Loading alternative title

هل عدنا إلى تحزيب الرئاسة؟

تاريخ النشر: 2018-12-02 || 11:42

هل عدنا إلى تحزيب الرئاسة؟
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

 كتب علي بوراوي

الكلمة التي افتتح بها رئيس الجمهورية مجلس الأمن القومي في اجتماعه الأخير، يوم 29 نوفمبر 2018، عبّرت بصورة واضحة، أنّ حالة الإحتقان السياسي التي تعيشها البلاد منذ بضعة أشهر، وصلت إلى الرئاسة.

نحن على أبواب انتخابات، ومطلوب من الجميع بذل الجهد لحماية مؤسسات الدولة مما ينخر بعض الأحزاب من تقاتل وتبادل للتهم الثقيلة، وتسميم للأجواء السياسية.

كلمة رئيس الدولة في افتتاح مجلس الأمن القومي، لو وضعت مكتوبة بدون إمضاء، لقلنا بدون تردّد إنها صادرة عن أحد رموز الجبهة الشعبية. لكنّها للأسف، جاءت على لسان الرئيس، رئيس التونسيين جميعا، وضد أكبر حزب سياسي، كان قد اختاره بمحض إرادته حليفا، وها هو اليوم، وهو في نهاية ولايته، يدخل المعركة التي تخوضها بعض الأطراف ضدّه.   

فقد وجّه في كلمته تهما خطيرة إلى حركة النهضة، في قضية رفعها حزب "الجبهة الشعبية" الذي لا يخفي عداءه لهذه الحركة، بل سعيه إلى شيطنتها بكلّ الوسائل.

استقبال الرئيس لهيئة الدفاع عن الشهيدين، وتبنّيه للتّهم التي ترفعها قيادة الجبهة الشعبية لحركة النّهضة، وقراره وضع تلك التهم ضمن جدول أعمال مجلس الأمن القومي، يدخل بتونس في وضع سياسي خطير، ويُفقدها توازنا وفّر لها درجة محترمة من الاستقرار السياسي، هي بحاجة ماسة إليه.

نعم من حق رئيس الدولة أن يستقبل من يريد، وأن يضع الأولوية لما يريد من قضايا وطنية. لكن، متى حصل أن استقبل الرئيس طرف قضية قال القضاء كلمته فيها منذ سنوات؟ ولماذا يُفرِد "الجبهة الشعبية" بهذه "الرعاية"، ويغفل عن ضحايا آخرين، لا يشكّ أحد في عدالة قضاياهم وحقهم على الدولة في أن تنصفهم؟

حتى لو راجت تُهم خطيرة ضد حزب مؤثّر، فإنّ مصلحة البلاد واستقرارها يقتضي معالجة ذلك بهدوء وتأنّ، واستكمال المعطيات، وسماع مختلف الأطراف، واستشارة مؤسسات الدولة، قبل الإنحياز إلى هذا أو ذاك.

اجتماع مجلس الأمن القومي جاء بعد يومين اثنين فقط، من استقبال الرئيس هيئة الدفاع عن الشهيدين!

واضح أنّ تأثيرات النزاع الحاد بين جناحي حافظ قائد السبسي ويوسف الشاهد، في حزب "نداء تونس" تجاوزت الحزب، واستقرّت في مفاصل الدولة. وهذه معضلة كبرى.

وزاد في تعقيد هذا النزاع، تشابكه مع مواقف حركة النّهضة، شريكة النداء في الحكم.

لنعد إلى أصل المشكل وبداية الخلاف بين "نداء تونس" وحركة النّهضة، حتى نفهم السياق السياسي الذي جاءت فيه التحركات الأخيرة للرئيس السبسي.

فقد عرف "نداء تونس" منذ ولادته، عدّة خلافات بين قادته، انتهى بانشقاق فريق عن الآخر، والتجاء أحدهما إلى تكوين حزب جديد. لكن الخلاف الأخير الذي حصل بين نجل الرئيس الذي يشغل خطة المدير التنفيذي للحزب، حافظ قائد السبسي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، لم يسعه ما وسع الخلافات السابقة. وكانت تداعياته كبيرة على الحزب، لأن الأغلبية انحازت إلى رئيس الحكومة. وتوالت الضربات لجناح حافظ قائد السبسي، سواء بانسحاب عدد غير قليل من نواب البرلمان منه، أو تصريحات المنسحبين التي تطعن في كفاءة ابن الرئيس، وقدرته على إدارة الحوار، وإيمانه بالديمقراطية وبالرأي المخالف، كما عبّر عن ذلك المنسحبون من الحزب.

لسنا بصدد تقييم الحزب أو قياداته، ولكن هذا ما رشح عن تلك الخلافات، بشكل أصبح فيه جسم الحزب الأول في البلاد، مشلولا، موزّع الولاءات، لا يستقرّ على قيادة معروفة.

وممّا زاد في احتدام الصراع بين الجناحين المتنازعين في "نداء تونس"، أنّ جناح رئيس الحكومة يوسف الشّاهد، كان يسجّل الأهداف الواحد تلو الآخر، ضد خصمه، بشكل يفضح ضعف الآخر وانفضاض عناصره من حوله.

كان يمكن لهذا النزاع أن يمرّ بشكل طبيعي، كما حصلت نزاعات أخرى داخل هذا الحزب وأحزاب أخرى. فعُمُر هذه الأحزاب وتواضع تجربتها السياسية، ووضع البلاد الإستثنائي، يجعل من مثل هذه المشكلات أمرا طبيعيا ومفهوما. لكن انحياز رئيس الدولة لابنه في هذه المعركة، خرج بها من دائرة الحزب الضيقة، إلى مؤسسات الدولة، وأثّر بشكل واضح على عملها.

برز انحياز الرئيس، عندما جمع في قصر الرئاسة بقرطاج، الأطراف التسعة (خمسة أحزاب سياسية وأربع منظمات وطنية) الموقّعة على وثيقة قرطاج، إلى الاجتماع بهدف "إثراء الوثيقة وتحيينها". وبعد خمسة أشهر من المناقشات، تبيّن أنّ الهدف من كلّ ذلك، كان إزاحة رئيس الحكومة من منصبه. ولم يُخف رئيس الدولة ضيقه من النتيجة، عندما رفضت أطراف من المجتمعين التسعة، تغيير رئيس الحكومة، واعتباره ركنا أساسيا لقبول الوثيقة.

وقد برّرت حركة النهضة موقفها ذلك، بأنّها تعتبر تغيير الحكومة على مسافة سنة واحدة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، سينعكس سلبا على علاقة البلاد بشركائها الإقتصاديين، ويؤثّر سلبا على العمل الحكومي، ويمكن أن يهدّد الانتخابات القادمة، لأنّ فترة سنة واحدة لا يمكن أن تسمح لأيّ حكومة بإحداث تغيير ذو بال. زد على كلّ ذلك، أنّ تغيير رئيس الحكومة أمر حسمه نصّ الدستور، عندما منح تلك الصلاحية لمجلس نواب الشعب وحده. فلماذا الإلتفاف على نص الدستور، في مسألة واضحة كهذه؟

هذا الخلاف بين رئيس الدولة وحركة النهضة، في عدم رضوخها للرئيس بإبعاد رئيس الحكومة، انعكس مباشرة في الساحة السياسية، وتحوّل إلى صراع محتدم لجناح ابن الرئيس في حزب "نداء تونس"، مع كلّ من الجناح المنافس الذي يقوده رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وحركة النّهضة. وقد عبّر رئيس الدولة عن ذلك بشكل مباشر، عندما صرّح بأنّ حركة النّهضة تخلّت عن التوافق الذي كان بينهما. واتّضح بعد ذلك أنّ حركة النّهضة لم تتخلّ عن التوافق، ولكنّ الرئيس اعتبر عدم وقوفها في صفّ ابنه ضد رئيس الحكومة، تخلّيا عن التحالف الذي بينهما.

وجاء تجميد عضوية يوسف الشاهد رئيس الحكومة، في الحزب، طلاقا معلنا بين جناحي "نداء تونس"، ليعطي إشارة الإنطلاق لحرب سياسية شرسة بين الطرفين، تحوّلت بسرعة إلى محاولة تكسير عظم.

بعدها، شهدت مواقف رئيس الدولة تحوّلا بمائة وثمانين درجة. وأصبحت المسافة بين قصر قرطاج الرئاسي، وقصر الحكومة بالقصبة، ومقر حركة النهضة بمون بليزير، بعيدة، والعلاقة لا تخلو من الإنفعال والتّشنّج. ولاحت أزمة خطيرة عندما وقع التلويح بلجوء الرئيس إلى تفعيل الفصل 99 من الدستور، أي عرض الحكومة، برئيسها، على ثقة البرلمان، ثم التلويح بعدم قبول الرئيس أن يؤدي أعضاء الحكومة الجديدة القسَم أمامه.

في هذه الأجواء، جاءت الندوة الصحفية التي عقدتها هيئة الدفاع عن الشهيدين، لتضع حركة النّهضة في قفص الإتهام، وتحمل تهما خطيرة، هي أقرب إلى التهم السياسية منها إلى أيّ شيء آخر.

ثم كان استقبل الرئيس لهم، وإدراج التهم التي وجّهوها للنهضة في جدول أعمال مجلس الأمن القومي.

فلماذا أحيت رئاسة الجمهورية هذا الملف، وأعادته إلى السطح، بعد أن قال القضاء كلمته فيه، بخمس سنوات كاملة؟

لماذا تزامنت إعادة هذا الملف مع إنهاء التوافق بين حزب "نداء تونس" وحركة النّهضة؟ ولماذا أصغت الرئاسة السّمع لرأي الجبهة الشعبية وتجاوبت معها إيجابيا، ووجّهت التّهم لحركة النّهضة، دون أن تسأل النهضة عن رأيها فيه؟

هل سبق للرئاسة أن تبنّت موقف طرف في قضية أحيلت على القضاء؟

ولماذا تتدخل في معركة سياسية بين حزبين، فتلبّي طلب الأول وتكيل التهم للثاني؟

في هذه الأجواء أيضا، أصدرت وزارة الخارجية بيانا ينتقد موقف حركة النهضة، دون أن يسميها، في قضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. وقالت في بيانها إنّ "السياسة الخارجية التونسية لا تقودها الأيديولوجية ولا رغبات الأشخاص، بل تحكمها مصالح تونس وإستقلالية القرار الوطني وسيادة تونس ومكانتها على الساحة الدولية"؟ 

 وهل تكمن مصلحة تونس في تأييد قاتل لا يخفي عداءه للحرية، أو السكوت عن جريمته؟ ومتى كانت وزارة الخارجية تردّ على مواقف الأحزاب السياسية؟

وفي هذه الأجواء جاء اتهام الأمين العام لحزب نداء تونس، سليم الرياحي، لرئيس الحكومة، بمحاولة الإنقلاب على رئيس الدولة، ورفع في ذلك دعوى قضائية.

وجاء استقبال رئيس الدولة لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، المعروف بمعاداته لثورات الربيع العربي.

وجاءت زيارة محمد بن سلمان إلى تونس، في الوقت الذي كانت فيه أصابع العالم بأسره، تشير إلى جريمته الشنيعة في قتل جمال خاشقجي، ورغم الرّفض الشعبي العارم لهذه الزيارة. بل إنّ رئيس الدولة أمعن في الترحيب بمن تعتبره شريحة واسعة من التونسيين مجرما، وعدوا لثورات الربيع العربي، فقلّده الصّنف الأكبر من وسام الجمهورية!

