Loading alternative title

القوة الذاتية تردع الآخرين

تاريخ النشر: 2018-11-08 || 05:36

القوة الذاتية تردع الآخرين
د. سعيد الشهابي كاتب من البحرين

د. سعيد الشهابي

كاتب من البحرين

 كتب د. سعيد الشهابي

خمسون عاما من التشرذم العربي اكدت غياب القوة التي تملك قوة الجذب المركزي وتحافظ على عالم عربي يتمتع بقدر من التماسك الداخلي والمنعة التي ترهب العدو. فمنذ غياب الرئيس المصري جمال عبد الناصر خسرت مصر موقعها كقوة عربية تمثل مرجعية سياسية وثقافية لهذه الامة المترامية الاطراف. هذا التشرذم ادى تدريجيا لازالة عوائق التدخل الاجنبي على تعدد مصادره. فلا السعودية استطاعت ملء الفراغ القيادي ولا العراق او سوريا، فضلا عن دول المغرب. فكان من مظاهر هذا التشرذم عدد من الظواهر التي تزيد امتنا تخلفا وتشرذما وضعفا. اول هذه المظاهر هرولة الانظمة للتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي والدخول في محاور امنية معه بدون خجل او خشية من ردود فعل جماهيرية رادعة. وقد تبلور المحور الذي تشكل "اسرائيل" نقطة ارتكازه بعد ثورات الربيع العربي الذي اعتبرته السعودية وبعض دول مجلس التعاون التحدي الاكبر لانظمتها. ولذلك لم توفر وسيلة لقمعه بأبشع الاساليب واكثرها توحشا. انفق المال النفطي على نطاق واسع للتصدي له، وتمت تعبئة كافة الطاقات الامنية لقمع الجيل العربي الثائر الذي كان يبحث عن هوية سياسية مختلفة. والاخطر من ذلك ظهور تحالف شرير ضم قوى الثورة المضادة بمحورية اسرائيلية وضعت امكاناتها الامنية التي استفادتها من التصدي للانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة في خدمة انظمة القمع والتصدي للشعوب الثائرة. وحظيت "اسرائيل" بمكافآت عديدة: الهرولة للتطبيع معها، غض الطرف عن بناء المستوطنات على الاراضي الفلسطينية، السماح لها باحتلال القدس وتهيئة الظروف لنقل السفارة الامريكية اليها، وتشجيع الكيان الاسرائيلي لمواصلة العدوان ضد محور المقاومة ابتداء بحماس والجهاد الاسلامي وحزب الله وصولا الى ايران. ثاني هذه المظاهر تصدع جبهات الامة، الواحدة تلو الاخرى، تارة بفعل التدخلات الانجلو – امريكية واخرى باثارة ايديولوجيات الكراهية والاحتراب الديني والمذهبي، وثالثة بضرب التحالفات التقليدية وضرب القوى العربية القوية. فسقطت مصر تماما من المعادلة السياسية الاقليمية بعد انقلاب العسكر على الديمقراطية الهشة التي كانت الثمرة الوحيدة لثورة 25 يناير، وسقطت سوريا كقوة اقليمية بعد اشعال حرب اهلية فيها ودعم التطرف والارهاب لتدمير واحدة من اعرق حضارات المنطقة. وضرب العراق اولا بالحرب الانجلو – امريكية في العام 2003 ثم تقطيع اوصاله بالطائفية والتطرف، واخيرا بضرب مصداقية نظامه السياسي واسقاط مشروعه الديمقراطي بممارسات قاتلة منها المحاصصة والفساد وابراز خطر التقسيم.

 

ويمكن اعتبار ما حدث بعد رحيل الملك السعودي السابق، عبد الله بن عبد العزيز في العام 2015 بداية مرحلة اخرى من التصدع الذي ساهم في تعقيد فرص الالتئام والبناء واعادة التلاحم واستعادة السيادة. فما حدث في الاعوام الاربعة الاخيرة من تطورات اقليمية في المشرق العربي أسس لواحدة من أشد الحقب ظلاما. بدأ الملك سلمان عهده بالانقلاب على تقاليد الاستخلاف السعودية، فعين نجله، محمد، وليا للعهد ليقود المملكة من ازمة الى اخرى. هذا الشاب المتهور بدأ عهده بشن الحرب على اليمن، وهي واحدة من اسوأ الحروب التي شهدتها المنطقة في العقود الاخيرة. فقد دمرت البشر والحضارة والبنية التحتية، وشقت جروحا عميقة في الجسد العربي واحدثت تصدعا في البناء السياسي حتى داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه. فقد نأت ثلاث من دوله: الكويت وعمان وقطر، بنفسها عن ذلك العدوان، بينما شاركت الامارات والبحرين بشكل فاعل في ذلك العدوان. وبالاضافة للدمار البشري اصبح اليمن على حافة مجاعة هي الاسوأ في العالم في المائة عام الاخيرة. ولا بد من التأكيد على دور الولايات المتحدة وبريطانيا في انطلاق الحرب واستمرارها بمشاركتهما الفعلية في التخطيط للعمليات ومراقبة الحدود وتزويد السعودية بالاسلحة والمعلومات. مع ذلك بدأ العالم ينقلب على الحرب والمشاركين فيها، ويطالب بوقفها فورا. وقد جاءت دعوة وزيري الخارجية والدفاع الامريكيين هذاالاسبوع لوقف الحرب قبل نهاية نوفمبر ليحاصر السعودية والامارات والبحرين التي ستخرج من الحرب خاسرة سياسيا واخلاقيا.

 

كان من مبررات الحرب التي قادتها السعودية على اليمن التصدي للنفوذ الايراني في المنطقة. ولكي يكون هناك قدر من الانصاف لا بد من اعادة تأكيد الحقائق المذكورة اعلاه، ففيها شيء من التفسير لما يعانيه العالم العربي من انكشاف كامل للحدود امام الآخرين الذين يطمعون في بسط نفوذهم. اول هذا التمدد انطلق من الكيان الاسرائيلي الذي بدأ التطبيع معه بشكل فاعل بعد الربيع العربي. لقد تمدد نفوذه بشكل مضطرد ومرعب اكدته زيارات مسؤوليه لعدد من العواصم العربية وتطبيع العلاقات مع اجنحته الرياضية والثقافية والاقتصادية بمستويات لم تكن متوقعة قبل خمسين عاما. ومأساة توسع هذا النفوذ انه امتد داخل فلسطين نفسها، ببناء المستوطنات وتهويد القدس وحصار غزة وتقليص صلاحيات الادارة الفلسطينية وشن العدوان على غزة بشكل متواصل، فلا يمر شهر واحد بدون قصفها وقتل اطفالها. وفي غياب القوة المركزية او التحالف العربي الفاعل انكشفت الحدود العربية على مصاريعها. فاصبحت امريكا حاضرة في كل بلد عربي تقريبا بقواعدها العسكرية وسفاراتها العملاقة ووكلائها المحليين. ويمكن القول ان توسع النفوذين الاسرائيلي والامريكي هو الاكبر والاكثر ايلاما لدى من بقيت لديهم قلوب او مشاعر انسانية. وهناك النفوذ الايراني الذي يستغل دائما لتبرير استهداف الجمهورية الاسلامية بدون توقف. ايران لديها نفوذ في العراق، ولكن تنافسها امريكا وحتى السعودية ايضا. ولديها نفوذ في لبنان بمنافسة من الدولتين المذكورتين كذلك. ولديها نفوذ فس سوريا بمنافسة روسية هائلة. امام في اليمن فنفوذها محدود جدا بسبب البعد الجغرافي والتمايز المذهبي. واخيرا فهناك نفوذ تركي من خلال العلاقة مع دولة قطر وجماعة الاخوان المسلمين. والسؤال هنا: كيف وجدت ايران وتركيا مجالا لتوسيع النفوذ؟ فما دام تحالف قوى الثورة المضادة قد اختلق المشاكل السياسية والارهابية والعسكرية في العديد من البلدان، وفي غياب قيادة عربية فاعلة، فهل من الغريب ان تلجأ الدول المنكوبة بتصدعاتها الداخلية للتقارب مع ايران او تركيا؟ لو لم تدعم السعودية والامارات الارهاب في العراق وسوريا فهل سيحتاج البلدان لدعم ايراني امني وعسكري  يساعدهما على التصدي للارهاب الذي أتى على الاخضر واليابس؟ لو لم تواصل "اسرائيل" عدوانها على غزة وتحاصر اهلها وتستغل قوتها الضاربة لاستهداف الفلسطينيين المحاصرين، فهل سيجد الفلسطينيون حاجة للدعم الايراني؟ لو وقفت السعودية والامارات بجانب اهل غزة ووفرت لهم ما يحتاجون من طعام ودواء وادوات للدفاع عن انفسهم، هل كان الدعم التركي او الايراني ضرورة لهم؟ لو ان القيادة السعودية ممثلة بالملك ونجله لم تستهدف دولة قطر ومعاملتها ككيان تابع لها بدون سيادة او قرار مستقل، ولو لم تفرض عليها حصارا مقيتا وتطلب من الدول الاخرى التي تستلم الدعم المالي السعودي بفعل ذلك ايضا، هل كانت قطر ستلجأ الى تركيا لتمتين العلاقة وتوقيع اتفاقات دفاعية معها؟

 

الامر المؤكد ان اضعاف العالم العربي خصوصا على مستوى الايديولوجيا والقيادة كشفه امام الآخرين من جهة واضطر بعض دوله للاستعانة بدول صديقة وجارة. الامر المؤكد ان من الافضل ان تبقى الدول حرة مستقلة ذات سيادة كاملة ولا تحتاج لدعم الآخرين. ولكن عندما لا يتحقق ذلك، فما الافضل: اللجوء لامريكا و "اسرائيل" ام لدول اسلامية مجاورة مثل تركيا وايران وباكستان؟ فمهما كان لدى هذه الدول من اطماع فستظل محكومة بقدر من الاخلاق والمشاعر الدينية التي تمنعها من الاستغلال المادي البشع لهذه الدول. فتركيا وايران لا تطمعان في اموال السعودية بينما كان الرئيس الامريكي صريحا عندما كرر قوله انه يريد المزيد من المليارات السعودية. فما الذي اوصل الاوضاع الى هذا المستوى من الهبوط؟ عندما يتعامل الحكام مع مواطنيهم بالقسوة والتوحش الذي يستهدف انسانيتهم، فهل من المستغرب ان يلجأ هؤلاء لطلب العون والنجدة من الآخرين؟ حين يستهدف عسكر مصر معارضيهم خصوصا من الاخوان المسلمين بمستويات غير مسبوقة من السادية والتوحش فهل يكون مستنكرا حين يصرخ الضحايا ويلجأون لمن يمنحهم ملجأ او دعما خارج بلادهم؟ حين يعمد نظام البحرين لسجن الآلاف من مواطنيه وينكل بسجنائه السياسيين، رجالا ونساء بوسائل بلغت حد الاغتصاب المتكرر للنساء، ثم يصدر احكام الاعدام والسجن المؤبد وسحب الجنسية منهم، فهل يكون جرما كبيرا حين يلجأون لبلدان تؤويهم من هذا العذاب؟ وعندما يسخر نظام سياسي امكانات الدولة بما فيها من طائرات وسفارات لاستهداف مواطن يعارضه ويقتله بسادية هزت ضمير العالم، فهل يلام المواطنون الآخرون حين يلجأون للاجانب لحمايتهم؟ فجريمة قتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول قرعت اجراسا مدوية بان هذه الانظمة تتجاوز السادية في تعاملها مع البشر وان الوقت قد حان لتغييرات سياسية جوهرية في المنطقة، ولكن الآذان الصماء والقلوب الميتة تتجاوز ذلك وتصر على التعامل مع الانظمة المجرمة وكأن شيئا لم يكن. وما يجري في الاروقة السياسية في الرياض هذه الايام من محاولات لاحتواء اكبر ازمة واجهت الحكم السعودي منذ حوادث 11 سبتمبر الارهابية، لا يعبر عن رغبة حقيقية في التغيير الايجابي. فمع التردد في تحديد مصدر القرار الكارثي هناك تحركات تسعى لاحتواء ازمة البيت السعودي بحضور عدد من رموزه من بينهم احمد بن عبد العزيز، وزير الداخلية السابق الذي عاد من لندن مؤخرا بضمانات دولية، واخوه مقرن الذي كان وليا للعهد قبل الاطاحة به بقرار من اخيه سلمان. الهدف "اصلاح" البيت السعودي من داخله، ولكن يبدو ان الامر تجاوز ذلك واصبحت هناك حاجة لطرح بدائل سياسية مختلفة لتجاوز الازمة الاقليمية وليس ازمة البيت السعودي فحسب. والا فسيظل العالم العربي مكشوفا امام الآخرين وفي مقدمتهم الاحتلال الاسرائيلي التوسعي والجشع الامريكي الذي لا يعرف حدودا. العالم العربي يحتاج لمحور سياسي عربي واسع يمتلك قوة جذب مركزية قوية تجذب الجميع اليها وتمنع الاطماع التوسعية للآخرين. وما عدا ذلك فسوف يبقي امتنا العربية تدور في حلقة مفرغة تستنزفة طاقاتها وتكرس ازماتها وتعمق مشاعر اليأس لدى ابنائها.

 

  • شارك على:
48
 احداث مخبر بحث علمي تونسي مغربي مشترك طقس اليوم الخميس 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج