بكاء السماء..بهجة الأرض

w1

كتب رياض عمايرة

المطر، وأبي الذي لا ينزع روحه البدويّة المتعطّشة للماء يراوح قلبه بين الخوف على الخراف و الشفقة على الحقل الذي يكاد يموت عطشًا. يريد للحقل أن يرتوي ويعود إلى وجهه الأخضر ويريد للخراف أن تنجو من البرد. ولأنّه صار خبيرًا بالبلد فهو يدرك أنّ المعادلة صعبة وأشبه بمعجزة. فكلّما بكت السّماء بشدّة بكى النّاس الضحايا معها وبعدها.
والدي يحفر في وعيي مفهوما جديدا ،الفرح عنده وأهله هو ابن المطر حفيد السّماء.
مطر !
وأمّي ككلّ الجنوبيّات تخاف على فراخها و على قنّ الدجاج حتى لا تجرفه المياه ، وتخاف على الغنّاي* كي لا يتشقّق بفعل وميض البرق وتلك تعويذة نسويّة قديمة. لكنّها تحب المطر لأجل الأرض ولأجل الحقل ولأجل الصّيف الآتي الذي عادة ما ترسم ملامحه ليالي الخريف. فإن هي أرعدت علت زغاريده وكثرت زيجاته وإن هي صمتت كان صيفًا بلا فرحٍ. وأمّي التي تعرف كلّ هذا تعرف أنّها إذا أمطرت أمطرت أيضا في قلب أبي مجنونها البدويّ ، فتخرج "أحبّك" على لسانه غير جافّة.
مطر 
وحبيبتي الجميلة كباريس ذات رذاذ تُحبّ المطر كي تطلق العنان لجنونها وتمارس لعبتها البريئة. تهب شعرها لسماء مدينتها البعيدة فتعمّده بخيوطها كي أصيرَ أنا المعلق على خصلاته نبيّا.وحبيبتي تحبّ المطر لا لأنّ جدّها مزارع تليد ولا لأنّها مصابة بطقس نزار و السيّاب وإنّما تحبّه بفطرة الزّهر الذي يزداد جمالا كلّما اغتسلت بتلاته.
مطر !
وأنا البدويّ المُصاب برائحة المدن أحبّ الماء وأحبّ طقوس البدو والمدينة حين تبعث السّماء رسائلها إلى الأرض فيفرح قلب أمّي ويطمئن وجه أبي و يتألّق شعر حبيبتي. 
مطر ! والمطر وحده يذكّرني ببداوتي و تمدّني ، يُذكّرني بالمزارع العاشق الذي يسكنني ، ويذكّرني بخوفي على البلد و على قطط الشوارع رغم أنّ الرّئيس لا يخاف عليّ ولا عليها.
------------------
الغنّاي : يُسمّى أيضا "الحمّاس" أو "الطّجين" حسب اختلاف اللّهجة. وهو إناء طينيّ يوضع على النّار كي تعدّ فيه البدويّاتُ الخبزَ.

 
 
 

هذا المقال منشور على موقع alwatannews.tn

تاريخ النشر: 2018-10-19 || 08:59

الرابط: http://alwatannews.tn/article/2136