Loading alternative title

النهضة: بين التأسيس الحزبي والتأسيس الوطني

تاريخ النشر: 2020-06-07 || 20:31

النهضة: بين التأسيس الحزبي والتأسيس الوطني
محسن النويشي ناشط سياسي

محسن النويشي

ناشط سياسي

كتب محسن النويشي 


تحيي حركة النهضة اليوم 06 جوان 2020 الذكرى 39 لاعلان مؤسسيها عن تقديمها للرأي العام الوطني حزبا سياسيا مدنيا ديمقراطيا راغبا في خدمة التونسيين من موقع المشاركة في السلطة عن طريق الصندوق.
وبقطع النظر عن اعتبار هذا التاريخ هو منطلق التأسيس أم محطة متقدمة في مساره، سبقتها ما يزيد عن عشرية كاملة من العمل الفكري التوعوي و الدعوي الاحيائي، واعتبار التاسيس الحقيقي مع انطلاقها بين أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، وما الاعلان الا بداية انطلاق التأسيس السياسي المجتمعي للمشروع الوطني للحركة، وبداية بلورة أبعاده وانطلاقتها في نسختها الثانية تحت مسمى "الاتجاه الاسلامي" بعد ان كانت "الجماعة الاسلامية".
لقد مثلت محطة 06 جوان 1981 نقلة نوعية عميقة في مسار تأسيس الحركة، تكثفت فيها أبعاد مهمة ميّزتها عن غيرها من نظيراتها في الدول العربية والاسلامية الحديثة، وحددت الملامح الاساسية لهويتها وشخصيتها المادية والمعنوية التي انطبعت بها طيلة مسيرتها.
ومن أهم هذه الملامح اعلان نفسها حزبا سياسيا ذو مرجعية إسلامية يعتمد العمل المدني السلمي. وهذا لم يبادر به الاسلاميون في كل المنطقة ولم تتعود عليه النخب العلمانية الحاكمة في تلك الحقبة. ثم اعلانها دخول النضال السياسي من مدخل الحرية بكل أبعادها العامة والفردية، وإدراكها لأهمية العمق الاجتماعي للنضال السياسي .
وبعيدا عن الجدل الذي رافق الذكرى والذي دار بين الباحثين وفي داخلنا خاصة في تقييم 1984، ضمن مشروع الاولويات، والذي تمحور حول اعتبار اعلان 06 جوان 1981 خطوة استراتجية ام خطوة تكتيكية؟ فقد تبين بمرور الزمن ونضج التجربة انها خطوة استراتجية عميقة فكريا وجريئة سياسيا، في محيط نسق تطوره بطيء، وضمن الظروف التي اوحت بانها خطوة تكتيكية، وهي في الحقيقة لا تعدو الا ان تكون أسباب تنزيل لوعي، مثل حصيلة تجربة نظرية وعملية فكرية وسياسية متنوعة للمؤسسين اعضاء الهيئة التأسيسية والمكتب السياسي، وعلى رأسهم الشيخ الاستاذ راشد الغنوشي.

و ليس لنا في هذا اليوم الا ان نحيي فيهم قدرتهم على التقاط اللحظة رغم صعوبة الظرف الذي كان فيه استهداف امني للكيان الفتي للحركة، بسبب دورها الذي بدأ حينها يتنامي في الساحة الطلابية والسياسية. وقد انطبعت اللحظة بما حصل من اعتداء على استقلالية الاتحاد العام التونسي للشغل، بلغ أوجه يوم الخميس الاسود في 26 جانفي 1978 وما تبعها. وكذلك احداث قفصة 1980 والتي حصل خلالها استهداف مسلح بدعم من نظام القذافي.

وعلى اثر هذه الاحداث حصل تغيير مهم داخل السلطة شخصيات وتوجهات، حيث كلف الاستاذ محمد مزالي بمهمة الوزير الاول، بهامش واسع من التصرف، أعاد في اطاره بعض الشخصيات الاصلاحية التي استقالت من الحزب الحاكم مع السيد احمد المستري في بداية السبعينيات. والاهم من ذلك فقد جاء السيد محمد المزالي بسياسة الانفتاح السياسي التي تم بموجبها اسناد التأشيرة للحزب الشيوعي التونسي وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحزب الوحدة الشعبية.

ضمن هذا السياق وفي خطوة ذكية، تم تقديم مطلب الحصول على تأشيرة عمل باسم حركة الاتجاه الاسلامي، قابلتها السلطة بحملة اعتقالات واسعة، تلتها محاكمات جعلت هذه الاخيرة تسقط في اول اختبار ديمقراطي تبعها تزييف الانتخابات التشريعية أواخر 1981.

بعد ثلاثة عقود من الاعلان ومسيرة نضال تميزت بالتضحية والعطاء الوطني عمدتها دماء الشهداء وعذابات المناضلين وصمود الصامدين، حصل خلالها تغيير في اعلى هرم السلطة سنة 1987 اعادت على اثره الحركة تقديم مطلب التاشيرة سنة 1988 باسم النهضة، سرعان ما تبيّن انه تغيير شكلي زيف انتخابات 1989 التي فازت فيها القائمات المستقلة المدعومة من النهضة، وتمت العودة للاستبداد المغلظ والانغلاق المطلق والفساد الممنهج. ورغم ذلك فقد ثبتت الحركة على خطها السلمي المدني في ملحمة تسجل بمداد من ذهب.
ثم قامت الثورة التونسية ثورة الحرية والكرامة، واسقطت نظام الاستبداد والفساد، واتجهت نحو الانتقال الديمقراطي، وتقدمت فيه اشواطا كبيرة في بحر دولي واقليمي متلاطم، تزيده الازمة الصحية العالمية (وباء الكورونا) واستتباعاتها هيجانا، اضافة الى ضعف المنجز الاقتصادي والاجتماعي.
في الذكري التاسعة والثلاثين لتأسيسها السياسي، تجد حركة النهضة اليوم نفسها، الخيمة الجامعة لتأسيس الجمهورية الثانية، والعمود الفقري للبناء الديمقراطي، والوريث الشرعي للوطنية التونسية، وذلك بسياساتها الوسطية المرنة والمسؤولة والحريصة على التوافق الوطني والمصالحة الوطنية، وبناء الكتلة التاريخية، وتقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية وبناء اسس لديمقراطية انتقالية نموذجية.
هذا الموقع الذي تتبوءه النهضة اليوم من التأسيس الوطني يتطلب منها حزما وعزما وجدية في قيامها بدورها في ظرف فيه صعوبات ومخاطر تستهد الثورة والتجربة من وراء استهداف النهضة وزعيمها هذا اضافة الى هشاشة التوزنات التي تحتاج الى وضوح وحسم للخيارات في ضوء التطورات والمؤشرات الحاصلة في المدة الاخيرة وذلك في اتجاه الاستقرار البرلماني والحكومي، ضمن تلازم المسارات، والتقدم نحو حكومة الوحدة الوطنية القادرة على مجابهة تحديات المرحلة. كما ان هذا الموقع يفرض على الحركة في ذكرى تاسيسيها التفكير العميق في تطوير اوضاعها وتجديدها ضمن رؤية مستقبلية، تحافظ على وحدتها، باعتبارها مصلحة وطنية وحزبية، و تطال الاسس الفكرية والبنى الهيكلية وتواصل الاجيال، وبناء القدرة على الفعل السياسي لحماية الثورة والديمقراطية والدستور، وتطوير الكفاءة في ادارة الحكم لتحقيق انتظارات المواطنين خاصة منها الاقتصادية والاجتماعية.
في ذكرى تأسيسها الحزبي ودورها الريادي في التأسيس والبناء الوطني، ليس للنهضة الا ان تمضي نحو مستقبلها كمشروع وطني لكل احرار الوطن، ولسان حالها يردد مطلع اغنية الفان القدير مرسال خليفة : منتصب القامة امشي ... مرفوع الهامة امشي.

ستمشي النهضة منتصبة القامة مرفوعة الهامة في اتجاه مسار التاريخ؛ مسار الحرية والكرامة؛ مسار تطلعات شعبها شعب الاحرار وشعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني شعب الجبارين، حتى يسود العدل وينتهي الظلم وما ذلك على الله بعزيز.

  • شارك على:
0
 خبير تركي: بإمكان الحكومة الليبية السيطرة على كامل البلاد صفاقس: وفاة اثنين في اصطدام قطار بسيارة 

آخر الأخبار