Loading alternative title

المساواة في الإرث: مساواة شكلية تنتهي إلى حيف

تاريخ النشر: 2018-12-03 || 08:56

المساواة في الإرث: مساواة شكلية تنتهي إلى حيف
عبدالمجيد النجار عضو المجلس التأسيسي السابق - الأمين العام المساعد للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عبدالمجيد النجار

عضو المجلس التأسيسي السابق - الأمين العام المساعد للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

كتب د. عبدالمجيد النجار 

لو كنت نائبا في مجلس نواب الشعب، وعرض قانون المساواة في الإرث للمناقشة العامة لكانت مداخلتي في الوقت المتاح كالتالي:
سيدي الرئيس زملائي النواب المحترمين
إننا اليوم بصدد مناقشة مشروع قانون من أخطر ما عرض علينا من مشاريع القوانين إن لم يكن أخطرها، وذلك لثلاثة أسباب:
أولها ما في هذا المشروع من تناقض مع الدستور في نصوصه الصريحة وفي روحه العامّة
وثانيها ما فيه من مخالفة صريحة للدين الذي استقرّ عليه الشعب التونسي منذ قرون
وثالثها ما سيكون عليه من تأثير بالغ على نظام مجتمعي مستقرّ منذ زمن بعيد، وما سيكون عليه من تأثير بالغ السوء على الاستقرار الأسري.
ولذلك فإنّ النواب المحترمين ينبغي أن يستشعروا خطورة ما هم مقدمون عليه، وأن يتحمّل كل مسؤوليته أمام الله وأمام الشعب وأمام التاريخ
أما مخالفة هذا المشروع لدستور الجمهورية الثانية فلا يخفى عليكم سيدي الرئيس زملائي النواب أن هذا الدستور ينصّ في فصله الأول على أنّ " تونس دولة حرّة مستقلّة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها" كما ينصّ في الفقرة الثالثة من التوطئة على كون كلّ ما جاء في هذا الدستور " تعبيرا عن تمسّك شعبنا بتعاليم الإسلام "، ونظام المواريث جاء في الإسلام مفصّلا وبصفة قطعية في ثبوته وفي دلالته كما سنبيّنه لاحقا فمخالفته كما هي واردة في هذا المشروع هي مخالفة للدين الذي أقرّه الدستور دينا للجمهورية التونسية، فيجب علينا أن نلتزم بهذا الدين الذي أقرّه الدستور. وكذلك فإنّه يجب علينا بحكم الدستور أن نعبّر في كل القوانين التي نسنّها عن تمسّك شعبنا بتعاليم الإسلام، ومن بين التعاليم التي يتمسّك بها شعبنا التعاليم المتعلّقة بالمواريث كما هو مثبت في الاستطلاعات الرأي التي أجريت في هذا الشأن، فهذا المشروع يخالف ما دعانا إليه الدستور من تعبير عن تمسّك شعبنا بتعاليم الإسلام.
والدعوى سيدي الرئيس بأن هذا المشروع الذي يسوّي في الإرث بين الرجل والمرأة هو تحقيق للدستور الذي يدعو إلى المساواة بين كلّ المواطنين دعوى باطلة لأنّ هذه المساواة هي مساواة شكلية تنتهي إلى حيف في حقّ المرأة بحرمانها من حقوق أخرى كما سيقع بيانه، ومن جهة أخرى فإنّ الفصل عدد 146 من الدستور ينصّ على أن الأحكام الواردة في الدستور تفسّر ويؤوّل بعضها البعض كوحدة منسجمة؛ ولذلك فإنّ المساواة الواردة في بعض فصول الدستور ينبغي أن تفهم في نطاق الفصل الأول القاضي بأن الإسلام هو دين الجمهورية التونسية، وفي نطاق الفقرة الثالثة من التوطئة القاضية بوجوب أن تكون القوانين معبّرة عن تمسّك الشعب بتعاليم الإسلام.
ولا يخفى عليكم سيدي الرئيس وعلى كلّ من له فقه في قراءة النصوص أنّ التوطئة والمبادئ العامّة التي ورد فيها هذان النصان هما بحكم موقعهما من الدستور وبحكم طبيعتهما في الكلّية والعموم هما المرجع الذي ينبغي أن تفهم في إطاره كلّ الفصول الواردة في الدستور كما يقتضيه الفصل 146 منه. 
والدعوى بأنّ تونس بما أنها دولة مدنية كما ورد في الفصل الثاني من الدستور فهي إذن في حلّ بمقتضى هذه المدنية من كلّ تعاليم الدين، فيكون هذا المشروع إذن في حلّ من تعاليم الدين، ويكون بالتالي منسجما مع الدستور بل هو مطلوب بمقتضاه هي دعوى باطلة؛ ذلك لأنّ مفهوم الدولة المدنية على معنى أنّها الدولة التي تتحرّر من تعاليم الدين مفهوم لا وجود له إلا في أذهان المبادرين بتشريع هذا القانون، أمّا المدوّنات القانونية والفلسفية المتداولة دوليا فلا وجود فيها لهذا المفهوم للدولة المدنية؛ ولذلك فإنه ينبغي في تحديد مفهوم الدولة المدنية العودة إلى التعريف الذي ورد في الدستور نفسه.
لقد ورد في الدستور تعريف بيّن للدولة المدنية في أكثر من موضع، من أهمّها ما جاء في التوطئة من أنّ " دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرّة وعلى مبدإ الفصل بين السلطات والتوازن بينها"، وكذلك ما جاء في الفصل الثاني من المبادئ العامة ما نصّه " دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون"، فهذه التعريفات من صلب الدستور هي الملزمة لفهم مدلول الدولة المدنية، وليس في هذا المدلول ما يشير إلى استبعاد تعاليم الدين وإنما هو قائم على معنى التفويض الشعبي عبر لانتخابات الحرة، وعلى الفصل بين السلط، وعلى علوية القانون. 
وأما مخالفة هذا المشروع لتعاليم الإسلام الذي هو دين الدولة كما سنّه الفصل الأول، والتي يتمسّك بها الشعب التونسي ويلزمنا الدستور بأن نعبّر عنها في كلّ قوانيننا، فقد جاءت في هذا الدين نصوص صريحة قطعية في ثبوتها قطعية في دلالتها تضبط أن
ميراث الأبناء يكون فيه للذكر مثل حظّ الأنثيين، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى:"يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (النساء/11)، وما جاء في هذا المشروع يسوّي في الميراث بين الأبناء إناثا وذكورا إنما هو مخالفة صريحة لهذا الحكم القرآني، هذا وإنّ هذا الحكم في الميراث جاء خاصّا بميراث الأبناء ووضع ضمن معمار متكامل في العلاقات المالية بين أفراد الأسرة، وفي هذا المعمار يتنزّل الكثير من الحالات في الميراث، فقد ترث المرأة مثل الرجل وقد ترث أكثر منه وقد ترث هي ولا يرث هو، كما تتنزّل في هذا المعمار أحكام أخرى في العلاقات المالية غير أحكام الميراث من نفقة ومهر تجب على الرجل وتعفى منها المرأة.
وينتج من هذا المعمار في حصيلته النهائية عدل بين أفراد الأسرة، إنه عدل بالنظرة الشاملة لكلّ الأبعاد الأسرية المادّية والمعنوية، ولا غرو فهو عدل الله الذي لا تخفى عنه خافية، وإسقاط لبنة من هذا المعمار مثل اللبنة التي يسقطها هذا المشروع يفضي إلى سقوط المعمار كلّه، وينخرم به العدل بادّعاء هذه المساواة الحسابية التي لا تنظر إلى المشهد إلا من زاوية واحدة ضيّقة، وتكون به المرأة في الحصيلة هي الخاسرة من حيث ادّعى هذا المشروع أنه يُسنّ لصالحها، وينتهي الأمر إلى اضطراب كبير في البناء الأسري يؤذن بعواقب وخيمة على تماسكها.
سيدي الرئيس زملائي النواب
في هذا المشروع أنّ للمورّث أن يوصي لورثته في قائم حياته بالأنصبة التي حدّدها الدين، فيصبح إذن قانون المساواة هو لأصل والوصية بما جاء به الدين هو الفرع، ويُحسب ذلك محافظة على تعاليم الدين، ولكنّ هذا قلب لميزان التوريث الذي يقتضيه الفصل الأول وتقتضيه الفقرة الثالثة من التوطئة، إذ ما ورد فيهما هو أنّ الأصل ما حدّدته الآيات القطعية، والفرع ما يمكن أن يكون من وصيّة منضبطة بقواعد وحدود معلومة. وبالإضافة لكون هذه الوصية غير مشروعة فكم من الناس سيتوفّر لهم إمكانها، وكم سيكون عدد المنفّذين لها؟ وهل للموت الذي كثيرا ما يكون مفاجئا أن يعطي مهلة لمن أراد هذه الوصية المقلوبة؟ 
وأما الآثار المترتّبة على هذا المشروع في النطاق الأسري والاجتماعي فهي آثار مدمّرة، إذ لمّا تقنّن المساواة في الإرث فإنّ المرأة سيكون مطلوبا منها أيضا المساواة في الإنفاق، وتصبح مطالبة في نطاق الزوجية بذلك، ولا يعفيها منه أن تكون عاملة أو غير عاملة، وأن تكون ذات مال أو غير ذات مال كما هو حال الزوج في النظام الحالي للأحوال الشخصية، فإذا ما قصّرت أو عجزت فإنّ حكم القضاء ينتظرها كما ينتظر الزوج حاليا، وتشرع إذن أبواب عفنة من المشاحنات والمناكفات والخصومات وتنتهي إلى أبواب أشدّ عفونة من الانحراف أو من الطلاق الذي تحتلّ فيه بلادنا حاليا المرتبة الرابعة عالميا والأولى عربيا فتصبح بهذا المشروع في المرتبة الأولى من هذا الحلال البغيض، وكذلك فإنّه بهذا المشروع سيصبح الرجل متخيرا في زواجه لذات الإنفاق لا لذات الدين والأخلاق، فيصرف النظر عن كلّ من سواها فترتفع بذلك نسبة العنوسة على ما هي مرتفعة به الآن، وحصيلة ذلك كلّه إما عزوف عن الزواج أو توفير لأسباب هدمه عند حصوله، فيالها من حصيلة مرّة بفعل هذا المشروع الأبتر.
ومهما يكن لهذا المشروع حينما يصبح قانونا من قوّة الإلزام فإنّ الشعب التونسي المتديّن سيبقى معظمه على الأقلّ يشرئبّ إلى حكم الدين في الميراث، فيحصل إذن التنازع بين حكم الشرع وحكم القانون، ويصبح في نطاق الأسرة من يطالب بحكم القانون متّهما عند من يريد تطبيق حكم الشرع بأنه لا يلتزم بحكم الدين، ويصبح هذا متّهما عند ذاك بأنّه ظالم متجاوز للقانون بظلمه، فيفتح إذن باب آخر من أبواب المشاحنات الأسرية ظاهرة في العلن أو كامنة في النفوس، وكلّها تعكّر صفو الأسرة، وتدخلها في متاهات ليس لها قرار.
سيدي الرئيس، زملائي النواب
ما ألجأنا إلى هذا القانون السيّئ الوخيم العواقب، الذي يقسّم الشعب إلى فئات، ويهيّئ الأسرة إلى الشتات، والحال أنّ بلادنا تمرّ بظروف عصيبة كما تعلمون، وأنّ وضعها في الانتقال الديموقراطي يتطلّب أسباب الدعم والاستقرار لا أسباب الهشاشة والانفجار؟ وهل الغنم الموهوم بادّعاء الرفع من شأن المرأة ليكون لمن تقدّم بهذه المبادرة التشريعية ذكر شخصي في التاريخ يساوي الغرم الثقيل الذي ستبوء به إرباكا للاستقرار المجتمعي وهدما للبناء الأسري؟ 
أيّها الزملاء والزميلات نوّاب الشعب، إنّ هذا الشعب التونسي كلّفكم بنصّ الدستور بأن تعبّروا في كلّ القوانين التي تسنّونها عن تمسّكه بتعاليم الإسلام، وهذا المشروع لا يعبّر البتّة على تمسّك الشعب التونسي بهذه التعاليم؛ ولذلك فإنني أدعوكم ونفسي إلى رفض هذه المبادرة التشريعية من أساسها تفاديا لأن نجد أنفسنا غدا في موقف عصيب يحاسبنا فيه الشعب على الإخلال بأمانة التعبير عن تمسّكه بدينه، ويحاسبنا فيه المجتمع عمّا نسبّبه من إرباك في بنائه وتمزّق في أسرته، ويحاسبنا فيه الدستور على مخالفة فصوله، ويحاسبنا فيه التاريخ على هدم ما استقرّ عليه أمر المسلمين طيلة أربعة عشر قرنا، والأصعب من ذلك كلّه أن يحاسبنا فيه الديّان يوم الحساب على نقض أحكامه ومخالفة بيانه يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا سلطان.

  • شارك على:
51
 اسبوع مغلق دون امتحانات والجامعة تدعو إلى مواصلة المقاطعة بدعوة من بن سلمان: إقامة أوّل قدّاس مسيحيّ في بلاد الحرمين 

آخر الأخبار