Loading alternative title

لمصلحة من تهتزّ صورة قصر قرطاج وساكنه؟

تاريخ النشر: 2018-08-29 || 20:05

لمصلحة من تهتزّ صورة قصر قرطاج وساكنه؟
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي

 

لفت أداء الرّئيس الباجي قائد السبسي انتباه كثيرين من خصومه ومعارضيه، بما تحلّى به أداءه خلال النّصف الأوّل من ولايته الرئاسية، من حكمة واعتدال ومرونة، جعلت أغلب التونسيين يحسّون أنّه فعلا رئيسهم جميعا، وأنّ نجاحه في ذلك كان مكسبا غير بسيط، في ديمقراطية ناشئة، تحيط بها مكائد كثيرة.
هو رئيس التونسيين جميعا دستوريا، ولكنّ أداءه الفعلي ثبّت ذلك، ودعمه، وأعطى لسياسة التوافق والمسار الديمقراطي عمقا ودفعا هما بأشدّ الحاجة إليه. وتوارت عن الساحة تهم كثيرة كانت تلاحقه قبل تولّيه الرئاسة، ولغط كثير كان يهدف إلى وضع حاجز بين قصر قرطاج وعموم التونسيين. فترِكَةُ عهد الإستبداد ثقيلة على الجميع، وعلى قصر قرطاج بالخصوص، لما كان يمارسه ويرمز إليه من مظالم وتجاوزات.
كما اختار الباجي قائد السبسي التوافق مع حركة النّهضة، والعمل معها سياسيا، نزولا عند مصلحة وطنية عليا، تفرض اشتراك خصمي الأمس في الحكم: النداء وما يرمز إليه من علاقته برجال وتاريخ الحزب المنفرد بالحكم سابقا، والنهضة بما ترمز إليه من معارضة.
وردّت النّهضة على تحيته بأحسن منها، عندما وافقت وزكّت ما اقترحه السبسي وحزبه "نداء تونس" من تولّي شخصيات كثيرة مسؤوليات هامة وخطيرة في مختلف مؤسسات الدولة، رغم أنّ النّهضة لا تعرفهم، ولها تحفّظات على بعضهم. 
دافع الرئيس السبسي على النّهضة، ورفض تدخلات أطراف داخلية وخارجية كانت تريد إبعادها، دفاعه عن مصلحة تونس وكرامتها واستقرارها.
هذا التوافق الذي رسم صورة تونس الجديدة، وقدّم شهادة حيّة للعالم، بأنّ التونسيين قادرون على تجاوز عُقد الماضي وعقبات الحاضر وكمائن المتربّصين بالتجربة الديمقراطية، نجح في إبعاد مخاطر كثيرة كانت تحيط بالبلاد، ووُفّق في وضع أرضية مطلوبة، تساعد في معالجة القضايا الاقتصادية والإجتماعية. 
الأكيد أنّ هذه الصّورة الإيجابية هي التي أنعشت حركة الإستثمار، وشجّعت الدول والمؤسسات العالمية على منح ثقتها لتونس، والموافقة على مساعدتها، وإقراضها.
لكنّ صورة قصر قرطاج بدأت تهتزّ لدى التونسيين، عندما بدأت صورة رئيس جميع التونسيين تتراجع بشكل مفزع، منذ نحو سنة، حتى ضاقت عن استيعاب جميع الندائيين، فضلا عن غيرهم. 
اهتزاز صورة ساكن قصر قرطاج داخليا، حالة مقلقة، تنعكس بشكل مباشر على صورته الخارجية، فتخدش صورة البلاد، وتشوّش على مصالحها إن لم نقل إنّها تهدّدها.
انحياز بائن 
لعلّ أبرز حالة بدأت تشوّش على صورة رئيس الدولة، هي الإنحياز البارز لبعض مستشاريه في القصر، لأطراف سياسية وفكرية استئصالية، من خلال مواقف وتصريحات وتحرّكات، لا تليق البتة بمقام رئاسة الجمهورية وحيادها. والأخطر من ذلك، أنّها تكرّرت، حتى أصبح بعض من في قصر الرئاسة، محسوبون على جهات سياسية معلومة.
لا أحد يناقش في حق مستشاري الرئيس في أن تكون لهم مواقفهم وآراؤهم الخاصة بهم، مهما اختلفت عن مواقف وآراء عامة التونسيين. لكنهم مُلزمون بحكم وظيفتهم، أن يلتزموا بمظهر الحياد في القضايا الخلافية. 
بل بلغ الأمر بأحدهم إلى السخرية من نص قرآني، والإنخراط في معارك حزبية.
ثمّ تطوّر الأمر إلى الرئيس نفسه، ليكون طرفا في الخلاف الحاصل داخل حزب نداء تونس، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الحديث عن وقوع الرئيس في خطيئة التوريث التي نعرف جيّدا رفض التونسيين لها.
الخلاف الحاد الذي يعيشه حزب نداء تونس، بين المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، كان يمكن أن يكون خلافا عاديا وطبيعيا، يمكن أن يحصل في أيّ حزب سياسي. لكنّ إدارة رئيس الجمهورية لهذا الخلاف، أساء كثيرا لشخصه ولمقام الرئاسة.
لقد ضيّعنا أربعة أشهر كاملة، في الحديث عن تجديد وثيقة قرطاج وجمع الأطراف الموقّعة عليها، لوضع أرضية تساعد الحكومة في معالجة القضايا التي تعيشها البلاد. لكن تبيّن للجميع، أنّ كلّ تلك الإجتماعات والمشاورات، كانت تهدف إلى فضّ خلاف حزبي بعزل رئيس الحكومة. الإجراءات الثلاثة والستون التي أجمعت عليها الأطراف الموقّعة على وثيقة قرطاج، سقطت بسرعة ملفتة من اهتمامات الرئيس، وأصبحت لا تساوي شيئا، عندما غاب الإجماع حول إعفاء يوسف الشاهد من مهامه. فلماذا كلّ هذا الدوران وليّ الأعناق وإلهاء التونسيين بحزمة إصلاحات مزعومة، اكتشف الناس أنّها ليست سوى إخراج سيّء لخيار اختاره شقّ من حزب النداء، وأراد أن يمرّره من قناة الموقّعين على وثيقة قرطاج؟.
إنّ من حقّ الندائيين أن يقرروا ما يشاؤون، ولكن ليس من حقّهم أن يحوّلوا خلافاتهم إلى قضية وطنية تغمر بتجاذباتها مؤسسات الدولة.
الدستور واضح جدا بهذا الخصوص. فلماذا لم يلتجئ إليه الرئيس من البداية؟
خصخصة الخطاب 
خطاب رئيس الدولة، أو أيّ مسؤول فيها، له مكانته ودوره في الرأي العام. لذلك، تولي الدول المتقدّمة أهمية كبرى لمناسبات ظهور رموزها إلى الرأي العام، سواء من خلال خطاب رسمي، أو حوار صحفي، أو نشاط مهم. لكن الحوار الذي بثّته قناة نسمة للرئيس يوم 15 جويلية الماضي، ووقعت إحاطته بتغطيات إعلامية واسعة جدا، أساء كثيرا إلى الرئيس وإلى مؤسسة الرئاسة. لقد كان الحوار موجّها بعناية ووضوح كبيرين، لخدمة شخص، هو مالك تلك القناة. نعم صمد الرئيس وقاوم محاولات محاوريه في استدراجه إلى مواقف محدّدة، ولكنّ الحوار في عمومه، لم يكن حوارا يليق برئيس الدولة ليخاطب شعبه. لقد كان ذلك الحوار خطوة خطيرة باتجاه خصخصة الخطاب الرئاسي، وهي حالة لا تليق بمقام الرئيس الباجي قائد السبسي.
انحراف عن الهوية
ثم جاء تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وما أدراك ما هي اللجنة وما أرداك ما هو التقرير. فرغم محاولة اللجنة الظهور بمظهر الحياد، إلاّ أنّ محتوى التقرير فضح نوايا غير معلنة، وكشف معركة يريد البعض أن يخوضها باسم مؤسسات الدولة. ولا أظنّ أنّ منصفا يمكنه القول إنّ ما جاء في التقرير يلبّي حاجة التونسيين أو يحلّ قضاياهم أو يعبّر عن مواقفهم. نعم هو لبّى رغبة كامنة وقوية لدى البعض، ولكنّه في عمومه كان مخالفا لرغبة وإرادة أغلبية التونسيين، لما حمله من مضامين مخالفة لهويتنا الثقافية والدينية والإجتماعية والقانونية. والمشكل أنّ اللجنة تحمل عنوان رئاسة الجمهورية، التي أنشأتها وتخيّرت عناصرها، ووفّرت لها الظروف المناسبة لعملها.
يبدو أنّ محيط رئيس الجمهورية يعيش تجاذبات متناقضة، أثّرت بشكل خطير على صورة الرئيس ومؤسسة الرئاسة، وكان من الأجدر بأصحابها ألاّ يجعلوا من مؤسسة الرئاسة أداة لخوض معاركهم السياسية والثقافية، والإستقواء بها ضد إرادة التونسيين ورغباتهم. والأكيد أنّ الإنحراف بمؤسسة الرئاسة على النحو الذي جرى، يضرّ بصورتها كثيرا، وبصورة شخص الرئيس، ويطعن بشكل خطير في تجربتنا الديمقراطية. فهل من مصلحة السّبسي أن يكمل ولايته الرئاسية على هذا النّحو؟ وهل من مصلحة تونس والتونسيين، أن تتحوّل الرئاسة إلى وعاء يصدح بتناقضات المحيطين بها ومعاركهم التي يخوضونها؟

  • شارك على:
81
 كوبا تنهي قطيعة أربعة عقود مع المغرب النهضة تؤكد على التوافق وحكومة سياسية مستقرة ومحايدة 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج