Loading alternative title

المصالحات التاريخية ستبرم في مكان آخر

تاريخ النشر: 2020-07-22 || 18:30

المصالحات التاريخية ستبرم في مكان آخر
نورالدين علوي أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية  وروائي

نورالدين علوي

أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية وروائي

كتب نور الدين العلوي 

اختيار زاوية النظر تحدد مجال الرؤية.. هذا أوسع من قاعدة فيزيائية في البصريات، نحاولها في السياسة والاجتماع ونطبق على الانتقال الديمقراطي في تونس. لقد قسنا بمنحرف فرأينا بعض الصورة، نميل الآن إلى الاعتقاد أن الصورة أكبر من الرؤية وأن أوان توسيع الزووم قد صار ضرورة منهجية.

تحت تأثير وقائع متشابهة لمدة نصف قرن على طول الخريطة العربية وبعض الخريطة تونس، وجدنا أن سبب الهدر الديمقراطي هو الصراع الأيديولوجي بين تيارات الفكر المتصارعة على نموذج المجتمع المنشود. ويسمح العود بالتحليل إلى بدايات عصر النهضة، حيث نشأت الاختلافات وتوسعت. وقد فصلنا فيه قولا كثيرا، ولكن هذه الرؤية ذهبت بنا إلى وضع فرضية حل منقوصة، وهي أن المصالحات الضرورية لقيام الديمقراطية بعد ثورات الربيع هي إبرام مصالحات شجعان بين تيارات الفكر العربي، وفي مقدمتها تيارات الفكر القومي وتيارات الفكر الإسلامي واليسار العربي بكل تفريعاته وقراءاته في الفكر اليساري الكوني.

لكن مسار تقدم الديمقراطية في تونس، التجربة الوحيدة الناجية من بلدان الربيع العربي، يقدم لنا فرضية قراءة مختلفة ويدفع إلى توقع إبرام المصالحات التاريخية بين قوى أخرى وفي سياق غير أيديولوجي بالمرة، بل طبقا لتجارب انتقال ديمقراطي قرأناها ولم نفهمها فهما كاملا. لهذا يمكن النظر إلى هذه الورقة كمقدمة منهجية لتحليل مطول قد يتكرر فيه الحديث.

ثورجية الخطاب الاجتماعي التحرري حرفت البصيرة

قاد دول الاستقلال خطاب ثوري تحرري مناصر للفقراء ومعاد للصهيونية والاحتلال (الاستعمار)، وترسخت مفردات الثورة والاستقلال في وعي الشباب ولا وعيه على طول الخريطة العربية. وكلما ولد تيار فكري وسياسي تبنى نفس الخطاب ودافع عن نفس القضايا بواسطة نفس الأساليب السياسية، وطبعا في هوامش حرية ضيقة جدا تركتها الأنظمة التي كانت تقود/ توجه بدورها ولصالحها هذا الخطاب وتبني عليه شرعيتها، وتمنع سرقته من قبل تيارات تنشأ وتتوسع في أوساط شعبية مفقرة في الغالب؛ فتحت لها المدارس مصعد الرقي الاجتماعي. وكان لليسار العربي في الدول المستقلة قصب سبق في ترويج هذا الخطاب وقضاياه، فنيا وثقافيا وسياسيا ونضاليا في مواضع كثيرة.

في ذات الوقت كانت الأنظمة السياسية تتكيف وتعدل خطابها وممارساتها لتخدم مصالح طبقة اجتماعية جديدة ستتم تسميتها برأس المال الوطني، ولم تكن هذه الطبقة المستحدثة غالبا بقوة الدولة تبحث عن أكثر من هذه التسمية، لتتوسع وتسيطر على مفاصل قيادة المجتمع وتخضع دون كبير ضجة.

والتجربة التونسية التي انطلقت مع أول السبعينيات (الهادي نويرة) تعتبر نموذجا مثاليا لتحليل استعمال الدولة لتقوية رأس المال بوسائل الدولة نفسها، واستعمال النظام السياسي طبقة الرأسماليين لتمتين وجوده السياسي.

لقد خلق النظام السياسي العربي قاعدته المادية الجديدة بواسطة بناء طبقة اجتماعية يمكن تسميتها مجازا برأسمالية وطنية.

وفي الطريق استحوذت الطبقة المصطنعة على النظام السياسي وتصرفت على أساس أن الدولة (لا النظام السياسي فحسب) صارت ملكها الحصري. ولذلك كان من السهل عليها أن تقبل انقلاب ابن علي على بورقيبة المؤسس، مثلما قبلت تفكيك السادات للناصرية أو فسخ مبارك للسادات. فالمعارك تمت في السطح، حيث لم يصل ضررها للطبقة ومكاسبها. والأمثلة متشابهة على طول الخريطة العربية، إلا في دول الريع النفطي التي نسميها مجازا دولا وما هي بدول.

في الأثناء كانت قد ولدت (أو بالتوازي) تيارات اجتماعية يسارية وقومية ولاحقا إسلامية (بتأثير الثورة الإيرانية أساسا)، وتبنت نفس الخطاب الثوري الاجتماعي. ويمكن القول الآن وعلى طريق تعديل منهجي للرؤية القول إن طبقة رأس المال كانت تمد لهذه التيارات في أوهامها، وتسمح لها بتفكير متطرف لأنه لم يكن يضيرها في شيء، خاصة إذا تأملنا عبر حالات فردية (تحسب بالملايين) كيف كان الثوري ينتهي شرطيا يضمن الأمن لهذه الطبقة، ولنا في اليسار التونسي الأعلى خطابا في الثورية مثالا دالا على تحول الثوري إلى شرطي. لقد دفعت طبقة رأس المال إلى خلق الاشتباك الثقافي وتوسيعه، لشغل خصومها عن تطوير مقدراتها بواسطة الدولة.

الاشتباك الثقافي بين تيارات الفكر العربي بدأ قبل الاشتباك الاجتماعي بين فقراء العرب وأغنيائهم، ولما كانت الفجوة الاجتماعية تتسع بتركيز الأنظمة/ الدول الجديدة، غطى الاشتباك الثقافي على الاجتماعي، فكانت أكبر عملية تيه (تتويه) للصراع الاجتماعي الفعلي الذي يخول بناء دولة اجتماعية (قوية وعادلة).

طرفا الاشتباك هما تيار الهوية وتيار التحديث.. الأول انطلق بخلفية فكر عصر النهضة الهوياتي، والقائم أصلا على الرد على أطروحات التحديث الغربي، والثاني تناسل من الأول واتجه إلى القول بالتحديث مع فائض خطاب اجتماعي يقدم نفسه مرات في غلاف ثوري.

ولذلك استمرأت التيارات الإسلامية وصفها بأحزاب الهوية، فاطمأنت إلى الوصف وعاشت منه واستثمرت فيه، كما استثمر اليساري في الخطاب الاحتجاجي، وكما استثمر القومي في الحنين إلى الأمة الواحدة الافتراضية وقدم تحرير فلسطين على تحرير نفسه (بقطع النظر عن النتائج على الأرض)، فالفلسطينيون يعرفون من خذلهم عبر تاريخ معركتهم، وهم حكم على التاريخ وعلى خطابات التعاطف السياسي.

لقد كان هذا الاشتباك وسيلة لصرف المثقفين والمتحزبين إلى هامش من هوامش الصراع، لا إلى جوهره، بل كان مثقفون كبار وبخلفية يسارية قد كتبوا أن معالجة المعضلات الثقافية تسبق معالجة المعضلة الاجتماعية، وهو تنظير مولته الدولة بأكاديميتها الرسمية وبدعمها المالي الثقافي، وكلما تقبّل المتلقون هذا المذهب كلما توسعت الفجوة الاجتماعية من ورائه.

ولقد سبق أن طرحت مقارنة بين دور رأس المال الوطني الذي قاد معارك بناء الدولة الغربية وبناء ثقافتها، وبين الدور الذي لعبته رأسمالية الدولة العربية التابعة في صرف الناس إلى شعبة واحدة من شعب الصراع. وأتبين الآن أن هذا التيه كان مبرمجا وله غاية، فكلما توسع الاشتباك الثقافي بين المثقفين/ الأكاديميين على قاعدة الاختلاف الأيديولوجي، كلما نعم رأس المال بالسلام الاجتماعي ونما بلا إزعاج.

لا مصالحة بين التوجهات الأيديولوجية العربية

كان الانحراف المنهجي في التحليل هو توقع/ انتظار مصالحات بين هذه التيارات كشرط فعلي لبناء الديمقراطية. ولكن الوقائع تثبت أن ليس لهذه التيارات الفكرية/ الأيديولوجية ذات الوجه السياسي وزن مؤثر على الأرض. لقد سمحت الانتخابات التي أجريت في بلدان كثيرة بعرض هذه التيارات على صناديق الاقتراع (خاصة بعد الربيع العربي)، فوُزِنت فخفّت، فلم تعد محل تقدير سياسي لدى طبقة رأس المال، رغم علمها بذلك والأدلة كثيرة. وهي تراها تتكلم بعد وتعتبر خطابها لغوا جميلا لا يؤثر على مصالحها المادية. لكنها وزنت الإسلاميين فوجدتهم في كل الحالات ثقل سياسي مؤثر يضعف ولا يندثر، بل قد يستقوي بالقمع وينمو.

القراءة الرصينة للتاريخ تقدم الحقيقة التالية: ليس أثقل من الوزن السياسي للإخوان في مصر، ولو تكررت الانقلابات وعمليات التصفية السياسية بوسائل الدولة نفسها، وليس أثقل من وزن حزب النهضة في تونس ولو حورب النهضويون في وجودهم، وليس أثقل من وزن الإسلاميين في المغرب ولا في الجزائر، والصناديق مقياس موضوعي.
لقد وضعت عوائق كثيرة في طريق الإسلاميين، لكن العوائق لم تقلل من وزنهم السياسي ولا من ثقل تأثيرهم في الواقع السياسي كلما فتح باب الديمقراطية/ الانتخابات. أيقنت طبقة رأس المال بذلك، وفكرت فيه وحاولت تجنب تأثيره دوما. لكن إذا استمر هذا الاتجاه (ولو بخطى بطيئة ومتعثرة) فإنها ستتجه إلى التسلم به والتعامل معه كمعطى واقعي غير قابل للدحض بقوة النظام ووسائله.

قراءة تاريخ المنطقة من وجهة نظر عقلانية تكشف أن الانقلابات أضعف من أن تصمد لبناء دول دون الفساد الاقتصادي الملتحف بالأمن وقوة السلاح (فالبلدان التي عرفت الانقلابات هي أقل البلدان استقرارا ونماء). نعم، جزء كبير من رأس المال ينتعش بالفساد، ولكن هناك حقيقة تفرض نفسها بقوة التاريخ: التحالف مع الفساد لا يذهب بعيدا، ولكن العمل داخل الديمقراطية يعد باحتمالات مختلفة.

بوابة المصالحات الممكنة والضرورية

من يضمن استمرار الديمقراطية لتكون إطارا لمكاسب مختلفة ومستقرة ودائمة؟ رأس المالي سيجيب، وقد يكون بدأ في ترتيب الإجابة من تونس عبر التعويل (أخيرا) على حزب إسلامي يشرع لتفاهمات تاريخية، ومن داخل فوضى الحكم في تونس، ومن داخل فشل الانقلاب المصري ومن داخل تجارب أخرى مختلفة ومتقاربة (منها الحرب الأهلية الجزائرية). يبدو أنه قد حان أوان وضع الترتيبات.
نرجح ونتوقع أن ستحدث المصالحات التاريخية هنا، فيصحح الوهم القديم عن أطراف التفاهمات ومجالها. التفاهمات ستجري بين الأوزان الثقيلة، لكن في طريق المصالحة تنفتح معركة غير أيديولوجية بالمرة، بل معركة ترتيب مصالح مادية أولا.

نتبين في بعض المحطات من الحالة التونسية أن الحزب الإسلامي يستقبل الإشارات ويعرض الخدمات، فيضع نفسه على حافة لحظة تاريخية مفصلية.

قد تكون هي عين ما يطلب رأس المال (الصالح منه والفاسد)، أي التحول إلى حزب دستور جديد أو حزب وطني، كحزب مبارك أو تجمع ابن علي، تكون مهمته أن يخدم طبقة رأس المال ويتذلل لها مقابل التمتع بمباهج السلطة. أو قد يتخذ وضع المفاوض القوي باسم الفقراء، ليحصّل لهم حقوقا بعيدا عن خطاب ثوار اليسار الذين انتهى كثيرهم شرطة بيد النظام.

الخياران لا يجتمعان، بل هما متعارضان تعارضا تاما، وثمن كل واحد منهما كبير ومصيري.

يوجد في هذه اللحظة/ الموقف شرط لا أعلمه لندرة المعطيات، وهو وجود ديمقراطيين في صف المال والأعمال (رأس المال الوطني) يقرون بأن الازدهار داخل الديمقراطية أكثر جدوى من التكسب داخل الفساد وبواسطته، وأن تقابل/ تنافس قوة ليبرالية مع قوة اجتماعية مهيكلة يبني الديمقراطية ولا يخرب رأس المال.

المصالحة المطلوبة تاريخيا هي إنهاء الاشتباك الثقافي أو تأجيله (لأنه ضروري ولكنه اشتغل كمعطل سير عبر طرح قضايا لا تهم الناس، وإنما تطرب لها النخب وتقبض منها) للتفرغ لفض الاشتباك الاجتماعي أولا، ولكن ليس ضمن أفق ثوري متناسخ من خطاب يساري ثقافي (كان يرد عليه غالبا بخطاب تكفيري إسلامي)، بل على قاعدة فرز بين دور وطني لرأس المال وبين دور خياني ينتعش من الفساد ويرعاه. وهذا تأطير منهجي للحرب على الفساد من ناحية، وتنظيف طبقة رأس المال نفسها من قراصنة الفساد، وتأطير لبناء سياسي مستقبلي.

نقل المعركة إلى الاشتباك الاجتماعي وبناء مصالحة تاريخية في أفق ليبرالي.. من يقدر على ذلك الآن وهنا؟

تنظيميا لا نرى غير الأحزاب الإسلامية، فهي أحزاب مهيكلة ومؤطرة ولها أساليب عمل، ولكنها لم تخرج بعد من منطقة رد الفعل على الخطاب اليساري، ولم تفلح في الخروج من الاستثمار في الخوف لرص صفوفها. لكن فض الاشتباك لن يبدأه الإسلاميون، وإن أظهروا رغبتهم في السلطة. وهي الرغبة التي يسهل وصمها بالفساد والتحايل السياسي.
في فوضى السياسة ما بعد الثورة نلاحظ أن رأس المال العربي (التونسي بالضرورة) لم ينظم نفسه حزبيا، ويبدو لغلبة الفاسدين عليه مجملا لا مفصلا. إنه يستنكف عن ذلك ضمن خطته القديمة الاختباء في الدولة والعيش من رعيها وعطفها وتوظيفها، ولكن نرجح أن اختمار فكرة ومشروع حزب ليبرالي يميني صريح لن تتأخر كثيرا، فالدولة كستار للفساد تفقد قدرتها على التغطية. هل يؤسس رأس المال حزبه الخاص أم يستعمل لها الحزب الإسلامي؟

وإذ نلتقط مؤشرات التقارب أو عبارات الغزل السياسي والعمل على تفاهمات عميقة خلف شاشات الإعلام، فإننا نتوقع اتساع مطلب المصالحة بين من لم نتوقع سابقا أن يتفقا، حيث لم نر صراع قوة شعبية مع قوة رأس المال لفرط ما توهنا الصراع الأيديولوجي، حتى ظنناه المشكل الوحيد وموضع الحل الأوحد.

سيجد الإسلاميون أنفسهم أمام معضلة تموقع أشرت إليها، وأكرر في أفق توسيع النقاش لاحقا.

(للتنبيه فقط لم ادخل في عناصر النقاش هنا المؤثرات الخارجية الإقليمية والدولية على مسارات بناء الديمقراطية، ودورها في إعاقة كل فعل بناء ديمقراطي).

هل يبقون في منطقة الدفاع عن الفقراء بلغة يسراوية تنكر دور رأس المال في التنمية، أم يتحولون باسم المصالحة والحاجة إلى فرض الوجود السياسي إلى مبرراتية لطغيان رأس المال وتملكه لمفاصل الدولة وتوجيهها وجهة يمينية صرفة؟ أم يعثرون على إكسير التوفيق بين متناقضات جوهرية ذات طبيعة اجتماعية قبل ثقافية؟

هذا مجال المصالحات ومجال الفكر السياسي لما بعد الربيع العربي، والذي تهنا عنه طويلا.. إني أراهم يتململون بين موقعين ولا يصلون إلى حسم.. الرسائل التي تلقى إليهم قد توجه قرارا تاريخيا.. يحول حزب الإسلام السياسي إلى ما يشبه أحزاب الديمقراطية المسيحية.. فرضيتنا بين يدي التاريخ.

  • شارك على:
0
 النهضة: عبير موسي تمهد لقوى خارجية الانقلاب على الدولة رئيس الدولة يتابع قضية حادث سيارة وزير .. 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج