Loading alternative title

معلمو الديمقراطية الكسالى

تاريخ النشر: 2020-09-23 || 15:34

معلمو الديمقراطية الكسالى
نورالدين علوي أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية  وروائي

نورالدين علوي

أستاذ علم الإجتماع السياسي بالجامعة التونسية وروائي

كتب نور الدين العلوي

كان الحدث في الأسبوع الثالث من شهر أيلول/ سبتمبر في تونس هو موضوع الديمقراطية داخل حزب النهضة، بعد إصدار مئة قيادي رسالة تطلب من رئيس الحزب عدم الترشح لمنصب الرئيس في المؤتمر القادم الذي لم يعد قابلا للتأجيل.
لقد شارك الجميع، من خارج الحزب خاصة، في تعليم حزب النهضة دروسا في الديمقراطية والتداول القيادي، وخاصة دروسا في رفض الزعامة المطلقة. لم أشارك في الجدل ولا في إعطاء الدروس، حتى لا أنضم إلى جوقة معلمين كسالى يستوطنون المقاهي ويفتون في كل أمر، ويعرفون الصواب الذي على الآخرين فعله حتى كأنهم آلهة. ولعله حان الوقت للتميز عن هذا القطيع العارف، فكل خطوة أو كلمة معه في أي موضوع ضلالة وتيه.

ألا يجب نقد النهضة؟
نقد النهضة واجب وضرورة سياسية، لكن بشرطين أخلاقيين وسياسيين؛ أولهما أن ينقد الحزب وسياساته وحتى شؤونه الداخلية ضمن سياق شامل لنقد الأحزاب والمنظمات في أفق بناء الديمقراطية، وثانيهما أن يقوم بذلك قطعا أناس أكثر ديمقراطية من حزب النهضة، ولهم تراث في التسيير الديمقراطي ولهم أفكار وبرامج خدمت الديمقراطية وتخدمها دوما. هل توفر الشرطان في ما سمعنا وقرأنا في نقد النهضة والغنوشي؟

لقد كان الوضع مثيرا للسخرية، فبعض نقاد الديمقراطية في النهضة وخاصة دكتاتورية راشد الغنوشي داخل حزبه؛ هم بعض عتاة التجمع (حزب ابن علي) وبعض وجوه اليسار التي لم تفلح في البقاء في أي تنظيم، والأدهى أن كثيرا من نقاد الغنوشي يباركون تمديد القيادة النقابية لنفسها في مؤتمر انتخابي في الحمامات؛ جرى على طريقة غوار الطوشه وأبو عنتر. ولذلك وجدنا المشاركة في حفل تعليم النهضة دروس الديمقراطية نوعا من العار الفكري الذي يجب النأي عنه.
لقد كان واضحا أن ملقني النهضة مبادئ الديمقراطية لا يسعون إلى الديمقراطية، فليس لهم في هذا أي تراث يجلب الاحترام، ولكن بدواعي الكسل الفكري غالبا (وموضة المشاركة في مواضيع الساعة)، وبرغبة عند آخرين في صب زيت على نار الاختلافات داخل حزب مهيمن، ليحولوا الغنوشي إلى غول مهيمن على ماضي تونس ومستقبلها، وليس فقط على حزبه وجماعته.
من هذه الزاوية نتوقع أن تعليم الحزب لن يكون درسا مفيدا له ولا للديمقراطية، وسيمر مثل لغو كثير متداول عن نخبة تتكاسل في المقاهي، ولن يكون وسيلة كافية بيد معارضي الغنوشي للضغط بها من خارج الحزب على رئيس الحزب. لقد استنجدوا بغير ذي حول ولا قوة.

من أين نبدأ إذن؟
إذا أوجب المرء على نفسه المشاركة في بناء الديمقراطية ولم يتعلل، فإن نقطة البداية هي أن لا يكون حديث الديمقراطية مناسبة عابرة تثيرها رسالة أو حادثة أو خطاب، وإنما هو جهد نشط متواصل لا ينقطع ولو توهم المرء أن البناء قد اكتمل، فكل بناء يحتاج للصيانة. في هذه العملية المستمرة المفتوحة على المستقبل، نعتبر إفراد طرف بالنقد من بين مكونات ساحة سياسية واحدة أمرا معيوبا ديمقراطيا.
في المشهد السياسي التونسي بؤر كثيرة غير ديمقراطية وتحتاج أن يسلط عليها ضوء كثيف. لقد تحطمت مجموعات سياسية كثيرة منذ الثورة بفعل غياب الديمقراطية داخلها وتفرد زعامات بالرأي والقرار، وفي مقدمتها حزب السيد نجيب الشابي الذي كان مؤهلا لقيادة الثورة فإذا هو يذهب هباء منثورا، ويتحول زعيمه إلى متخصص في إنشاء الأحزاب والخروج منها.
غياب الديمقراطية في التسيير والمشورة هو الذي أودى بالجبهة الشعبية اليسارية وفكك أوصالها وأخرجها من كل فعل وموقع، وغياب الديمقراطية هو الذي جعل أكثر من عشرة فصائل قومية تعجز عن التلاقي في حزب واحد يتكلم باسم العروبة. أما في المنظمة النقابية فحديث الديمقراطية هو حديث مجازي يقال للتسلية، وليس أدل على ذلك من المؤتمر الانتخابي القادم الذي سيؤبد القيادة في مواقعها.
وعندما نضع كل هذه المكونات في سياق نقدي، سنعثر على المفاتيح المنهجية للنقد السياسي ولبناء الديمقراطية.
أول المفاتيح أن الديمقراطية حاضرة/ غائبة بمقادير في كل مكونات المشهد السياسي والنقابي، وأن أي نقد لا يشمل كل المشهد هو نقد غير ديمقراطي يخرب الديمقراطية ولا يبينها.
ثاني المفاتيح هو البدء بالنقد الذاتي، فلا معنى أن يحشر المرء نفسه في أمور أحزاب ومنظمات وهو عاجز عن العمل ضمن جماعة أو فرقة أو حزب، ويعيش منفردا مثل بومة سياسية.
ثالث المفاتيح هو الإقرار بأن المعارك التنظيمية هي معارك كاشفة لغياب البرامج والسياسات داخل المنظمات، إذ الأفكار الكبيرة تشغل الناس بالعمل وتدفعهم إلى الحركة وليس إلى التموقع، فإذا غابت الأفكار (البرامج الكبرى) انشغل الناس بمواقعهم ومغانمهم، وجعلوا من العمل التنظيمي (الحزبي أو النقابي) وسيلة مكاسب شخصية ليس أكثر.
رابع المفاتيح (التونسية خاصة) هو أن التفكك الحزبي ثمرة مباشرة لغياب الأفكار والبرامج، وحزب النهضة في المشهد التونسي هو آخر الواقفين في صف التفكك السياسي، فقد سبق للآخرين أن تفرقوا وذهبت ريحهم، بمن فيهم حزب التجمع الذي حكم ربع قرن.
ولأن هذه المقدمات/ المفاتيح غائبة عن النقاش التونسي الذي سلط منذ أيام على حزب النهضة فقط، فإن كل مشاركة فيه تعتبر لغوا غير مجد ويحسن بالمرء أن يغنم وقته خارجه.
يحتاج البلد إلى نقاش جدي عميق ومؤسس، ولا نراه قد بدأ ببيان المئة في النهضة ولا بالقراءات التي تناولته أو توقعت آثاره. ودروس الديمقراطية يتقبلها ديمقراطيون من معلمين ديمقراطيين فقط لا غير.

  • شارك على:
0
 عودة تدريجية للعمرة تبدأ من داخل السعودية 4 أكتوبر مجلس وزاري مضيّق يقرّ جملة من الإجراءات لفائدة ولاية تطاوين 

آخر الأخبار