Loading alternative title

نهاجر لنحلم..

تاريخ النشر: 2018-12-03 || 13:10

نهاجر لنحلم..

"أذكر أنّها كانت اللّيلة الوحيدة من بين لياليّ الطويلة في هذا الوطن، الّتي أحسست فيها بأنّي فعلاً على قيد الحياة.."

 هكذا وصف خليل، الشّاب التّونسي، 25 سنة، الّليلة الّتي علم فيها أنّه سيغادر تونس قريبًا باتّجاه إحدى دول العالم المتقدّم بعد محاولات عديدة فاشلة لم يفقد على إثرها صاحب الّشهادة العليا في الإعلاميّة، الأمل.

برزت من جديد على الساحة التونسية حكايات الهجرة غير النظامية التي كانت ولا تزال وسيلة الشباب التونسي العاطل منهم وحتّى من تمكًن من الظفر بموطن شغل في السعي نحو تحقيق مستقبل أفضل، وذلك بعد انتشار قصّة المستشار ببلديّة رادس، والّذي غادر إلى ألمانيا ضمن رحلة تدريبٍ، فلم يعد..

طريقة جديدة للهجرة غير الشّرعيّة ابتكر من لم تسعفهم قلوبهم على المغامرة في كبد البحر، فسلكوا نهجًا آخر أكثر أمانًا، حيث يعمد العديد من الطّلبة تقديم طلب للحصول على "الفيزا" والسّفر بصفة سائحٍ وما إن تطأ أقدامهم وجهتهم المنشودة إلا وتخلّصوا من جوازات سفرهم وغابوا عن الأنظار ليبدؤوا رحلة ملؤها العناء، أّولها البحث عن عمل وآخرها ربّما البحث عن زوجة تهديهم جنسية الرجل الأبيض.

بطل قصّتنا شابّ سلك هذا الطريق فتوجّه بعد ثلاث سنوات من الدّراسة بإحدى الكليات الإعلاميّة في تونس نحو السّويد أين أمضى أشهرًا لم تتجاوز الثّمانية ليعود من جديدٍ إلى أرض الوطن.

يقول خليل: "ها أنا رغم كلّ المحاولات قد عدت إلى نفس الرّكن من نفس المقهى أشرب نفس المشروب كما كان الحال عليه منذ سنوات".

اختار صاحب الشّهادة العليا أن يحاورنا من مقهى حيّه الصغير الكائن بأريانة.

 لم تمرّ دقائق قليلة على جلوسنا حتّى مدّه النادل بكوب من الشاي.. ليعلّق الشاب ساخرًا: "أرأيت؟ حتّى النّادل قد حفظ عن ظهر قلب ما سأطلبه منه لكثرة جلوسي في هذا المكان"، وأضاف مبتسمًا "أُسمّيه منزلي الثاني..".

بدأ الشاب حواره بتفنيد ما يتمّ تداوله في وسائل الإعلام عن أنّ الفقر والخصاصة لوحدهما يمثلان الدافع الأساسي في دفع التونسيين نحو الهروب خارج أسوار الخضراء، وقال في هذا الصّدد: "لا أنكر أنّ الفقر والخصاصة يمثّلان دافعًا كبيرًا، لكن، لا يخفى على الجميع أنّ كثيرًا ممّن هم محسوبون على الطّبقة المتوسطة في وطننا يسعون بكلّ الطّرق نحو الهجرة..".

وقبل أن يواصل حديثه، أشعل خليل سيجارة كان قد أخرجها من علبة بجيبن باهظة الثّمن، متابعًا: "ربّما لاحظتم أنّي لا أواجه مشاكل ماليّة رغم أنّي واحد من بين آلاف أصحاب الشّهائد العليا العاطلين عن العمل.. لكن هو الغموض.. وتلك الرتّابة القاتلة ما تفتئ تخنقني.. فمع كلّ صباح جديد، قديم في نظري، أحسّ أنّ صخرة تجثم على صدري لتجعل من مهمّة الشّهيق والزّفير بالنّسبة لي شبه مستحيلة..".

لا شيء جديد"، يتكلّم الشّاب بصوت حزين، "أبسط الأشياء في هذا الوطن تمدّ أياديها لتضغط على رقابنا وكأنّها تحاول عمدًا قتلنا، خذ مثلًا تلك المؤسّسات الإداريّة، إذا ما أُجبِرتُ على ولوجها لاستخراج أيّ وثيقة رسميّة إلا وأُرغمت على قضاء نصف يوم على الأقلّ هناك.. أشياء ربّما ستبدو لكم تافهة، إلاّ أنّ آثارها كمرض السّرطان، تتمكّن من فريستها رويدًا رويدًا لتفتك في النهاية بها، وتجعل منها جثّة على قيد الحياة".

كان التّوتّر قد بدأ يظهر على الشّاب كلّما توغّل في الحديث عن الأسباب الّتي أخذته في رحلة إلى العاصمة "ستوكهولم"، يقول :"أذكر أنّها كانت اللّليلة الوحيدة الّتي أحسست فيها بأنّي على قيد الحياة، ليلة أخبرني فيها والدي ونظرات السعادة والحزن في الوقت ذاته تقتلني، أنّ أحد معارفه المقيمين بالسّويد قد أكّد له أنّه بإمكانه مساعدتي على المغادرة.. جئت مهرولاً إلى هذا المكان في تلك الليلة لأجتمع بأقراني ككل يوم لأزفّ لهم النّبأ السعيد..".

يضيف الشّابّ ساخرًا: "حتّى أنّ الفرحة أسكرتني فرُحتُ أعدهم بأنّيَ لن أتركهم يغرقون في مياه حيّنا، وأنّيَ منقذهم من تونس ما إن أتمكّن من الاستقرار هناك..". ويتابع: "كانت لحظات سعيدة، لسنوات لم نحلم.. تحدّث كلّ منا عن طموحاته، عن ضحكاتنا ونحن نتبادل كرات الثلج في بلاد الغرب، عن لقاءاتنا بعد أن ننتهي من العمل، عن فتيات أحلامنا وحتّى طريقة تربيتنا لأولادنا هناك.. ربّما هذا هو العامل الأساسيّ في هجرة الشباب بتلك الطّريقة، البحث عن مكان يساعدهم على الحلم.. عن مكان لا تكون مجبرًا فيه على التفكير، خوفًا في كلّ لحظة، بالمستقبل..".

في تلك الأثناء، دخل المقهى كهل خمسيني، ليشير إليه خليل قائلاً: "دائما ما يأتي في الوقت نفسه، كل يوم، بنفس تلك الملابس.. أحيانًا أشعر أني أتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آليّ.. وأحيانًا ألوم تلك التكنولولجيا اللعينة، حاسوبي وهاتفي اللذان فتحا عينيّ على عالم الدول المتقدمة، كأنهما نافذة زنزانة تطلّ على دبي ولياليها الحمراء".

ختامًا، تطرّق الشاب الحزين باقتضاب إلى تجربته في السويد، مؤكدًا أنّ الصعوبة لا تكمن في التجول بلا وثائق رسمية، فرجال الشرطة هناك، وفقًا له، لن يوقفوك إذا ما كنت تتنقل في الأرجاء، على عكس رجال الأمن هنا في تونس.

ويضيف :"وجدت هناك تونسيين قد سبقوني، كهولاً وصغارًا، أحدهم لم يتجاوز السابعة عشر وربما أكبرهم يوشك على بلوغ سنّ الأربعين.. أراه كل ليلة يبكي حبيبته التي لا تفوت أي فرصة لتذكره عبر الهاتف أنها على قاب قوسين من الزواج بآخر إذا لم يتدبّر أمره ويعود سريعًا".

"هناك، اشتغلت في تنظيف المنازل، وحمل الأغراض وغيرها من المهن، لم أجد مشكلًا، فعلى عكس تونس، في تلك الرّبوع حتى وإن تقاضيت أجرًا زهيدًا لم أشعر قط بأنّ شيئًا ما يلاحقني، الأمل هناك مجاني ومتاح للجميع، الأمل في غد أفضل، في أي شيء أريده..".

كان الليل قد داهمنا، وامتلأ المكان بالتونسيين من مختلف الأعمار وتعالت أعمدة الدخان المنبعثة من السجائر لتزيد الجدران صفرة. خلف تلك الأعمدة كان وجه ممثل تونسيّ قد ظهر على شاشة التّلفاز معلنًا بدء حلقة جديدة من برنامج "أمور جدية" الذي يبث على قناة خاصة تونسية، كان يصرخ تعليقًا على حادثة هجرة غير نظامية أن تونس مظلومة وشبابها كسالى ومذنبون..

  • شارك على:
35
  • الوسوم:
 موعد اللقاء الذي سيجمع الترجي بالرجاء المغربي الإعلان عن تكوين شبكة برلمانيين من أجل حقوق الإنسان 

آخر الأخبار