Loading alternative title

هل يحرّر دم خاشقجي بلاد الحرمين الشريفين؟

تاريخ النشر: 2018-11-17 || 11:22

هل يحرّر دم خاشقجي بلاد الحرمين الشريفين؟
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي 

فشل محمد بن سلمان، مرّة أخرى، في إنكار تورّطه المباشر في إصدار أمر قتل الصحفي المناضل جمال خاشقجي. التأكيد جاء هذه المرة من وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية سي أي أي CIA  التي قالت إنّها "تعتقد أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمر بقتل الصحفي جمال خاشقجي في اسطنبول" وأنّه استعان في ذلك بشقيقه أحمد، سفيره في واشنطن، في الإيقاع بالضحية، عندما "نصح" هذا الأخير الصحفي المغدور بالإتجاه إلى سفارة السعودية في إسطنبول لتسوية وضعيته، وأكّد له أنّه لن يمسّه في ذلك سوء !

ما خلصت إليه وكالة المخابرات الأمريكية، استند إلى عدة مصادر، من بينها مكالمة هاتفية من الأمير أحمد شقيق محمد بن سلمان، إلى جمال خاشقجي، قبل اغتياله.

هذه الجريمة فتحت كتاب محمد بن سلمان أمام العالم، لتكشف بشاعة أعماله، وإدمانه الكذب والمماطلة، ودرجة غبائه التي لا حدّ لها، وحال البلاد التي يحجّ إليها المسلمون ويتّجهون إليها في كلّ صلاة.

وكشفت صورة واقعية في الأوجه التي ينفق فيها الحاكم الفعلي لبلاد الحرمين الشريفين أموال السعودية، في تمويل جرائم فضيعة، تستعمل فيها مؤسسات الدولة ورجالها، وتستباح فيها حرمة الدول، وتسخّر فيها كلّ إمكانيات الدولة، المالية والدبلوماسية والبشرية، لمحاولة التغطية على جرائمه، وشراء الذمم لتبرئته.

لقد بذل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كلّ جهده للنّأي بنفسه عن تهمة قتل الصحفي والمناضل السعودي جمال خاشقجي. من خلال أجهزة الدولة، وأبواق الدعاية التي ينفق عليها، وشبكة العلاقات الواسعة التي نسجها آل سعود، سواء في العالم الإسلامي أو العالم المتقدّم، لتبرئة ساحته من دم جمال. بل إنّه لم يتردّد حتى في الإستعانة بدولة الكيان الصهيوني، للإفلات من كشف الحقيقة، وصرف وجهة الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، إلى قضايا أخرى تصرف النّظر عن جريمته. ولكنّه يعثر في كلّ مرّة في سوء عمله، وشدّة غبائه، ودناءة العصابة التي أحاط بها نفسه.

نحن أمام مسلسل درامي واقعي، لو اجتهد المبدعون من كتبة السيناريوهات في العالم، لما بلغوا ما بلغه مسلسل القتل هذا، في شدّ الناس إليه، ومتابعة تطوّراته وتفاصيل حلقاته. فقد شدّ أنظار العالم، بكلّ جهاته وفئاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية، طيلة مدّة الشهر والنصف التي انقضت حتى الآن على كشف الجريمة. ومازالت حلقاته متواصلة، إلى حين الكشف عن كل تفاصيل الجريمة ومرتكبيها.

وبرز في هذا المسلسل بطلان اثنان، لا ينافسهما على دور البطولة فيه شخص ثالث: جمال خاشقجي، ومحمد بن سلمان ولي العهد السعودي.

جمال، الصحفي الذي لم يتردّد في خدمة وطنه وأمّته، من خلال قلمه الرصين والجريء والمتوازن. فكان صوت السعودية في القضايا والمواقف الوطنية والعادلة. وكان صاحب الكلمة الحرة والمسؤولة، عندما تحيد السلطة بمواقفها عن قيم العدالة والحرية والإنسانية.

وكتاباته وأعماله في المنابر التي تولّى إدارتها، والصحف التي كتب فيها، طيلة مساره المهني الطويل، خير شاهد على ذلك.

لقد كان جمال وطنيا بامتياز، نجح في تعديل ما يخطّه قلمه على وقع مصلحة وطنه وأمّته.

وكان جريئا، إصلاحيا، منحازا إلى قيم العدل والحرية وحقوق الإنسان، كلّما أصرّت سلطات بلاده على اعوجاج أو انحراف. وتعرّض بسبب ذلك مرّات عديدة إلى المنع من السفر، والحجر على كتاباته، منذ ثمانينيات القرن الماضي، سواء في صحيفة "Saudi Gazette" أو في مجلة "الوسط" أو صحيفة "الحياة"، أو غيرها من وسائل الإعلام السعودية التي عمل فيها.

فهو شهيد الكلمة، في زمن أصبحت فيه الذمم تباع بأبخس الأثمان. وهو سيد الشهداء، بتعبير خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ".

وهل ثمّة مرتبة أعلى من مرتبة الشهيد، سواء بالمقياس الوطني أو الديني؟

لذلك سكن جمال خاشقجي قلوب الناس، وحرّك مشاعرهم، ونحت صورته عالية في مراتب النضال والإصلاح، وجهاد الكلمة.

أمّا البطل الثاني، فهو وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان. فهو حسب التحقيقات والمصادر المتوفّرة لحدّ الآن، الذي أصدر قرار القتل، وأمر بتنفيذه، وطمس أدلّته، ويجتهد في إنكار مسؤوليته فيه، وصرف الأنظار عنه.

وهل ثمّة مكان في العالم اليوم لم يسمع بهذه الجريمة وما يقال عن دور محمد بن سلمان فيها؟

وهل ثمة إنسان لا يقشعرّ بدنه وتهتزّ أوصاله وترتعد فرائصه عند سماعه بها؟

فكيف إذا كان من أمر بها المسؤول السياسي الأوّل في الدولة؟ وكيف إن كان ذلك في بلاد الحرمين الشريفين، الذي يتّجه إليه مسلمو الدنيا خمس مرّات في اليوم للصلاة؟

لذلك، لا مبرّر لأيّ شخص سمع بها أن يصمت، أو يولّي وجهه قضية أخرى على حسابها. فالحق في الحياة مقدّس، أجمعت عليه مختلف الأديان، والشرائع، والنظم، وواجب علينا جميعا حمايته بما نستطيع، والدفاع عنه بما نملك. ومن يحاول التنصّل من إنكار هذه الجريمة، يعتبر معتديا على حق الإنسان في الحياة. ولا مكان للإختفاء وراء الإختلاف الفكري والثقافي مع الضحية، أو البعد الجغرافي عن الجريمة، أو العجز عن التأثير وعدم القدرة على التغيير. وقد جاء في حديث الرسول محمد "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ".

 وجريمة محمد بن سلمان هذه، ليست معزولة عن سلوكه وممارساته من أجل أن يحكم قبضته على السعودية. فهناك عشرات المعتقلين الذين يضمر لهم القتل لو استطاع إلى ذلك سبيلا. والصّمت في هذا المقام، مساعدة على قتل أبرياء آخرين، يعانون الويلات في أقبية السجون، لمجرّد رفضهم تزكية سياسته الرعناء.

لقد بدأ محمد بن سلمان مشواره السياسي في الحكم، بالإعتداء على أقرب الناس إليه: بنو عمومته، والقريبون إليه، فسجنهم وانتزع منهم أموالهم، وعذّب عددا منهم.

وكاد ومازال يكيد لجيرانه: في اليمن وقطر وإيران، وحتّى الكويت. بل إنّ أمّه التي ولدته، لم تنج من بطشه، فوضعها في الإقامة الجبرية، لأنّها لا تراه أهلا لتولي الحكم، حسب ما ورد من معلومات مؤكدة. وقد نشرت مجلة "Le Point" الفرنسية تحقيقا مطوّلا عن بطشه بأمه وعدد من أبناء عمّه.   

فماذا ينتظر العالم من هذا الرّهط الذي يريد أن يحكم إحدى أغنى دول العالم، وأكثرها تأثيرا في المسلمين؟   

إنّه لمن العار أن يكون حاكم البلاد التي تؤوي الحرمين الشريفين في مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة، ويتعبّد المسلمون بزيارتهما والحجّ إليها، شخص كهذا، يعرف العالم كلّه، قربه من بني صهيون، واستعانته بهم للوصول إلى الحكم، والكيد لخصومه، وكلّ من يعترض سبيله؟.

إنّها مفارقة عجيبة، أن يكون مهبط الوحي، وقبلة المسلمين الذين يرفع دينهم مكانة الإنسان وقيم الحرية والعدالة والتعايش، في قبضة حاكم يبطش بقومه، وينكّل بالمصلحين، ويحيك الدسائس لجيرانه.

فهل تعجّل جريمة قتل جمال خاشقجي، بتحرير بلاد الحرمين الشريفين؟ نحسب أنّ دم جمال خاشقجي، لا يمكن أن يضيع هدرا، وأنّ السعودية بما لها من مكانة دينية وإمكانيات مالية، حرية بأن تكون فيها لكرامة الإنسان مكانتها، ولقيم العدل والحرية منزلتها.

  • شارك على:
104
 عتبة الـ5 في المائة: خطوة نحو التغوّل أم مرحلة جديدة من الانتقال الدّيمقراطي؟ الصحافي الذي أزعج ترامب يعود للبيت الأبيض والأخير يهدّد 

آخر الأخبار