحن في إنتظارك وحظا سعيدا.

حوالي الثلاثة كيلومترات تفصلني عن البيت.

خلال التسعين دقيقة المتبقية عليّ أن أحسن ترتيب كل شيء.

الأسئلة تتسارع وبعنف وعليّ الإجابة والتصرف دون إضطراب ودون أن يظهر مني أو عليّ أي ضعف أو تردد.

الهدوء ضروري وواجب والعملية يلزمها ترتيب خلال دقائق وقبل وصولي البيت.

كان أول سؤال كيف سأخبر الوالد والوالدة أبالحقيقة أم بنصفها؟ وفي لحظات تبدت لي الإجابة وركنتها جانبا.

كيف سأخبر زوجتي ؟ كيف ستتحمل الخبر ؟ هل ستبقى متماسكة ؟ هل ستنهمر دموعها إلى داخلها أم على مقلتيها؟ أم ستبكي بكاء ثكلى قد تفقد زوجها خلال ساعات؟

طرحتُ الأسئلة وبدت لي الأجوبة شبه واضحة و كانت نفسي أكثر اطمئنانًا، زوجتي أعرفها وخَبِرْتُها جيدًا، بنت جبل، بنت جبال الأوراسي أرض المجاهدين الشجعان.

أبنائي نورالدين ذو التسع سنوات وإنصاف ذات الست ، (أحمد أمين مازال حينها مشروعا مؤجلًا) لا يعرفان شيئًا ولكنني كنت أعرف كل شيء هل من الحكمة أن أقول لهما الحقيقة ؟ هل من حقهما عليّ أن يعرفا أنني قد لا أعود إلا في لحاف أبيض في صندوق خشبي؟

كانا يشاهدان كل يوم معاناة تصفية الدم ولم يكونا يدركان أكثر من ذلك. يعرفان الموت في التلفزة ولكن أن يموت أباهما فذلك شأن آخر.

من ناحية الديون والأموال والوصايا وغيرها كان الأمر هينًا، ولا مشكل هنا.

هل سأخبر أصدقائي ثم من منهم؟ هذه أيضًا لم تطل كثيرا كان منهم حوالي الستة الذين يسكنون غير بعيد مني هاتفتهم جميعًا واحدًا واحدًا قبل أن أصل البيت ولم يكن الوقت ليسمح بمهاتفة البقية.

- ألو فلان..... السلام ....كلموني الليلة "باش" ندخل المستشفى وغدوة "باش" نعمل العملية.

ولم أضف شيئا . كل المكالمات كانت متشابهة ولم تطل لأكثر من ثلاثين ثانية.

كنت أعرف تقريبا ما سيفعلونه وهم يعرفون ما الذي عليهم عمله.

إستجمعت ما فيٌ من رباطة وشجاعة ومبتسمًا دخلت البيت...

- عائشة كلموني السبيطار وقالوا لي لقينالك حاجة "تواتيك" ( تمامًا كمن يجد لك قطعة لِباس من الروبافيكا) ويلزمك تجي الليلة باش غدوة نعملوا العملية.

- أجابت بهدوء . باهي الحمد لله...وداركم والأخوة؟

- دارنا باش نكلم الوالد والوالدة نسلم عليهم وما نيش باش نقوللهم وغدوة إذا حياني ربي توا يعرفوا ويفرحوا وإذا ربي هز أمانته يقولوا على الأقل سمعنا صوته.

بعد صمت دام برهة وبهتة غير مُسيطر عليها ، أجابت:

- إيه ،،،،إيه هكا أحسن.

- بالنسبة للإخوة كلمتهم ..

- باهي أعطيني حقنة الأنسولين ( وكانت آخر حقنة حقنتها) وحضريلي حوايجي ولست أدري ما كنت أقصده بحوايجي..؟

تاهت الكلمات بيننا، غابت عني دخلت بيتها !!!

حاولتُ المواربة تناولتُ الهاتف وأخذتُ السماعة طلبت الرقم +21675868353

طال زمن الإنتظار على قصره .

ترفع أمي السماعة..

-آلو...أهلا ولدي لابأس؟

محاولا اصطناع الشجاعة والهدوء.

