Loading alternative title

وداعا ... أمّي

تاريخ النشر: 2020-07-29 || 09:03

وداعا ... أمّي

معز التواتي

 

  حدثت القصة في مدينة تونسية صغيرة ..."صابر" شاب مستهتر ومدمن على المخدرات، عانت منه أمّه الأرملة الويلات، كان ابنها يصرف جراية المرحوم على المخدرات والمسكرات ويسوم أمه سوء العذاب شتما وإهانة فجعل حياتها جحيما... كانت المسكينة تتألم في صمت وتذوب كشمعة محتضرة...وصل بها الحال إلى العمل في المنازل لتوفر مصاريف الحياة اليومية... تواصل ذلك الجحيم إلى أن حل ذلك اليوم من ربيع 2015...   نهض "صابر" منتصف النهار كعادته ...نادى والدته فلم تجبه...أرعد وأزبد وطاف المنزل حتى وجدها على فراشها ساكنة تحدّق في الفراع...ملامح شبحية ورعب يملأ مآقيها.. صرخ في وجهها فلم تجب... شتمها وهزها هزا عنيفا..كان يريد "المال" بعد أن نفذت جراية المرحوم... صفعها وجرها على الآرض...ظلت صامتة متخشبة كجذع نخلة ميتة... تركها وراح يبحث كالمجنون عن شيء ما لبيعه... قلب البيت رأسا على عقب ليظفر بخاتم فضي...لعله آخر ما تبقى من حلي والدته... يخرج تاركا إياها مرمية هناك.... مع المغرب عاد..فتح الباب ليجد والدته حيث تركها...بدأ القلق يساوره... ماذا دهاها؟ هل هي مريضة؟ ماذا سيفعل إن ماتت؟ ستضيع الجراية... لا أحد سيعمل لأجله... حملها بين ذراعية ووضعها في فراشها...جلب قارورة ماء وحاول أن يسقيها بعضه، كانت الدموع تسيل من عينيها في صمت دون أن تنبس ببنت شفة. راح يجوب البيت جيئة وذهابا...جلس عند رأسها ووضع يده على جبينها...لعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة، خاطبها بصوت هادئ -أنت مريضة؟ هل أحملك إلى المستشفى؟ انهارت وبكت بشدة وبدأ جسمها ينتفض كالمصروعة... حاول تهدئتها بشتى الطرق ..كان سيجن لمعرفة سرها...احتضنت الأم ابنها بشدة لتروي له سرها الدفين... - اسمع بني... قبل وفاة والدك بسكتة قلبية بأشهر...شاهدت رؤيا غريبة...جاءني والدي رحمه الله حاملا في يده كتابا... أخبرني بأنه كتاب زوجي..وظلت فيه 6 صفحات...وطلب مني باكيا أن أصبر حين تُطوى الصفحات الست...فما ينتظرني ابتلاء ووجب الصبر عليه... أفقت خائفة ورويت الرؤيا لوالدك...شعرنا ببعض القلق وكتمناها في أنفسنا...حينها كان أول يوم من شهر شوال... بعد مرور 6أشهر قمرية بالضبط رحل والدك إلى الرفيق الأعلى بسكتة قلبية. - كان ابنها ينصت باهتمام بالغ إلى حديث والدته... ينفث دخان سيجارته بعصبية منتظرا بقية حديثها... تستأنف أمّه روايتها الصادمة..."البارحة رأيت نفس المشهد بالضبط.. والدي يحمل كتابا..جاءني صحبة والدك.. كان صامتا دامع العينين...خاطبني والدي بتأثر.."السلام عليكم ...هذا كتاب ولدك يكاد يُطوى ولم تبق إلا 6 صفحات... صبرا بُنيّتي" تنهار الأم باكية... يسرع "صابر" إلى اليومية الجدارية...اليوم 1 من شهر محرم... لا..لا ... بدأ يصيح بشدة ويبكي ..بينما أمّه تحاول النهوض بصعوبة..."أمّي هل سأموت؟...لازلت شابا..لا..أنا مدمن ..أنا مجرم...أمّي لا أريد أن أموت..." ارتمى صابر في حضن أمّه كعادته حين كان طفلا ينشد الأمان والحب...كانت ليلة ثقيلة ومليئة بالدموع والخوف... ظل "صابر" لأيام ...بدون أكل ولا شرب إلا "النزر القليل"...أغلق هاتفه..نسي حتى "إدمانه"...كان الموت مسيطرا على حواسّه...يحصي الأيام والساعات التي تفصله عن الرحيل...يستذكر ماضيه وأيامه القليلة الباقية...أسبوع كامل مضى منذ ذلك اليوم ليضحي صابر "شبح" إنسان...خاض حربا مريرة مع الذات...