Loading alternative title
الأخبار

حدثَ في القسم

تاريخ النشر: 2019-01-12 || 09:03

حدثَ في القسم

كتب الأستاذ توفيق العلوي

دخلت القسم بعد سير كيلومترات مرنَّخا "كعصفور بلّله القطر"، مرتعشا أثر البرد القارس، مرتعدا من كويرات الثلج الذائبة المنهمرة على وجهي ورقبتي لتعبر جسدي منسرحة إلى أطراف قدميّ، لا يعترضها معترض، لا جوارب توقفها، ولا حذاء شتاء يصدّها.

جلست على مقعدي، مائلا يسرة، كما العادة، ففي يمين المقعد مسمار غليظ طويل صدِئ، عقّفتُه يمنة حيطة من أذاه، وحفظا لسروالي الذي كبُرت به وما كبر.

كان في القسم رجل "مكعبر" احتلّ مقعد معلّمنا الذي انزوى آخر القسم، يكاد بطن الرجل يطيّر أقفال قميصه وقد أحاط رقبته بحزام أسود يتدلدل على صدره، عرفت لاحقا بأنّه يسمّى "ربطة عنق"، كان شعره ممشوطا إلى اليمين مرتّبا ملمّعا كما شعر بنت عم رابح المدهون بالزيت ليلة زفافها، ما في وجهه شيء من اللطافة عدا فما صغيرا يلطّف من شرره.

كان القسم في "صمت القبور" والرجل يصوّب نظره نحونا واحدا واحدا، فجأة أمرنا بصوت غليظ بفتح كتاب القراءة على نصّ عنوانه "على شاطئ البحر"، وأمرني بقراءته، اِرتبكتُ وأنا مبلّل أتعثّر في قراءة نصّ عن تمتّع المصطافين بالبحر، فاستلقائهم على الشاطئ لتدفّئهم أشعّة الشمس وقد ألقوْا مناديل على أجسامهم تجفّفها، نصّ لا يشبهني في شيء، كدت أتقيّؤه.

ما كدت أنتهي حتّى قاطعني الرجل الغريب بفمه الصغير صائحا مزبدا مرعبا، سابا شاتما، نعتني بالتلميذ الفاشل الذي لا يحترم قواعد اللغة العربيّة، فقد نصبتُ كلمة عوض جرّها، كدت أسبّ النّصب والجرّ، فالرفع علاقتي به طيّبة، إذ كثيرا ما دعت لي به أمّي "برّ ربّي يرفعك بين أندادك"، توتّرت وقد اختلطت سوائل مختلفة على وجهي، قطرات المطر، وأخلاط جارية من أنفي لا تتوقّف، ودمعاتي، فقد بكّاني هذا الرّجل الغريب.
اِلتفتُّ إلى معلّمي أن ارحم تلميذا ذلّ، وأرجوه أن يسكِت هذا الكائن الذي أفسد الدرس، فإذا هو مصفرّ الوجه، لا يحرّك ساكنا.

فجأة، تقدّم الرجل منّي وسبابه لا ينقطع، اجتنبتُه وقد أرخيت جسمي قدر الإمكان، تقدّم أكثر وعيناه شرّ على شرّ، يكاد بطنه يدفعني أقصى اليسار، ملت فمال، ابتعدت فاقترب، ما كاد يهبط عليّ بيده الغليظة حتّى سمعنا صياحه المدوّي، كاد يسقط أرضا لولا استناده إلى الطاولة، ركضت خوفا خارج القسم كما لم أركض من قبل، طاوعتني رجلاي رغم الوحل وشلاّلات المطر، كدت أنادي معلّمنا "أن اهرب معي"، فإذا أترابي يلحقون بي حذر هذا الغول الغائر علينا، يعاقبنا بلغتنا العربيّة، آه لو جررناه من ربطة عنقه، فنعاقبَه بـــ"جرّه"، تعبت، خفّفت الوطء، توقّفت، التحق بي أترابي يسألون عمّا جرى لهذا الكائن الذي يخشاه معلّمنا، قلت وأنا مختلط المشاعر ألهث:
- المس...المس... المسما...ر 

توفيق العلوي.

 

  • شارك على:
52
 فرنسا تنشر 80 ألف رجل أمن استعدادا لاحتجاجات السترات الصفراء اليوم تقديم كتاب "مدخل في النحو العرفني" لرونالد لانقاكر (صور)