Loading alternative title
الأخبار

البحرين: من أجل عالم يحترم الإنسان وحقوقه

تاريخ النشر: 2020-05-12 || 11:34

البحرين: من أجل عالم يحترم الإنسان وحقوقه
د. سعيد الشهابي كاتب من البحرين

د. سعيد الشهابي

كاتب من البحرين

كتب د. سعيد الشهابي

أحيى النشطاء الحقوقيون في البحرين الاسبوع الماضي الذكرى الاربعين لما اسموه "توثيق التعذيب" مؤكدين ان العقود الاربعة الاخيرة شهدت تصعيدا في هذه الممارسة في سجون البلاد، وان الكثير منها قد تم توثيقه اما بجمع إفادات الضحايا التي تؤكد ذلك او التقاط صور لاجسادهم التي شوهتها مباضع الجلادين في طوامير التعذيب التي يقع بعضها تحت الارض خصوصا بمبنى جهاز الامن الوطني. وصدرت دعوات محلية ودولية  لوقف هذه الممارسة التي تعتبر في القانون الدولي "جريمة ضد الانسانية". فما مناسبة ذلك؟ يقول النشطاء ان التاسع من مايو هو اليوم الذي شهد اول تأكيد واضح لممارسة التعذيب من قبل اجهزة الامن في هذا البلد الخليجي. ففي ذلك اليوم من العام 1980 التقطت صور ملوّنة لجسد الشاب جميل علي محسن العلي البالغ من العمر 23 عاما تظهر علامات واضحة لتلك الممارسة. وكان هذا الشاب قد اعتقل في 26 ابريل السابق ضمن اولى حملات الاعتقال الجماعية في البحرين، في إثر مسيرات واسعة شهدتها البلاد آنذاك. وبعد اعتقاله مع مجموعة من الشباب، لم يعرف عن مصيره شيء فلم توجه له أية تهمة ولم يسمح لأهله بزيارته. وبرغم سعيها لمعرفة مصيره الا انها واجهت جدارا من الصمت. وفي ذلك اليوم تسرّب خبر من جهات طبية ان جسد الشاب موجود بثلاجة الموتى بمجمع السلمانية الطبي وسط العاصمة. في ذروة الغضب هرع عشرات الشباب الى المستشفى وأخذوا الجثة، والتقطوا صورا كثيرة اصبحت اول تأكيد مادي على تلك الممارسة. وكانت آثار التعذيب واضحة على الجثة، مكاوٍ ومخاريز كهربائية، صعق كهربائي، حرق بأعقاب السجائر وآثار ضرب واضحة. وعلى مدى العقود الاربعة اللاحقة واصل النشطاء توثيق ممارسة التعذيب التي لم تتوقف حتى الآن. وتجدر الاشارة الى ان ضابطا استعماريا بريطانيا اسمه إيان هندرسون، هو الذي أسس جهاز الامن المركزي بعد استقدامه الى البلاد في ابريل 1966، عندما كانت البحرين تحت الحماية البريطانية. وقد التقيت هذا الضابط صدفة في مطار هيثرو في العام 2006، والتقطت اربع صور تجمعنا، وهي الصور الوحيدة التي تظهره بوضوح، ويمكن مشاهدتها عن طريق بحث جوجل.

 في الخامس من مايو قالت الناشطة الحقوقية السيدة ابتسام الصايغ، في تغريدة لها: "استمرار الاعتداءات والضحية سجين محكوم على خلفية سياسية، وهذه المرة أمام كاميرات التصوير التى وثقت الحادثة. المحكوم حسن المطوّع تعرض للتعذيب من قبل الشرطي م. ب نطالب بالعدالة والشفافية ليكون عبرة لغيره ممن يعتقد أنه فوق القانون". هذه السيدة نفسها ظهرت الشهر الماضي في برنامج وثائقي بثته بي بي سي تحت عنوان "كسر الصمت". وللمرة الاولى في تاريخ البحرين الحديث تمتلك سيدة محتشمة الشجاعة لتأكيد تعرضها لاعتداءات جنسية عندما كانت في السجن قبل ثلاثة اعوام. وأفادت امرأة بحرانية اخرى، السيدة نجاح يوسف وهي أم لأربعة أطفال، في ذلك البرنامج الوثائقي انها، هي الاخرى، تعرضت للاغتصاب من قبل ضباط الامن بعد اعتقالها في أبريل 2017. ولم يطلق سراحها الا في اغسطس 2019. أما سبب اعتقال نجاح يوسف فهو دعوتها العلنية في العام 2017 لعدم إقامة سباق السيارات المعروف بـ "فورمولا 1" والذي يسميه النشطاء "فورمولا الدم" بعد ان اصبحت اقامته كل عام مبررا لسجن النشطاء والناشطت، وتعذيبهم، وقتل بعضهم. ومن بين هؤلاء كل من نفيسة العصفور وريحانة الموسوي اللتان تعرضتا للتعذيب وبقيتا في السجن اكثر من عامين بسب نشاطهن ضد "فورمولا الدم". كما لقي الاعلامي صلاح عباس حبيب آل موسى مصرعه في العام 2012. وقد استشهد الشاب البحراني برصاص قوات النظام اثناء مشاركته في مسيرة في العاصمة المنامة، تطالب بوقف سباق السيارات "فورمولا 1".

 برنامج "كسر الصمت" أثار ضجة واسعة في الاوساط الحقوقية والدينية، لانه تضمن معلومات لم تتوفر من قبل. ويندر ان تظهر امرأة عربية او مسلمة على شاشة التلفزيون لتؤكد تعرضها للاغتصاب او التحرش الجنسي، ولكن ما دفع هاتين السيدتين لذلك شعورهن العميق بالغضب من جهاز أمن يمارس هذه الجرائم البشعة، ونظام سياسي لا يعاقب مرتكبيها. ويجدر هنا الاشارة لتأكيدات السيدتين انهما تعرفتا على الاشخاص الذين مارسوا تلك الجرائم، كما كشف النشطاء اسم المدير المشرف على السجن وادارته، واعتبروه مسؤولا عما يجري في غرفه السرّيّة التي تنتهك فيها كرامة الانسان على أوسع نطاق. فهل هناك انتهاك اكبر من التحرش الجنسي والاغتصاب؟ بعد بث البرنامج باللغة العربية في 24 مارس قالت بي بي سي في بيان صحافي: أبلغت امرأة بحرينية، هي نجاح يوسف، بي بي سي عربي بتعرضها للتعذيب والاغتصاب في مجمع أمني بعد احتجاجها على سباق السيارات الفورمولا 1 في 2017، كما أكدت امرأة أخرى أنها تعرضت لانتهاكات مشابهة في المجمّع نفسه بعدها بأسابيع قليلة. هذه المرأة هي السيدة ابتسام الصايغ التي نقلت بي بي سي على لسانها القول: "أمسك أحدهم يدي من الخلف، وطلب مني أن أذكر له أسماء من كانوا يعملون في حقوق الإنسان. وقال إنه يستطيع أن يفعل ما يشاء. بدأ بإنزال سروالي وبدأ يتحرش بي جنسياً بإصبعه ويطلب من الذي خلفه أن يتحرش بي من الخلف فانهرت وسقطت على الأرض." وفي مطلع ابريل أعيد بث البرنامج مرات عديدة على قناة "بي بي سي وورلد". جاء بث النسختين العربية والانجليزية برغم صدور بيان من سفارة البحرين في لندن ينكر محتوى البرنامج. ولكن هذا الانكار كان فضفاضا، ولم يتطرق لما ذكرته السيدتان من تفصيلات، الامر الذي اعتبر تأكيدا للإفادات وليس نفيا لها. وفي الأيام التالية شنت وسائل الاعلام الرسمية في البحرين هجوما على البرنامج والجهة التي قامت ببثه.

 في الاسبوع الماضي (7 مايو) أعادت منظمة "أيفكس" بث تقرير اصدرته منظمة "امريكيون من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان في البحرين" بعنوان: "فوق القانون: كيف كرست البحرين سياسة الإفلات من العقاب". التقرير يقدم امثلة كثيرة على الحماية الرسمية للمعذبين الذين يعتدون بشكل متواصل على سجناء الرأي. وينتهي للقول: منذ العام 2011 التزمت حكومة البحرين بعدم محاسبة السلطات والمسؤولين الكبار عندما ينتهكون حقوق الانسان. ساعد ذلك في تكريس ثقافة الافلات من العقاب ضمن الاجهزة الامنية. وبرغم التوصيات التي اصدرتها اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق برئاسة المرحوم شريف بسيوني (شكلتها الحكومة بضغوط خارجية في العام 2011 للتحقيق في الانتهاكات)، لم تتخذ اجراءات لمقاضات اولئك الذين ارتكبوا اعمال العنف والتعذيب بحق المتظاهرين السلميين" واضافت: "لقد تم تجاهل توصيات اللجنة وأنشئت واجهات حقوقية لتضليل المجتمع الدولي بان الدولة تمارس الاصلاح". واشارت الى "مسؤولين كبار منحوا اوسمة عالية لانتهاكهم حقوق الانسان بدلا من مقاضاتهم". وكانت اللجنة المذكورة قد أكدت في استنتاجاتها ان الاجهزة الامنية تمارس "تعذيبا ممنهجا". وفي تغريدة له في 8 مايو قال الناشط الحقوقي، برايان دولي: في مثل هذا اليوم قبل تسعة اعوام ذهبت الى البحرين لحضور جلسة المحكمة العسكرية لمتابعة المحاكمة الصورية للناشط الحقوقي عبد الهادي الخواجة، ولكن منعت من الدخول. وصدر حكم بسجنه مدى الحياة. حان الوقت لاطلاق سراحه". وما يزال الناشط الحقوقي المعروف، نبيل رجب، وراء القضبان بعدما صدر حكم بسجنه خمس سنوات بسبب انتقاده حرب التحالف السعودي – الاماراتي على اليمن. وكان قد قضى ثلاث سنوات مسجونا قبل هذا الحكم.

هذه الحقائق تكشف دوافع النشطاء الحقوقيين في البحرين للاحتفاء بمرور اربعة عقود على بدء توثيق الانتهاكات خصوصا التعذيب، ذلك التوثيق الذي بدأ بتصوير جسد الشاب جميل العلي في مثل هذه الايام قبل اربعين عاما ويشمل ما حدث لاشخاص آخرين في التسعينات وبعد ثورة 14 فبراير 2011. ويستعد هؤلاء النشطاء للاحتفاء باليوم العالمي لمناهضة التعذيب في 26 يونيو المقبل. فماذا يعني التعذيب؟ وكيف يمكن تقييم اي نظام يمارسه؟ ولماذا اصبح العالم الذي يفترض انه قطع شوطا في تطوير المنظومة الحقوقية مستعدا للتعايش مع الانظمة التي تستضعف الانسان وتمتهن كرامته، وترى ان بقاءها يتطلب ليس قمع معارضيها فحسب بل المبالغة في التنكيل بهم وجعلهم عبرة لغيرهم. كيف يمكن بناء عالم آمن مستقر متحضر اذا كانت اساليب حكوماته تستبطن التنكر للانجازات الحضارية الانسانية في مجالات الحرية والكرامة وحقوق الانسان وحكم القانون؟ الامر المؤكد ان حكومة البحرين ليس بمقدورها الاستمرار في  نهجها الشرس مع معارضيها لولا وجود غطاء اقليمي ودولي لما تقوم به. فالمسألة ليست غموض سياساتها او اساليب تعاطيها مع معارضيها، فسجونها تضم أكثر من اربعة آلاف سجين سياسي، مع ذلك ترفض التعامل معهم بانسانية وتحضر، وتصر على سياسات الانتقام منهم، بصياغة قوانين تنتهك الحقوق ولا تنسجم مع المعايير الدولية المؤسسة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان. فماذا يعني رفض الحكومة مساعدة مواطنيها العالقين في الخارج على العودة الى وطنهم (الا بعد ان أرغمت على ذلك عندما تبرعت دول خليجية اخرى باعادتهم). وماذا يعني رفض اطلاق سراح السجناء السياسيين الذين تكتظ بهم السجون حتى اصبحت الزنزانة التي صممت لايواء ستة سجناء تضم أكثر من عشرة؟ الواضح ان نظام الحكم لا يخطط لاصلاح سياسي جوهري، بل على العكس من ذلك لديه خطط للمزيد من القمع. ففي الفترة الأخيرة قام بتشييد اربعة عنابر في الجانب الشرقي من سجن جو، تتسع لأكثر من الف سجين. انها لأزمة أخلاقية خطيرة ان تصل العلاقة بين اية حكومة وشعبها الى مستوى الحقد والانتقام، بدلا من التفاهم والاصلاح واقامة حكم القانون. والازمة الاخلاقية مقدمة لسقوط اي نظام. فكما قال الشاعر حافظ ابراهيم:

 وانما الامم الاخلاق ما بقيت     فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

  • شارك على:
0
 الغنوشي يحلّ المكتب التنفيذي للنهضة كتلة النهضة تدعو الحكومة إلى تعليق العمل بالزيادات في تعريفة الخدمات القنصلية 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

من سيفوز بكأس رابطة ابطال أوروبا ؟

a
b
النتائج