Loading alternative title
  • الرئيسية
  • آراء
  • الغنوشي يردّ على منتقديه: الزعماء جلودهم خشنة .. لا تهترئ

الغنوشي يردّ على منتقديه: الزعماء جلودهم خشنة .. لا تهترئ

تاريخ النشر: 2020-09-17 || 16:02

الغنوشي يردّ على منتقديه: الزعماء جلودهم خشنة .. لا تهترئ
راشد الغنوشي مفكر وسياسي  رئيس حركة النهضة

راشد الغنوشي

مفكر وسياسي رئيس حركة النهضة

ردّ رئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي، في رسالة مطولة على القياديين المئة الذين طالبوه بالتنحي من منصب رئاسة حركة النهضة مع إقتراب مؤتمر الحركة.

وقد اعتبر الغنوشي في رسالته، أن السياسيين والقادة يتم استبدالهم عبر الإنتخابات، لأنهم يخضعون أساساً، حسب تعبيره، لعوامل التهرئة الناتجة عن الحكم أما "الزعماء جلودهم خشنة"، حسب تعبير رئيس النهضة.

كما انتقد الغنوشي الطريقة التي أعلمه عبرها "المئة" بقرارهم، وقال إنّ قدومهم بوفد مفاجئ ليلاً، وبطلب التنحي، شبيه بما يفعله عادة بعض الجنرالات العسكريين، الذين يأتون فجراً إلى رؤساء الدول لتنحيتهم.

وهذا نصّ رسالته: 

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله 

لقد فاجأتني البارحة مجموعة من كرام وكبار إخواننا بزيارة كريمة، طلبها أحدهم، حسبتها خاصة به، وأن غرضها شأن كان حديثنا من أيّام، إلا انني سرعان ما تنبهت الى أن الامر يتعلق بتسليمي رسالة مذيلة بأسماء، لا توقيعات، مائة قيادي يطالبون رئيس الحركة إعلانه الصريح أنه ليس معنيا بالقيادة في الموتمر القادم.

ذكرتني زيارة الإخوة الخمس الكرام، بالزيارات المعتادة لنفر من قادة الجيوش في الهزيع الأخير من الليل لرؤساء بلادهم، يبلغونهم الامر بالتنحي. الحقيقة أن الزيارة حصلت وقت صلاة المغرب وليس في الفجر.

الجيد في الرسالة المطولة، ان نسيجها اللغوي جيد ومطرز بمفاهيم الديمقراطية والإسلام، وذلك ما حملني على الوقوف عند بعض هذه المفاهيم وامتحانها مثل ديمقراطية الاحزاب.

والسؤال الاساسي هنا هل من لوازم الديمقراطية الحزبية تغيير القيادات في مدد معينة بصرف النظر عن كونهم أصابوا أم اخطأوا!؟ هذا خلط متعمد بين مقتضيات مجالين مختلفين: مجال الحزب ومجال الدولة. تحديد المدد بدورتين معروف في رئاسة الدول الديمقراطية.

اما ديمقراطية الاحزاب، فالتداول المعروف فيها، يتحقق بالتجديد الدوري أو عدمه لقياداتها، عبر عمليات انتخابية دورية نزيهة، تبنى على تقويمات موضوعية للأداء، فيجدد للبعض دون حد، إذا كان حكم المؤسسات على أدائه إيجابيا فيدعم، او يعفى اذا الحكم على الاداء سلبيا.

ان الاحزاب تستثمر في قياداتها الناجحة، فتدفعها الى أعلى حتى تنتقل مقبوليتها من المستوى الحزبي الى المستوى الوطني، وحتى اوسع من ذلك. التداول هنا يتم عبر التقييمات المستمرة للأداء، وعبر الانتخابات الدورية. وهو أمر معروف في التجربة الحزبية في المحاضن التاريخية للتجربة الحزبية الديمقراطية: انغلترا، فرنسا  ...  وكثيرا ما تتم عملية التداول القيادي في الاحزاب الديمقراطية بسرعة، عبر عمليتي التقييم والانتخاب الدوريين، دون حاجة الى وضع قاعدة قانونية تحدد ذلك، سواء أتعلق الامر بقيادات حزبية جهوية (كاتب عام) أم مركزية (شورى) أم نيابيةً، لان السلطة عامل تهرئة طبيعي، فلا يعاد انتخاب القيادات التي قيم أداؤها سلبا وحتى قبل نهاية العهدة.

أما" الزعماء" في الاحزاب الديمقراطية وليس الرؤساء، فهم الاستثناء من القاعدة، لقدرتهم على الصمود في مواجهة عامل التهرئة، العنصر الفاعل في التداول. الزعماء جلودهم خشنة، يتحملون الصدمات، ويستوعبون تقلبات الزمان، ويقاومون عامل التهرئة، اذ يتجددون، فيكونوا قوة دفع وتعبئة لشعوبهم وراء أحزابهم، فتظل شعبيتهم وأحزابهم في صعود او تراجع محدود، حتى يتبوّأوا معها مقامات قيادة البلاد. فلماذا يغيرونها وهي في قمة عطائها وإشعاعها داخل البلاد وخارجها؟ أمثال هذه الزعامات تبحث عنها الاحزاب تمييزًا بين رؤساء أحزاب - وما أكثرهم - غالبًا لا تتحملهم أحزابهم لأكثر من دورة، وبين زعماء أحزاب لا يجود الزمان بمثلهم الا قليلا، فتستمسك بهم أحزابهم وشعوبهم، ولا تحصي عليهم أنفاسهم تنتظر انقطاعها وانما تخشى فقدهم وتتحسر على غروب شموسهم مرددة قول الشاعر:

