Loading alternative title

اقتصاد السوق الاجتماعي: النظرية والتطبيق

تاريخ النشر: 2018-11-27 || 12:23

اقتصاد السوق الاجتماعي: النظرية والتطبيق
محمد النوري باحث في الاقتصاد والتمويل الاسلامي

محمد النوري

باحث في الاقتصاد والتمويل الاسلامي

كتب محمد الطرابلسي 

لقد ظهر مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي في اعقاب الازمة العامة للرأسمالية في الثلاثينات عندما عجز اقتصاد السوق الحر بفعل الية السوق القائمة على القانون الطبيعي العفوي عن توفير التوازن الاقتصادي بين العرض والطلب (الانتاج والاستهلاك) مما دعا الاقتصادي (جون مينارد كبينز) إلى طرح افكاره الجديدة القائمة على اعطاء دور للدولة في إعادة التوازن الاقتصادي بشقيه الاستثماري والاستهلاكي، وأصبحت تلك الافكار هي الاساس لطروحات ما سمي (باقتصاد السوق الاجتماعي)[1] في اواسط الاربعينات. تمت صياغة هذا المفهوم على يد الاقتصاديين الفريد مولر المارك Alfred Müller-Arack [2] ولودفينغ ايرهارد Ludwig Erhard[3]  من مدرسة فريبورغ حيث قام الاول بتركيز الأساس النظري بينما تولى الثاني الاساس التطبيقي وكانت اول تجربة لهذه النظرية بألمانيا ابان الحرب العالمية الثانية وحققت ما سمي بالمعجزة التي نقلت المانيا من الدمار الى التقدم. وترتكز نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي على المزواجة بين اليات ثلاث: السوق والدولة والمجتمع. وتحدد لكل منها دورا اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا بهدف ارساء التوازن بين الاهتمامات الاقتصادية والمطالب الاجتماعية والحقوق السياسية للأفراد والمجموعات والفعاليات.

ان اقتصاد السوق الاجتماعي يعني اضفاء طابعا اجتماعيا أكثر على دينامية السوق، وايضا يعني تدخل الدولة للحفاظ على التوازن الاجتماعي واطفاء الحرائق التي تولدها الازمات الدورية والعامة للرأسمالية. ويرى ألفريد أرماك في اقتصاد السوق الاجتماعي أنه " يحاول الجمع بين مثالية العدالة، والحرية، والنمو الاقتصادي في أنظمة متوازنة معقولة"[4]انه صيغة جديدة لليبرالية ولكنها على حد تعبير البعض ليبرالية "رحيمة" او "ملطفة". فالغرض من اقتصاد السوق الاجتماعي هو تحقيق أكبر مستوى من الرخاء مع تأمين المجتمع والعاملين. وفي ظل هذا النظام لا تتصرف الحكومة سلبيا كما هو في اقتصاد السوق الحر، وإنما تتدخل الحكومة على هامش مجرى الاقتصاد الذي يكون إلى ابعد الحدود في القطاع الأهلي المدني، مثل تحفيز النشاط الاقتصادي، وضع سياسات تضمن منافسة أمينة سليمة، وسياسات اجتماعية تخص العاملين والمواطنين.

 

مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي:

يمكن القول ان اقتصاد السوق الاجتماعي يقوم على مبدأين رئيسيين كما يشير الى ذلك الاقتصادي الفرنسي الناقد ميشال آلبير في كتابه (الرأسمالية ضد الرأسمالية) وهما:

‏ المبدأ الأول: ضرورة أن تستند دينامية الاقتصاد إلى السوق، حيث يضمن لها أكبر قدر من الحرية في الأداء الوظيفي، ما يؤدي بالدرجة الأولى إلى تحرير الأسعار والأجور. ‏

المبدأ الثاني، أن الأداء الوظيفي للسوق لا يمكنه وحده أن يحكم مجمل الحياة الاجتماعية، بل يجب أن

يتحلى بالتوازن، وأن تقابله في كفة الميزان الثانية مقتضيات اجتماعية مطروحة بصورة مسبقة تكون الدولة بمثابة ضامن لها [5]

لكن فالتير ايكون [6]وهو اول من اسس لما يسمى بالليبرالية المنظمة Ordo libéralisme التي بني عليها نظام اقتصاد السوق الاجتماعي في المانيا يعتبران هذا النظام يرتكز على المبادئ الاساسية التالية:

كرامة الانسان (Dignité) باعتباره محور النشاط الاقتصادي: وهو المبدأ الاول الذي ينبني عليه هذا النظام باعتبار ان الانسان هو اداة التنمية وغايتها وهو محور النشاط الاقتصادي ويجب ان يكون هذا النشاط في خدمة الانسان وتامين كرامته وحماية حقوقه الاقتصادية والاجتماعية. الحرية الاقتصادية (Liberté) بما في ذلك حرية النفاذ الى الاسواق: ويعني ذلك حرية الاستهلاك وحرية التعاقد وحرية التصرف وحرية اختيار مكان العمل ونوعه وحرية المبادرة والابتكار والابداع وفق القاعدة التي تنادي ب (الملكية لكل فرد والرفاه للجميع)، سيادة القانون واحترام النظام (Ordre): كل مجتمع لا يسوده القانون ويحترم فيه النظام العام فمصيره الى الفوضى والظلم وعدم الاستقرار كاللعبة التي تتم بدون قانون. فقانون اللعبة في الاقتصاد هو سيادة القانون ونفاذه سوآءا كان قانونا عاما او خاصا مثل قانون الضرائب وقانون العمل وقانون العقود. ما الشكل المناسب لذلك فهو مرتبط بخصوصيات المجتمع وثقافته وهويته. ولذلك لا بد ان تكون سيادة القانون في إطار الحوكمة الرشيدة والشفافية وتناغم قرارات الدولة مع الراي العام[7]. العدالة الاجتماعية ( Justice) التي تقود الى المصالحة بين العمل وراس المال: ويقصد منها توفير المناخ الملائم لتكافؤ الفرص وتوازن العلاقات التبادلية والتوزيعية وتحقيق العدالة بين الاجيال والمساواة في الحقوق والواجبات بهدف التعايش السلمي وتجنب الصراعات الاجتماعية. ويري الفريد ميلر المارك[8] ان نهج اقتصاد السوق الاجتماعي إذا ما طبق بسلامة فانه يقود الى تحقيق المصالحة بين العمل وراس المال وتجنب الصراعات الاجتماعية وهو يشكل ارضية للتوافق حول الاهداف الاقتصادية والاجتماعية. المسؤولية (Responsabilité) الفردية والجماعية: قيمة اجتماعية اساسية لكل مجتمع حي، وهي وثيقة الارتباط بالحرية وبدونها لا يبقى للحرية معنى ولا سقف. ويقصد بالمسؤولية الفردية مسؤولية الفرد عن اعماله وتصرفاته. فالفرد المسؤول هو الذي يعتمد على ذاته في توفير حاجياته وبالتالي يصبح قادرا على مساعدة الاخرين. التضامن الاجتماعي (Subsidiarité): كل فرد مطالب بالاعتماد على ذاته في تامين حاجياته ومطالبه الاساسية بدلا من التواكل والتعويل على المجتمع. لكن عندما يعجز الفرد عن تحقيق ذلك فان مكونات المجتمع باسره مطالبة بالتضامن معه بدءا بالأسرة ثم القرية التي يعيش فيها ثم المجتمع. وهذا التسلسل يقود الى تحمل الاعباء بشكل عادل ومتوازن. المصلحة العامة (Bien commun): الانسان كائن اجتماعي بطبعه وهو يستحق حقوقا اجتماعية واقتصادية مقابل اداء واجبات للمجتمع مثل اداء الضريبة التي تنفق في الصالح العام لتحقيق الرفاه للجميع. ومن هذا المنطلق فان الملكية في اقتصاد السوق الاجتماعي حق وواجب في آن واحد.

 

 

[1] Economie sociale du marché (social market Economy) est un système économique basé sur le capitalisme de marché, censé être naturellement social. Elle a été développée et mise en place en Allemagne de l'Ouest par l'Union chrétienne-démocrate sous la direction du Chancelier Konrad Adenauer à partir de 1949. Elle est fortement inspirée par l'ordo libéralisme, les idées sociale-démocrates , ainsi que la tradition de pensée sociale de l'Eglise Catholique et plus généralement d'éthique chrétienne. Voir : https://fr.wikipedia.org/wiki/Économie_sociale_de_marché

[2] Economiste allemand (1901-1978):Il est l'un des hérauts de l'économie de marché à issue de la Seconde Guerre mondiale en Allemagne et fut l'un des artisans de la politique économique libérale à l'origine du miracle économique allemand des années 1950.

[3]  Ministre fédéral de l'Économie en Allemangne entre 1949 et 1963, et chancelier fédéral en 1963. Est le co-fondateur de l’économie sociale du marché (18897- 1977).

 https://ar.wikipedia.org/wiki/[4]

[5]  ميشيل ألبير :الرأسماية ضد الرأسمالية ، ترجمة : حليم طوسون

مكتبة الشروق – القاهرة ،الطبعة الولى 1995

 

[6] Walter Eucken (1891 -1950), est un économiste allemand, père de l'ordolibéralisme et l'un des principaux inspirateurs de l'économie sociale de marché.

[7] Les citoyens chargent l’Etat de fixer les règles du jeu mais ce sont eux qui mènent le jeu (Discours du président du RFA Horst Kohler prononcé le 15/03/2005 à Berlin).

[8] Alfred Müller-Armack : « La réconciliation entre le capital et le travail » in : ECONOMIE SOCIALE DE MARCHE : QU’EST-CE QUE CELA SIGNIFIE CONCRETEMENT  par Siegfried F. Franke David Gregosz

 

 

  • شارك على:
57
 وزير الخارجيّة التركي: الطبيقي كان مستمتعاً أثناء تقطيع خاشقجي لليوم الرابع على التوالي .. إتحاد إجابة يواصل إضرابه 

آخر الأخبار