- الحمد لله حبيت نسإل عليكم ونشوف أخباركم وينو باباي؟ لابأس؟

وبعد عدد من الأسئلة المشوبة بالشك - إذ لم يكن مساء الجمعة هو موعد مكالماتي لهما- عن الأولاد وعن عائشة وعن أصحابي وإخواني وعن صحتي وآش عامل في السكر والدياليز متعبني وإلا لا؟

وكنت أقفز على أسئلتها قفز الماشي على الجمر فلا أستطيع الإطالة في الإجابة عن أي منها.

عينايا تضغطان والدموع إنهارت وأنا أكابد أن لا تلحظ شيئًا في صوتي.

في تلك اللحظات كانت أمنيتي أن أجهش بالبكاء وأن أرمي الهاتف وأن أصيح بأعلى صوتي وأن أخبرها وأن أودعها الوداع الأخير .

الآن فقط في هذه الثواني كان متاح لي أن أطلب صفحها وأن أطلب منها أن تسامحني، كنت أتمنى أن أطلب إليها أن تدعو لي بنجاح العملية ولا أستطيع ولا أريد أن يُمضيا ليلتهما وهما منشغلان ينتظران مصيرا مجهولا لفلذة كبدهما.

وفقني الله وتماسكت، مررت لي الوالد .

نفس الشيء ونفس الأسئلة، هذه المرة أتبعت تكتيكًا مغايرًا ، كنت أنا من يسأل ، عن إخوتي .عن المطر عن الفلاحة وصحته ثم بلطف مني ورغبة منه ناولت الهاتف لزوجتي لتكلمهما ويكلمان الأولاد نورالدين المسمى على أخي الأكبر وإبنهما البكر الذي فقدناه منذ سنوات قليلة وإنصاف التي لم يرياها إلا خلال فترة قليلة منذ ثلاث سنوات.

إنتهت لحظات الإمتحان وكان الذي خططت له.

الخوف من الموت غريزة لا معابة فيها، وإنما المعابة أن يتغلب هذا الخوف علينا.

ضممت نورالدين وإنصاف أحيانا معًا ملتصقين بي وأحيانًا فرادى و أفهمتهما أنني ذاهب الليلة إلى المستشفى وغدا سأراهما.

في أقل من نصف ساعة بدأ جرس البيت يرنٌ وفي أقل من ساعة كان الجميع بالبيت أغلبهم إصطحب زوجته. كلهن كنّ في مقام شقيقاتي.

لا شيء غير الحمد لله وربي يرجعك لينا معافى خونا "ياسين"، رافعين من معنوياتي ومعنويات الزوجة.

من حين لآخر ينادي أحدهم نورالدين وإنصاف وبأقدار جمة من الودّ والحنان واللطف يضمانهما ضمة "اليتيم" مغلفة بشيء من البسمة واصطناع المرح لم يكونا خافيين عليّ.

بعد حوالي الساعة إنسابت السيارات في إتجاه باريس على بعد خمسة عشر كيلومترا .إلى المستشفى الكبير الضخم la pitié -Salpetriere. أكبر مستشفيات فرنسا، بني سنة 1665 ويمتد على مساحة 33 هكتار في الدائرة الثالثة عشر ويحتوي على تسعين عمارة تضم سبعا وسبعين قسمًا.

بقِيتْ بعض الأخوات مع الأولاد بالبيت أما الرجال وزوجتي فقد كانوا جميعا في الركب، بالتأكيد كان ركبا جنائزيا يحمل مشروع ميٌت أمضى على هذه الأرض، أرض الفرنجة ما يقارب الخمسة عشر عاما وقد تنتهي غدا.

وصلنا المستشفى، سمح الحارس - وكان ذا سحنة مغاربية - للجميع بالدخول بعد أن شرحت له سبب هذا الركب.

وغير بعيد إتجهنا إلى الجناح المعلوم Gaston Cordier.

الجميع كان في الإنتظار، طاقما كاملا من الأطباء الداخليين و الممرضين وكانت على رأسهم الطبيبة المغربية السيدة اورحمة طبيبة التبنيج.

أدخلوني الغرفة الخاصة بي، المجهزة بما يلزم من آلات قيس الضغط والسكري والحرارة وتخطيط الدم وقيس الميزان...

نظيفة معقمة لونها يميل إلى الصفرة المريحة مع لون ازرق فاتح في أجزاء من جنباتها وسقف عالٍ على النمط القديم المبني في القرن السابع عشر.

غرفة تليق بجنين ستوهب له الحياة من جديد، وبلطف طُلب من الجميع المغادرة.

رغم حرصي على الإبتسامة وعلى أن أكون طبيعيا في حركاتي وتصرفاتي مع من صحبوني غير أنها كانت لحظات صعبة وأنا أودع زوجتي وإخوتي وداعًا قد لا يكون بعده لقاء.

وما إن إستداروا ناديتها فألتفتت ورأيت دمعتين تنزلان من عينيها.

حين إقتربت أمسكتُ يدها وقلت لها:

- ما تخافيش ربي معانا نلتقي غدًا إن شاء الله.

أجابت والعبرات تخنقها ودون أن ترفع عينيها من الأرض:

- إن شاء الله واستدارت تواري وجهها.

أما الإخوة فحين غادروا الغرفة لمحتهم ينظرون اليٌ ويودعونني بأيديهم من وراء زجاج الباب.

تواروا خلف الباب وصرت وحيدًا ودمعات حارة غزيرة لم أفلح في حبسها نزلت على خدّي.

الآن ودعت أعزاء لي وقد لا أرى أي واحد منهم أبدًا، أنا من قرر ذلك ، كان يسعني أن أرفض القيام بالعملية.

ودعت والديٌ.. أخفيت عنهما الحقيقة، -لا قدّر الله- ولم تنجح العملية وأراد سبحانه أن يأخذ أمانته كيف سيستقبلان الخبر وقد بلغا من العمر عتيًا؟

الآن اشتقت إليهما أكثر من أي وقت مضى. فهل تراني أراهما مرّة أخرى ؟

شقيقي وشقيقتي كيف سيتحملان الخبر ؟ سيقولان بالتأكيد لمَ لمْ تخبرنا او تهاتفنا يا طاهر ؟ على الأقل لو أسمعتنا صوتك قبل أن ترحل .

ودعت صغيريٌ كذبت عليهما، قلت لهما سترياني غدًا وقد لا يرياني ،،، سيعيشا يتيمين بلا أب في بلاد تلتهم الصغار قبل الكبار .

أحسنت الظن بإبنة الناس وقلت إنها شجاعة، من أنبأني بأنها لن تنهار وكيف ستمضي ليلتها تلك؟ وغدها قريب وهي تنتظر هاتف نعي زوجها، أم انهم لن يفعلوا و لن يردّوا على مكالماتها العديدة؟

عندها ستأتي إلى المستشفى، سيستقبلونها بكلمة آسفين وسيحملونها إلى غرفة الأموات لتراه ملفوفا مسجى مرميًا في الثلاجة وتودّعه من بعيد ثم يُحمل ليدفن في أرض بعيدة يحول بينها وبين زيارة قبره أناس علمت أن لا إنسانية لهم؟

غالبت شيطاني سلمت أمري إلى لله.ونعم بالله.

لم أكن أخشى الموت ولا رهبته، الموت ليس النهاية بل هو مرحلة لحياة دائمة .

ولكن القلب حين رقّ إنما رقّ للأحياء، للكبيرين في شيخوختهما وللصغيرين الضعيفين المحتاجين وللمرأة التي تركت أهلها وبلدها وأختارت أن تشاركني و أن ترافقني.

حدثتني نفسي حديث العاطفة وحدثني إيماني وذكّرني بقوله تعالى : "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ" الزمر 30

إستعدت ما كنت عليه من الهدوء والسكينة.

الآن فهمت ما معنى أن يكون الإنسان مؤمنا ومسلٌما مُخْبِتا.

إنفجر مني صوت لا أسمعه ولكنه يطرق اذنيٌ:

- عليك أن تحيا وأن تحرص على حياتك لترعى هذا النّبت المحتاج للرعاية.عليك أن تحيا وتكابد وتواجه وتعود من جديد وتعود من بعيد.

*****

تسارعت الممرضات لقياس الضغط والحرارة والسكري والتركيز .

قُمْن بجملة من التحاليل وأهمها نوعية الدم والمعروف عندهم منذ أكثر من عشر سنوات B+ ولكن يجب التثبت كل مرة هكذا هو البروتوكول.

ثلاث ممرضات يدخلن على التوالي كل واحدة منهن تحمل جملة من الأوراق لتسجيل المعطيات أو إتمام أخرى ناقصة أو للتأكد من صحتها ولا يكففن عن السؤال كل مرة عن الإسم واللقب وتاريخ الميلاد.

بعدها، ولم يطل الوقت، طلٌ الدكتور الجراح Benoit Barrou

- دخل الغرفة مبتسما ضاحكا قائلا:

- وأخيرا السيد بوبحري وجدنا ما يوافقك.

سألته فضولا وأنا أعرف إجابته.

- من صاحبي ؟ صاحب الأعضاء.

- تعرف السيد بوبحري إن القانون يمنع التصريح بذلك.

ومرٌ يسأل عن الصحة والمعنويات.ثم ألقى نظرة على ما كُتِب من نتائج الفحوصات المعلقة في مكانها المعتاد في الجدار.

أعلمني بأنني لن استطيع الأكل والشرب بداية من منتصف الليل.عليّ أن أقوم بحمام وأن أستعمل مادة البيتادين - Betadine وأن أرتدي اللباس الخاص الذي ستأتيني به الممرضة قبل ذلك سيمر عليّ الحلاق ليحلق كامل منطقة البطن، لتكون ساحة المعركة نظيفة.

غدا صباحا عليك أن تفيق مع السادسة ونفس الشيء حمام بالبيتادين مع إرتداء اللباس الخاص مضيفا إنك لن تتناول حقنة الأنسولين صباحا ونرجو أن تكون حقنة هذا المساء آخر حقنة.

ثم غادر ومرت الأمور كما طلب.

حوالي العادية عشر ليلا مرٌ آخر فريق مراقبة وهدأت حركة الممرضين .

خلوْت إلى نفسي مع خالقي.

فرشت سجادتي وتوجهت إليه، إنبعثتْ من تلك السجادة رائحتها الذكية التي كنت أجدها فيها ليالي إعتقالي في النمسا، من طرف الإنتربول مطلوبا من النظام التونسي.

امتزجت المشاعر بين الخوف والرجاء بين الأمل والتَطَلُّع , بين الرَغْبَة والطلب، بين التَّرَقُب والتَمَنّي .

تماهيت مع اللحظة كما تتماهى مياه الأنهار حين تبلغ مصبّها مع مياه البحار.

دعوني أروي لكم رؤية، كانت رؤية واضحة تبدٌت لي ذات يوم من ربيع 1995 حدّثت بها عددا قليلا مِمّن أحبهم وأطلب ودٌهم. والآن ما دمت في لحظة بَوحٍ فلن أجد مانعا في روايتها.

في ربيع سنة 1995 كنا ستة من الأصدقاء نتقاسم بيتا صغيرا في ضاحية فانسان - Vincennes تقاسمنا غرفه الثلاث إثنين إثنين.

كان رفيقي بالغرفة -وكانت أصغر الغرف- صديقي وأخي ساسي ، فرض علينا شكل الغرفة أن ننام متحاذيين كنت جهة الحائط وأنام على سرير خشبي أما هو فكان يحاذيني من الجهة الأخرى مفترشا حشية - Matelas. وينام على الأرض.

رأيت في ما يرى النائم أنني كنت مستلقيا على ظهري وإذا بالنبي محمد -صلى الله عليّه وسلم- يأتيني من جهة رجلي ٌ فأقوم من نومي وأرفع نصفي الأعلى وأجلس في فراشي، أسلّم عليه بيديّ وأقبّله على خدّيه، وجدت فيه رائحة طيّبة ذكيّة و وجدتُ في نفسي رائحة التراب.

نظر إليّ وسمعته يقول لي : رُبَّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه.

و أفَقْتُ فإذا بي على الهيئة التي كنتها في الرؤية جالسا في فراشي و رجلايا ممدودتان أمامي .

أمضيت سنوات وأنا اتهيب تلك الرؤية ولم أستطع أن أقسم على الله حياءََ منه .

ليلتها توجهت إلى الله دلالة وطمعا بأن تنجح العملية الجراحية.

واستلقيت على فراشي لأنام.

كانت إنارة الغرفة ضعيفة، فجأة ظهر امامي كائن بشري لم أستطع تَبيّنه أذكرا كان أم أنثى؟ شابا أم كهلا؟ ولربما كان طفلا، كان شفّافًا، طاهرا، معطاء، كريما.

رغبت أن أكلمه و أن أضمّه وأن أسلّم عليه وأن أعْرِفَه وأسأله من تكون؟

مددت ذراعيٌ لأحتضنه وفتحت عينيٌ لأتبيّنه فلم أجده، كنت أراه، لا ..لا... بل كنت أتخيّله .

إنه هو، ذلك " السيد" أو "السيدة" الذي فارق الحياة وسأرث منه كليته وبنكرياسه.

لعلّه توفّي في حادث مرور او سقوط، لعله كان مريضا ولكنه وبكامل مداركه وإنسانيته وبكل وعيه قبل موته قرّر أن يتبرّع و أوصى ان تنزع أعضاءه من جسده و أن تعطى لشخص آخر لا يعرفه ولن يعرفه ليهب له فرصة أخرى للحياة.

قرّر أن يغادر الدنيا وأن يترك شيئا منه لنفس بشرية أخرى لتواصل عيشها وحياتها.

غدًا صباحًا حين يكون في صندوقه الخشبي وهم يُصلّون عليه في مسجد أو في كنيسة أو في معبد ثم في سيارة الدفن السوداء أو حين يُوارى الثرى أكون على سرير في غرفة العمليات بين أيدي فريق طبي لا يعرفني و لا يعرفونه يقومون بفعل إنساني نبيل.

سبحانك يا الله مُسخٌر الإنسان للإنسان.

ذكّرني هذا المشهد بِعَدًْوِ التناوب ينهي العدّاء المتخلي دوره على المركض بأن يسلّم عصا السباق للذي يليه ليواصل العدو ولن يكون بمقدار الأول المواصلة لأبعد مما وصل ولن يستطيع التالي الإنطلاق و مواصلة السباق إلا حين يستلم العصا من الذي سبقه.

تذكرت أيضًا عروة ابن الورد الشاعر الجاهلي وهو ينشد بيته الرائع، المليء إنسانية وكرما وسخاء:

" أُقَسِّمُ جسمي في جسوم كثيرة، واحسو قراح الماء والماء باردُ "

هذا القريب/الغريب الذي لا يمتّ إلي بصلة يهبني شيئا منه لأسعد ولتفرح عائلتي وأصدقائي ولكن في هذه اللحظة في هذه الليلة في هذه الأرض في هذه المدينة فإن له ابا يفتقده و أمّا ثكلى تبكيه او تبكيها، أو حبيبا يبكي حبيبه، أو ولدا أفتقد والده أو والدته ليعيش يتيما .

عائلة ما تبيت ليلتها حزينة تبكي قريبها، تفتقده في هذه الساعات وعائلة أخرى تبيت ليلتها على أمل ميلاد جديد.

مع الفجر وجدْتُني أفتح عينيّ على يوم جديد يختلف عن بقية أيامي.

صلّيت، إستحممت ، غيرت ملابسي، لبست الجديد المُعقّم و المُخصّص للعمليات الجراحية ذي اللون الأزرق....هل يكون كفني أزرق؟

جاءت ممرضتان قامتا بقياس الحرارة والضغط والسكري كما قامتا بوزني .

مع السابعة والربع جاء إثنان بسرير ولحاف جديدة تنبعث منها رائحة مميزة.

إستلقيت على السرير لفٌوني بغطاءٍ واتجهوا بي .إلى المصعد، نزلوا بي إلى الطابق السفلي، سلكوا بعض المسالك ثم دخلت جهة العمليات، أبواب تفتح ثم تغلق، إشارات منع الدخول بارزة على كل باب الا للمسموح لهم.

وصلنا اخيرا ، قاعة العمليات، كانت باردة أكثر مما كنت أظن، تملؤها رائحة المُعقّمات ولكنها نظيفة.

من بابها إستلمتني مُمرّضتان كما إستلمتا ملفًا ضخما كان يحمله الرجلان.

دققت إحداهما في الملف وجهت لي مجموعة من الأسئلة ، الإسم واللقب وتهجئتهما وتاريخ الميلاد، زيادة في التثبت و التحوّط.

دفعتا السرير لوسط القاعة لأجد نفسي تحت ثلاث كشافات ضوء، قُطْر كل واحدة منها أقل من المتر قليلا وفي كل واحدة منها ستة مصابيح كهربائية بحجم مصابيح السيارات.

نزعوا الميدعة الشّفّافة الزّرقاء التي كانت تسترني وكذلك البنطلون ووضعوا فوقي غطاء خاصا تنبعث منه حرارة ما لبِثتُ أن إسترجعت دفئي تحته.

جاء الدكتور برّو- Barrou مغطى الرأس بقبعة والوجه بقناع مع ميدعة تغطي كامل الجسم، ألْبَسَته إحدى الممرضات قفازين وكذلك كان يلبس الثمانية المحيطين بي ثم قصدني، تحرك القناع، فهمت انه يبتسم لي ثم قال:

- سنبدأ بعد دقائق، حظ سعيد ليوفقنا الله.

يا إلاهي كم كنت محتاجا لأسمع هذه الكلمة، أعدت ترديدها من بعده ثم قلت له:

- أنا حاضر أنا مستعد، الكرة عندك، ضحك أشار بيده كمن يقول : هيا أخطاني.

حول السرير رصّفت ثلاث طاولات ملئت أدوات معدنية من أنواع وأشكال مختلفة.

ما بين القُبّعات والأقنعة كانت تتراءى لي عيون ملائكية تشع ودٌا وتشجيعا، عيون ملائكة الرحمة.

اقترب مني الطبيب المبنّج، وبلطف إستأذنني في وضع قناع بلاستيكي على شكل الأنف والفم و الذقن وافهمني أنه ينفث هواء ما ألبث أن افقد الوعي حين يضعه على وجهي.

رأيته وضع القناع على وجهي، لمحت الساعة الحائطية، كانت تشير .إلى الثامنة صباحا من يوم السبت 29 افريل 2006.

كررت الشهادتين.

نفث القناع البلاستيكي هواء دافئا في وجهي وأنفي وفمي.

كنت أعي بما يدور حولي. و"كان" فعل ماضي.

****

في لحظة ما من ساعة ما قيل لي لاحقا إنها الخامسة مساء، بدأت أسمع خليطا من الأصوات لم أتبينها ، فيها الحاد وفيها الناعم، خليط من النفخ والصفير والطنين.

بدأت اتبيّنه شيئا فشيئا كان صوت آلات المراقبة في قاعة الإنعاش - salle de reveil .

أحسست أني قادم من بعيد من حيث لا أدري مازلت لم اع واستوعب ايْنِي ومَنٌي؟

فتحت عيناي بصعوبة، إحدى الممرضات كانت تنتظر تلك اللحظة وما أن رأت عينايا تفتحان ولاحظت أني وعَيْتُ وجودها حتى صاحت بإبتهاج فاق ...فاق، وابتعدت عني مسرعة وأظنها ذهبت لتخبر الطبيب المسؤول عن القاعة إذ ما لبثتُ أن شاهدت وكأنني في حلم رجلا وامرأتان من حولي.

دمت على تلك الحال مابين الغيبوبة والوعي برهة من الزمن، اخبرتُ لاحقا إنها كانت ساعة ونصف لأتخلص من تأثير البنج.

إسترددت قدرا من وعيي بالأشخاص والأشياء وإن كان النوم يغالبني.

العملية تواصلت ثماني ساعات متواصلة، الدكتور الجراح وفريقه من حين فتحوا البطن الى حين غلقها لم يتركوا غرفة العمليات الى حين خلّصوا "جنينهم" من رحم المجهول، كانت ساعات مضنية ، دون طعام ولا راحة...

جُلبت الأعضاء " الجديدة" من الثلاجة، تم التثبت من جديد في صلاحيتها.

بدأ الجراح في شَقِّ البطن بهدوء وتركيز، مَسح الدم النازف، أوقف تَدَفُّقه، تلمّس موْضِعَي الغرس، الكلية شمالا والبنكرياس يمينا.

أخذ الكلية اولا ، ادخلها من ناحية الجرح الشمالي، بذل تركيزا وجهدا في عملية ربطها بالأوعية.

ثم نفس الشيء مع البنكرياس لكن من ناحية الجرح الذي على اليمين ربطها بالأوعية قرب البنكرياس القديم ربط منها المختص بهرمون الأنسولين وترك بقية الهرمونات و الانزيمات المفرزة منها تصب في المثانة وهو ما مثل لاحقا مشكلا كبيرا.

كِليتايا والبنكرياس بقيتا و لم تُنزعا.

الآن أتم عمله...... الآن ولدت من جديد.

في لحظة ما بين اليقظة والنوم، شاهدتها ، كانت تلبس ميدعة كالممرضات لكنها ليست منهن، لمحت منها عيناها تبرقان ما بين خمار و قناع، لا بل تشعّان فرحا وبهجة، رأيت دموعها تنزل من عينيها وسرعان ما تختفي تحت القناع، كانت دموع الفرح، رفعت يدها اليمنى إلى مستوى البطن حرّكتها يَمنة ويسرة لتحيتي ولتقول لي أنا هنا.

إطمئنّت إلى عودتي من بعيد...ثم غادرت القاعة، هكذا يفرض البروتوكول.

خرجتْ هاتفت الأهل في البلاد وأخبرتهم . "ياسين" ( وكان هذا اسم الشهرة) عمل العملية ونجحت وها هو خرج، مازال تحت البنج و توا يكلمكم

لست ادري أي أرض حملتهم وأي ألم إعتصرهم وأي فرحة غمرتهم.هذه أشياء لا توصف ولا يمكن أن ينقلها هاتف، كنت أمنّي النفس أن أراهما مرة أخرى ولو لخمس دقائق لأسألهما وأتبين شعورهما.

لم يكونا قادرين على الإنتظار أكثر، الموت لم يُمهلهما والقدر لم يمكّني من أن أعيش تلك اللحظة.

الوالد توفي بعد سنة ونصف والوالدة لحقت به بعد ثمانية أشهر، لهما من الله الرحمة والمغفرة وعلى من حرمهما مني وحرمني منهما من الله ما يستحق.

تلمّستُ وجهي فوجدت أنبوبًا يمر عبر الأنف، قالت الممرضة أن التغذية ستكون عبره، إلى أن يقرر طبيبك الاستغناء عنه واكشتفت لاحقا أن أنبوبًا آخر - Sonde كان مربوطا بالمثانة سالكا مجرى البول ليفرغها بشكل آلي رفقا بالكِلْية الجديدة التي يلزمها وقت طويل لتبدأ مرحلة الإنتاج والعمل.

أمضيت أكثر من ساعتين وأنا تحت المراقبة ومع السابعة مساء وهم يغادرون بي غرفة الإنعاش وجدتها بإنتظاري أمام باب الغرفة، سلكوا بي الممر التحت ارضي ومنه إلى المصعد حيث نقلت إلى الغرفة التي سأمكث فيها أكثر من شهر على نفس الوضعية.

الإستلقاء على الظهر، ولا يتحرك مني غير الأطراف والرأس واللسان.

أول ما وصلت إلى الغرفة طلبتْ زوجتي الوالدين و وجدتُ كل العائلة متجمعة عندهما شقيقي وشقيقتي مع أبنائهم وزوجات إخوتي.

لم استطع التحدث كثيرا كنت مرهقا ومازلت تحت تأثير المخدر، طمأنتهم بلسان غابت عنه مخارج الحروف ومنابتها. لست متأكدا أكانوا اطمئنوا أو إزدادوا حيرة؟.

بتّ ليلتي بل كل الليالي دون القدرة على الحركة وقد كانوا وضعوا غلافا بلاستيكيا صلدًا على مستوى كامل البطن مرتبطا بحافتي السرير لحماية الجُرْحين حيث فتح الجَرّاح فتحتان بطول حوالي عشرة سنتمترات في شكل نصف هلال تبدأ قاعدتهما من أسْفَل ويُحيطان من بعيد بالصرة.

ثلاثة وثلاثون يوما أمضيتها على تلك الحال أو قريبا منها.

النتائج مبهرة والجراح بارّو سعيد بالنتيجة، وانا ...تخيل أنك مكاني.

لاحظ الطبيب المتابع أن البنكرياس الجديد بدأ ينتج أنسولين من غَدِه والدليل أن مستوى السكر في الدم كان في مستوياته الطبيعية وأن كمية من البول بدأت تخرج عبر الأنبوب، ليس كثيرا ولكنه موجود وهذا معناه أن الكِلْية تشتغل و أن العملية في طريق النجاح وأن الجسم لم يرفض العضوين الجديدين وكان هذا هو المطلوب.

كانت المراقبة تجري بوتيرة كبيرة، آلات عِدّة لأدوار مختلفة توزّعٌتُ بينها، مع مرور الأيام بدأ ينقص عددها وبدأ الجسم يعتمد على نفسه.

*****

الجراح قال لي هذه العملية نادرة.مضيفا أن تشابه المادة الوراثية (الحامض النووي- ADN) للمتبرع تكاد تشابه مادتي الوراثية مع إختلاف طفيف وضرب لي مثلا في العلاقة بين الأشقاء.

زاد موضّحا:

- هنالك التوأم الحقيقي - le vrai jumeaux وهما متطابقان في مادتها الوراثية وهنالك الأشقاء العاديين وأن تَشابُهي مع المُتبرِّع أقل من التوأم الحقيقي وأكثر من الشقيق.

بالغرفة المجاورة كان يقيم شاب كويتي على خلق وورع تبرع لزوجته وهي إبنة خالته بإحدى كليتيه ولكن يبدو أن العملية لم تنجح كما ينبغي وحصلت جملة من التعقيدات، كنت متعاطفا معهما وخائفا أن ألقى نفس المصير.

خلال تلك المدة أعدت قراءة المقدمة لإبن خلدون وأتممت كتاب ابن أبي الضياف "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان".

وكثيرا ما كنت أُسأل من الأطباء أو الممرضين عما أطالع وما محتواه؟ وقد لفت انتباههم ضخامة الكتاب بأجزائه الستة.

كانت تتابع أخباري ثلاثة اطراف.

* العائلة.

* اصحابي واخوتي رجالا و نساء.

* بوليس بن علي في باريس ومن وراءه من يديرهم بتونس ولست أدري ما سبب حرصهم على المتابعة اليومية للوضعية وماذا كانوا يتمنون لي أشفاء أم قضاء .؟

ولم أبخل عليهم إذ كان يصلهم تقرير دوري بما كنت أرغب أن يصلهم وما دروا أنهم كانوا يشربون من قيئ !!؟.

الزيارات لا تنتهي والمنتظرون خارج الغرفة أكثر ممن هم داخلها.على إمتداد أيام الإقامة والأمر على هذا المنوال والزيارات لا تنتهي.

عائشة، زوجتي كانت موزّعة بين شغلها وبين دراسة الأولاد وبين ايصالهم للمدرسة وعودتهم منها وكانت تزورني يوميا...تعبت معي.

يوم عودتي من المستشفى اردت تغيير الجو كما يقولون أسمعتها أغنية " الشاب خالد ... aicha ...aicha ...ecoute moi"

الغربة مرّة والغريب ليس من غادر بلده، إنما الغريب من في غربته غريب.

كنت أرى في عيون الفريق الصحي وأسمع منهم علامات وكلمات الإستغراب والإعجاب من هذا التعاطف الكبير والزيارات الكثيرة لأناس من كل الأعمار نساء ورجالا وكان يستبد بي الفخر بأهلي واخوتي وأصحابي وأستذكر بيت الشعر

لا شَيْءَ في الدُّنْيا أَحَبُّ لنَاظري منْ مَنْظَر الخلاَّن والأَصْحَاب

حباني الله بإخوة وأصدقاء لا يجمعهم المال ولا المصالح بل الصحبة والأخوة الصادقة ترى في عيونهم الإنشغال ثم الفرحة.

رأيت من بعضهم قبل العملية وأثناء فترة الإنتظار إصرارا صادقا وعجيبا واستعدادًا ليتبرعوا لي بإحدى كليتيهم.

هنا ازددت إدراكًا وفهما لمعنى أن تكون في جماعة وأن تكون فردا من جماعة وأن تكون عضوا في جسد أدركت جيدا معنى كلمة إخوة.

سعدت أيما سعادة من تخلّصي من التصفية والسكري ومن حقن الانسولين غير أنها لم تكن مكتملة فقد فقدت "شيئا عزيزا" !!!.

فقدت صفة عميد مرضى السكري فقد كنت لمدّة طويلة صاحب الكرسي...هكذا يكون "التشبث بالكراسي ولو كان فيه الهلاك" هههه.

اليوم تخليت عن العرش وتركته "لجمال"...

الأمراض لا تقتل ولو كانت تفعل لما كنتم تقرؤون هذه الكلمات.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴿145 آل عمران ﴾

قيل في الامثال: "يصير في الراجل وما يخبرش أمه ".

ولم أخبر أمي ولم اشتكي لأحد مما أنعم الله به عليّ.

اليوم أخبرتكم و بحتُ بشيء مما في القلب.

الى النضال من جديد...

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( العنكبوت 69)

الطاهر بوبحري
باريس في 29 افريل 2020 "اليوم عيد ميلادي الثاني ... كل سنة حلوة يا جميل".

  • شارك على:
0
 مجموعة العمل المالي: الإمارات لا تفعل ما يكفي لمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب جوز الهند .. صيدليات طبيعية في السنغال بزمن كورونا 

آخر الأخبار