وأعيد ملف المساواة في الميراث ليعرض كمشروع قانون على مجلس النواب، رغم أنّ الرئيس يعرف جيّدا أنّ أكثر من ثمانين بالمائة من التونسيين ضده، حسب ما جاء في استطلاعات الرأي.

هنا، من حقّنا أن نتساءل: أهي الصّدفة التي رتّبت كلّ هذه الإستقبالات الرئاسية في هذه الفترة الوجيزة؟ ولماذا كانت كلّها في اتّجاه واحد؟ ولجهات معروفة بعدائها للربيع العربي؟ لماذا كانت كلّها ضد من يعتبرهم جناح حافظ قائد السبسي خصوما له؟

لماذا أغمض الرئيس عينيه عن أسرة الشهيد كمال المطماطي مثلا، الذي وضعت جثّته في خرسانة في أحد جسور العاصمة، وأمّه مازالت تنتظر من ينصفها في فلذة كبدها؟ وبسمة البلعي التي اغتصب نظام الإستبداد حياتها وإنسانيتها، ومازالت تلهث وراء العدالة باحثة عن حكم يعيد إليها الإعتبار؟ وأرملة المحامي فوزي بن مراد الذي مازال الغموض يلفّ موته، وأرملة معتمد مطماطة الجديدة الذي جرفته السيول عندما كان يتفقّد تلاميذ المدارس في معتمديته، وترك أسرة بلا معيل، ولماذا لم يستقبل أسرة أيّ شهيد من شهداء حكم الإستبداد الذي قامت عليه الثورة؟

لماذا يقف الحزب الذي أسّسه السبسي، ضد محاكمة مرتكبي الإنتهاكات الجسيمة التي اقترفها نظام الإستبداد، ويستميت من أجل إيقافها وإغلاق مقرات "هيئة الحقيقة والكرامة" التي أنشئت بنصّ دستوري لتقتفي أثر تلك الجرائم؟

لماذا يختار الرئيس السبسي التدخل في ملفّ لا يشكّ أحد في أنّه محلّ استثمار سياسي مفرط، رغم أنّ القضاء قال كلمته في هذه القضية منذ فترة؟

كيف يقتنع المواطن العادي أنّ هذا ليس تدخّلا مباشرا في القضاء، وليس اصطفافا سياسيا لمؤسسة جُعلت لتكون فوق الأحزاب واصطفافاتها، وبيتا للتونسيين جميعا؟

إنّ تحزيب رئاسة الجمهورية لا يخدم مصلحة أيّ طرف، ويسيء بدرجة أولى إلى الرئاسة والرئيس، وإلى التونسيين جميعا.

لذلك، من حقّنا كتونسيين، منحازين للثورة، لقيمها وأهدافها ورجالها، وللدولة ودستورها ومؤسساتها، أن نتساءل: هل يتصرّف الرئيس الباجي قائد السبسي بهذا الشكل على أنّه رئيس الدولة العربية الوحيدة التي نجت بثورتها وحافظت عليها من كيد قوى الإستبداد؟ وهل يتصرّف على أنّه رئيس التونسيين جميعا، أم رئيس جناح في حزب نداء تونس؟ وهل يسمع للتونسيين جميعا، أم لصنف منهم، ولا يكترث لغيرهم؟

هل عادت رئاسة الجمهورية إلى التحزّب، بعد أن ظنّ التونسيون، أنّ ثورتهم التي سيحتفلون قريبا بذكراها الثامنة، قد خلّصتهم منها، وحرّرتهم من أوحالها؟

  • شارك على:
140
 البرلمان يصادق على ميزانية وزارة المرأة تقرير دولي : 40 مليون شخص يعانون العبودية العصرية 

آخر الأخبار