سيعرفني قومي إذا جدّ جدّهم

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

ومن أمثلة هؤلاء الزعماء الذين حفظ التاريخ ذكرهم، تزعموا أحزابهم وهم شباب واستمروا في قيادتها وهم شيب، اذ قادوها عقودا الى قمة المجد والسلطةً: زعيم الديغوليون شيراك، وزعيم الاشتراكيين ميتران، وزعيمة الديمقراطيين المسيحيين مركل، وزعيم العمال البريطاني بلار، والنائب العمالي طوني الذي مكث نائبا في البرلمان البريطاني أكثر من ثلث قرن، والسيد نصر الله الزعيم قاد المقاومة منذ شبابه الشيعي .... وبذلك يبدو جليًا فساد الخلط بين قواعد التداول التي تدار بها الدول وبين التداول في نظام الاحزاب، كما تبين الفرق بين التعامل مع الزعماء والتعامل مع القادة العاديين (إداريين).

إن الذين يتغطون بالديمقراطية لفرض وصايتهم على المؤتمر 11 بشروط إقصائية مسبقة، لا ديمقراطية، لعله يتحقق بهذا ما عجزوا عنه في المؤتمر العاشر من استبعاد زعيم الحركةً، غير مترددين في ارتكاب خلط آخر شنيع بين مبدأ التداول عبر التجديد والانتخابات الدورية النزيهة وتقويمات للاداء، وبين رئاسة دكتاتورية مؤبدة مدسترة. كما يخلطون بين الدعوة لمثل هذا التداول، عبر التقويم والانتخاب النزيه المتجددين، وبين ما كان معروفا من مناشدات في ظل الدكتاتورية!! هؤلاء يرتكبون أخطاء منهجية تضليلية شنيعة، تهدف الى نقل الخلاف من مربعه الأصلي الى ساحة اخرى مضللةً، مربع الخلاف الأصلي يدور ليس حول الديمقراطية، وانما حول تقدير المصلحة، مصلحة البلاد ومصلحة الحركة والامة. هل هي اليوم في تغيير زعامة الحزب باعتبارها قد تحولت عبئا على الحركة والبلاد، من الواجب الخلاص منه! وأن الأوضاع قد تهيأت لذلك؟ وما تأثير ذلك على الاستقرار في البلاد والإقليم؟ وماذا يهم الشعب التونسي وهو في صراع مع الوباء والغلاء من خلافات النهضة وغسيلها؟ لماذا نشغله بذلك؟ أم ان الامر على غير ذلك وان زعامة الحزب - على ما هي عليه- رصيد للحزب استثمر فيه خلال نصف قرن، حتى تهيأ للمقامات العالية، فهل المصلحة تقويته ام اضعافه؟

هل ما يطالب به أصحاب الرسالة من إعلان تنحيه عن القيادة في أجل قريب هو أمر يقدم خدمة للبلاد وللحزب؟ ولماذا اتخاذ ذلك شرطًا قبليًا للمشاركة في المؤتمر؟ أليس ذلك مصادرة لارادة المؤتمرين؟ واذا كان هناك تهيؤ لمثل هذا التداول، فالمؤتمر هو المناسبة لتقويم الاداء والحكم على كل القيادات عبر العملية الانتخابية التنافسية. ألا يبدو الامر وكأنّ هناك تشكيكا في العملية الانتخابية وفي المؤتمرين، إذ يراد الحسم سلفا في هذه المسالة المهمة دون المؤتمرين. ولماذا أضعنا أوقاتًا وجهودا في مجلس الشورى لانتخاب لجنتين كبيرتين، شرعتا لتوّهما في الاعًًداد للمؤتمر؟ فلم التعجل ورمي المؤتمر الذي كان مطلوبا بإلحاح ظهريًا، إلا اذا كان القصد فتح الأبواب امام حلول أخرى تستبق المؤتمر، لانها لم تعد تثق في اختياراته. والمسألة مسألة بحث عن ذريعة لشرعنة أمر يراد، في وقت عصيب تمر به البلاد والإقليم. أرجو ان لا يكون ذلك كذلك.

ختاما أوصي اخوتي واخواتي أبنائي وبناتي الأحباب بالهدوء، وان يحفظوا عقد الإخوة وآداب الاختلاف ووحدة صفهم وأمانة دماء الشهداء ومعاناة عشرات الآلاف من المناضلات والمناضلين، موقنين انها زوبعة وتمر كما مر غيرها "لا تحسبوه شرا لكم"، شاغلين أنفسكم بهموم شعب تزحف عليه الأوبئة ويهدده الجوع. فأن تنير شمعة خير من أن تلعن الظلام. أنار الله بصائرنا وهدانا الى التي هي تقوم.

والله سبحانه نسال العون والرشد والتسديد.

 

  • شارك على:
0
 الجزائر: قوى الإصلاح تثمّن نقاطا من الدستور وتتحفّظ على أخرى جمعية القضاة : إخلالات جسيمة في حركة القضاة 

آخر الأخبار