يصعد إلى عنان السماء حينا ويهوي إلى قاع الجحيم حينا آخر... فقدت "الأشياء" قيمتها ومعناها...لا حقيقة اليوم إلا الموت الذي ينتظره...كان عليه أن يراجع كل شيء... قناعاته وعلاقاته وقيمه ونمط حياته... خاض معاناته وحيدا...لا أحد كان معه سوى أمّه...عاش في ظلّ الموت فغدت كل الطرق مسدودة...وحده طريق الله الذي لا يُغلق.. في الليلة الثامنة وعند الفجر فاضت دموع صابر وصاح بصوت متهدّج ليمزق سكون الليل..."يا رب...يا رب"...لا أحد كان يعلم ربما أن صابر يتغير .."ظل الموت" تأثيره شديد على النفس البشرية...كانت والدته ساجدة في صلاة الفجر حين سمعت صوت خرير الماء في "الحمام"... أتمّت صلاتها ليخرج صابر وقد اغتسل.. يفرش السجاد ويصدح بتكبيرة الإحرام... ابتسمت والدته وأدمعت...هذا ابنها "الضال" يعود إليها أخيرا... في الصباح أخبر صابر أمه بعزمه على الذهاب إلى البقاع المقدسة... يريد أن يودع الحياة وهو ساجد في بيت الله...سيختار عمرة في تاريخ يناسب موعد الرحيل...وهذا ما حدث... مرت الأشهر سريعا ...كان صابر جهز كل شيء الجواز والحجز بعد أن عمل لأشهر في "قطاع البناء" لجمع المبلغ المطلوب...ساعدته والدته لإتمام ما تبقى.. ليحين أخيرا موعد السفر... كان يحتضن أمّه ويبكي...طالبا منها الصفح...أن تسامحه وتدعو له عند كل صلاة ... جثا عند قدميها ليغسلها بدموعه اللاهبة..."أمّي سامحيني...أمّي أنا راحل قليل الزاد ..يا خسارتي أمّاه إذا لم يغفر لي ربي.. أمّي أحتاجك حيا وميتا فلا تنسيني..أحبّك..وداعا أمّي" يلج صابر بهو المطار وقد اختفى وجه أمّه وراء الجدران...ليبدأ بالتهليل والتكبير عند باب الطائرة حتى وصوله البقاع المقدسة... هناك على أستار الكعبة بكى سنين عمره الضائعة ...علا نحيبه وهو يطلب من الله المغفرة وأن يهون عليه سكرات الموت... يوم الرحيل كان جاهزا... خرج منذ الفجر إلى البيت الحرام وقد تعطّر...أشرق وجهه نورا ...سكينة غريبة غزت قلبه وابتسامة تلمع من عينيه... كان كعريس ليلة زفافه... ظلّ حتى انقضى اليوم كاملا...لم يكف عن ذكر الله ...أرخى الليل ستائره على مكة المكرمة..لؤلؤة الكون وعروسه...بدأ قلبه بالخفقان... هذا اليوم يكاد ينقضي ..أين هادم اللذات؟ أين قابض الأرواح؟... مرت الدقائق ثقيلة عليه وهو ينتظر موته في كل لحظة...حتى انقضى اليوم...ليظل إلى الفجر الموالي... اتّصل بوالدته ..."أمّي أنا حي…لا أعلم..هل الله استجاب لدعواتك بأن يمد في عمري ؟ أمّي...." بكت أمّه ودعت له بكل خير... أيعقل أن موته "تأجل"... كان يسير هائما في شوارع مكة باحثا عن مطعم ...الحياة تفتح أبواها له من جديد...بدا أنه يتحرر من ظل الموت...فتح هاتفه باحثا عن رقم والدته.."ألو صباح الخير أمّي... أنا حيّ ههههه...." تضحك أمّه وهي تسمع صوت ابنها الممتلئ بالحياة وبالأمل... تسمع صوتا عنيفا في سماعة الهاتف...ليصمت كل صوت من الطرف المقابل...لم تكن تعلم أن قدر الله أراد لابنها الرحيل وقد اطمأن قلبه... سقطت رافعة ضخمة للانشاءات على عدد من العابرين وكان صابر أحدهم... يرحل ضاحكا ومداعبا والدته... يرحل صابر وهو لا يعلم أن "قصة الرؤيا" لم تكن الا سيناريو حبكته أمّه بإتقان لانقاذ ابنها ... أرادت أن تسلط عليه "ظل الموت" ليحيا... ولكن نحن نريد والله يفعل ما يريد...

  • شارك على:
0
 لماذا كلف الرئيس التونسي شخصية مستقلة لتشكيل حكومة جديدة؟ مجلس النواب يصادق على قانون تشغيل من تجاوزت بطالته عشر سنوات من خريجي الجامعات 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج