Loading alternative title

التّونسيّ متّهم بالنّهضة حتّى تثبت براءته

تاريخ النشر: 2018-11-29 || 12:12

التّونسيّ متّهم بالنّهضة حتّى تثبت براءته

جرت العادة في الدّول الدّيمقراطيّة أن يحدّد يحدّد المواطن وجهة صوته في كلّ محطّة انتخابيّة، استنادًا على برامج وأهدافٍ منها اقتصاديّة ومنها اجتماعيّة وأخرى سياسيّة.

هنا، في تونس، ننتخب لكي لا نموت، أو ينتهي بنا المطاف في غياهب السّجون.

وكأنّها سنة 2013، فمنذ إعلان رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السّبسي نهاية مرحلة "التّوافق" بينه وبين حزب حركة النّهضة، كسرت الشّياطين قيودها بعد أن رُوّضت لسنواتٍ قليلة، فخرجت لنا برواية "التّنظيم السّريّ لحركة النّهضة.

مؤتمراتً وندوات وحوارات، عمادها إلقاء التّهم جزافًا، أحقرها صدرت عن القياديّ بالجبهة الشّعبيّة حمّة الهمّامي، تحدّث فيها عن مخطّط لـ"أخومة الجيش التّونسي"، محذّرا من مساجد قال إنّها موجودة في الثّكنات العسكريّة التّونسيّة.

وأتفهها، مخطّط قالت هيئة الدّفاع عن شكري بلعيد ومحمّد البراهمي إنّها كشفته، يتعلّق بمحاولة صهر راشد الغنّوشي رئيس حركة النّهضة، اغتيال الباجي قائد السّبسي، والرّئيس الفرنسيّ "هولاند".

نفس الشّياطين، شنّت قبل ذلك هجوما شرسا على المهندس بمعهد الرّصد الجوّي، عبد الرّزاق الرّحال، لمجرّد أنّه هنأ ضحايا فيضانات مجينة "نابل"، معتبرا من قضوا بفعل السّيول الجارفة، شهداء.

لم يمضي الكثير من الوقت حتّى تمّ إيقاف عبد الرّزّاق الرّحال عن عمله، الأمر الّذي استحسنته بشرى بالحاج حميدة، واعتبرته قرارًا صائبًا.

كما عبّرت رئيسة لجنة الحرّيّات الفرديّة والمساواة، آنذاك، في تدوينة على حسابها الرّسميّ بمنصّة التّواصل الاجتماعيّ "فايسبوك" عن قلقها حيال أبناء عبد الرّزّاق الرّحّال، آملة "أن يكونوا أقوياء حتّى لا يتأثّروا بعقليّة والدهم المريضة"، وفق تعبيرها.

في آسيا الوسطى، أثناء الاحتلال السّوفياتي، كان الشّيوعيّون يفصلون الأبناء عن أولياء أمورهم، ليحولوا بين الجيل الجديد وتعاليم الإسلام.

وبالحديث عن اليسار والشّيوعيّة، صرّح المنجي الرّوحوي، النّائب عن حزب الوطنيّين الدّيمقراطيّين الموحّد، منذ أسابيع "إمّا نحن أو النّهضويّون في تونس".

وللإشارة، فإنّ "النّهضويّ"، وفق تعريفات أغلب السّياسيّين المعارضين للإسلام السّياسيّ، هو مثلاً ذلك المواطن الّذي يرفض مقترح رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السّبسي بخصوص المساواة في الميراث بين الجنسين.

حيث اتّهم القياديّ بحزب التّيار الدّيمقراطيّ محمّد عبّو، إبّان هجمة إلكترونيّة تعرّض لها من أنصار عقب إعلانه موقفه المؤيّد لما جاء في تقرير لجنة الحرّيّات الفرديّة والمساواة من إلغاء تجريم المثليّة الجنسيّة وتمكين التّونسيّات من الزّواج من غير المسلمين والمساواة في الميراث بين الجنسين، اتّهمهم بالانتماء لما أسماه "ميليشيات حركة النّهضة الإلكترونيّة.

بدورها، استغربت بشرى بالحاج حميدة في وقتٍ سابقٍ معارضة أطراف "تختلف مع حركة النّهضة"، لقانون المساواة في الميراث، أي أنّك إمّا مع المبادرة، أو أنّك "نهضويّ".

وكذلك جلّ قيادات الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل، والّتي وصفت خلال الإضرابات الأخيرة الّتي شنّها، كلّ من عارض تمشّيها بدعوى ضرورة الحفاظ على حدّ أدنى من استقرار واقتصاد البلاد، بالتّابعين لحركة النّهضة.

إعلاميّا، يُعرّف "النّهضويّ" مثلا، بضلك الوليّ الّذي رفض العام الماضي ما اقترفته إحدى المعلّمات بولاية صفاقس في حقّ تلاميذها الّذين أكّدوا أنّها كانت، كلّما نادى المؤذّن بالصّلاة، أغلفت شبابيك قاعة التّدريس وأنكرت أمامهم وجود الله.

ظهر مساء ذلك اليوم الإعلاميّ محمّد بوغلاّب، ليخبرنا أنّ الأولياء الّذين هروعوا إلى إنقاذ أبنائهم من براثن الشّيوعيّة نهضويّون، وانبرى يحدّقنا عن سعيٍ حثيث  من الإسلاميّين للسّيطرة على التّعليم وعقول أطفال تونس.

الصّيف الماضي، شغل وسائل الإعلام في تونس سؤالٌ حول علاقة حركة النّهضة في تونس برئيس جامعة كرة القدم وديع الجرئ وبالمدرّب الأسبق للمنتخب الوطني التّونسي، نبيل معلول، فقط لأنّهما ردّدا،رفقة اللاّعبين، سورة الفاتحة قبيل المباريات الثّلاث الّتي خاضوها في نهائيّات كأس العالم في روسيا.

آنذاك، طفت تحاليل عن تمكّن الإسلاميّين حتّى من الرّياضة في تونس، عادت مع التّحوير الوزاريّ الأخير، حيث تحدّثت النّائب عن حركة نداء تونس عن وقوف رئيس حركة النّهضة راشد الغنّوشي وراء إقالة وزيرة الرّياضى السّابقة، ماجدولين الشّارني.

وبالحديث عن التّمكين، عندما كنت طالبًا بجامعة خاصّة للصّحافة، كان لي زملاء ذوي توجّه إسلاميّ، كانوا إذا ما أفصحوا عن ميولاتهم السّياسيّة جاءتهم النّصائح بإبقاء آرائهم قيد الكتمان، "فالنّهضويّون لا مكان لهم في الإعلام التّونسيّ، وهو حكر على اليسار"، يقول لهم البعض.

بالإضافة إلى تصنيفهم لكلّ من يعارضهم في خانة "النّهضة"، كشفت مناسبات مختلفة أنّ بالنّسبة لهؤلاء، لا يمكن اعتبار "النّهضويّ" مواطنًا تونسيّا.

فأقناء الحملة الانتخابيّة الّتي سبقت البلديّات وما أثاره ترشّح سعاد عبد الرّحيم، القياديّة بحركة النّهضة، لمشيخة مدينة تونس، من جدل، كان للعميد فاضل موسى، رئيس بلديّة ولاية أريانة الحالي، مداخلة إذاعيّة في الخصوص.

وبسؤاله عن موقفه من ترشّح امرأة لمشيخة مدينة تونس، للمرّة الأولى في تاريخ البلاد، تملّص من الإجابة، وأمام إصرار الصّحفيّ تجنّب الفاضل موسى إبداء تأييدٍ واضحٍ لسعاد عبد الرّحيم بتعلّة ضمنيّة مفادها أنّ "النّهضويّين ما يزالون غير مقبولين بشكل كامل في المجتمع التّونسيّ".

يذكر أنّ حركة النّهضة تحصّلت في تلك الانتخابات البلديّة على المركز الأوّل. فهل أنّ من صوّت لها بالأغلبيّة غير تونسيّين؟!

ولعلّهم في نظر منافسيهم كذلك، إذ أذكر جيّدا عندما رفض الممثّل توفيق الغربي الإجابة على سؤال الصّحفيّ شكيب درويش في إحدى حلقات برنامد "كلام النّاس"، وقد كان السّبب آنذاك "حضور شكيب درويش لإحدى اجنماعات حركة النّهضة".

نفس الممثّل، صاح في الحاضرين خلال عرضٍ قدّمه بمدينة سليانة أنّه "لا مجال لتعليق لافتات حركة النّهضة"، ليصفّق الجمهور..

ومدينة سليانة بحسب الجيلاني الهمّامي، القياديّ بالجبهة الشّعبيّة، ممنةعى على الحبيب اللّوز، القياديّ بحركة النّهضة.

كلّ هذا، يقودنا حتما إلى التّفكير بأنّ هؤلاء إذا ما مكّننتهم صناديق الاقتراع من السّلطة، سيملؤون الزّنازين بكلّ من يرفض المساواة في الميراث، وبكلّ يسجد إذا ما سجّل هدفا خلال مباراة كرة قدم، وبكلّ من يردّد الفاتحة في العلن وبكلّ من صدّق بالحور العين في الجنّة.. فبالنّسبة لهم، ما سبق ذكره من أوصافٍ إذا ما اجتمعت في شخصٍ ما فهو "نهضويّ وليس بتونسيّ".

في سنّ الثّامنة من عمري، حدّثني شيخيَ عبد الرّحمن الحفيان رحمه الله، عندما كنّا نرتّل القرآن في إحدى أزقّة الصّبّاغين بالعاصمة تونس، عن قوله تعالى "الّذين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

فسّر شيخي آنذاك بأنّ صحابة رسول الله قد توكّلوا على الله ولم يأبهوا لمحاولات تثبيط عزائمهم  حتّى بلغوا النّصر.

واليوم كما الأوّلين، أعدّوا للمؤمنين شياطين تتنقّل بين وسائل الإعلام، وأخرين بين النّزل يوسوسون لجموعِ التّونسيّين بأنّ الدّيمقراطيّة خراب، وبأنّ الثّورة دمار وأنّ بينكم تنظيم سرّي اخترق حتّى السّفارة الأمريكيّة من دون أن تتفطّن إليه مخابرات الولايات الأمريكيّة المتّحدة، كما صرّح أحد أعضاء هيئة الدّفاع عن شكري بلعيد ومحمّد البراهمي.

يأتي ذلك في وقت تشيد به دول العالم المتحضّر بمظاهر الحرّية الّتي عمّت شوارع البلاد التّونسيّة من دون أن تسيل ولا قطرة دمٍ واحدة.

يقول راشد الغنّوشي إنّ همّ النّهضة العبور بالبلاد إلى المحطّات الانتخابيّة المقبلة في كنف الاستقرار والسّلم الاجتماعيّ، وتقول بسمة بلعيد، زوجة شكري البراهمي إنّ حركة النّهضة لن تبلغ أيّ محطّة انتخابيّة قادمة.

وتدعوكم الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات إلى التّسجيل، فلم تعد تفصلنا سوى أشهر قليلة، فسجّلوا وصّوتوا حتّى لا يحول المجرمون بيننا وأبنائنا، وبيننا وبين دين آبائنا وأجدادنا.. حتّى لا يخشى الصّحفيّ أن يقطّع تقطيعًا وأن يتلو لاعب رة القدم الفاتحة وقتما شاء، وليكفر من يشاء ويؤمن من يشاء.

  • شارك على:
95
 11 عملا مسرحيّا يتنافس على جوائز أيّام قرطاج المسرحيّة 2018 اليعقوبي: سنعقد هيئة ادارية يوم السبت وسنتخذ اجراءات جديدة 

آخر الأخبار