Loading alternative title

سويعات قبل مغادرة بن علي البلاد ... هكذا عشتها

تاريخ النشر: 2019-01-19 || 09:47

سويعات قبل مغادرة بن علي البلاد ... هكذا عشتها

كتب د. معاذ نفيص

كانت الساعة العاشرة صباحا من يوم 14 جانفي لسنة 2011 ، وكان المكان على بعد خطوات من مفترق الطريق الفاصل بين وزارة الصحة ومستشفى الأطفال بباب سعدون، هناك بدأت مرحلة جديدة في مسيرتي الدراسية والمهنية. لم أكن أعلم آنذاك أن كل البلاد التونسية كانت تبدأ مغامرة جديدة في مسيرتها الحضارية والديمقراطية.

كانت الأصوات والهمسات ذلك اليوم على غير عادتها، في مكان استأنس المرضى صغارا وكبارا، وهم يئنون ويشكون حال أجسادهم المريضة في جسد البلد المريض. في ذلك اليوم كانت اللغة والكلمات جديدة على المكان، كلمات عن أوضاع مشتعلة، عن الخطاب المرتعش للرئيس. أمام الشجرة الفارعة الطول، في مدخل الوزارة، أين كانت تربض سيارة اعتلاها  أحد النقابيين، مازلت أتذكر كلماته التي طلب فيها من الدكتور خليل الزاوية أن يأخذ مكانه ليخطب في الناس. مازلت أتذكر جملته التي تقول "بن علي يلزمو يتنحى من الحكم وما عادش عندو بلاصة ..."

بعدها اعتلى شخص أخر سقف السيارة ليذكّر المتجمهرين، أن هذه المظاهرة منظمة من الاتحاد، وأنها تنتهي في هذا المكان، ولن تسير في اتجاه وسط العاصمة كما طالب البعض.

امتعض البعض من ذلك مطالبين بالسير نحو شارع حبيب بورقيبة أين تجتمع الناس في مظاهرة حاشدة. لكن كلامهم لم يصل سوى بعض الاذان القريبة منهم، ومنها اذني واذني صديقي الذي أتى من مستشفى آخر لنفس السبب، وكان من قاطني وسط العاصمة جون جوراس تحديدا.

اقترح عليّ صديقي أن نواصل الى وسط العاصمة، ومن باب الفضول وافقت على الفور خاصة وأنه طريقي للعودة.

لا أتذكر من سيرنا الى شارع الحبيب بورقيبة سوى بعض الوجوه السائرة عكس اتجاهنا، وقد علتها الدهشة الخوف والحماسة أحيانا. كما أتذكر ارجلا تهرول في كل الاتجاهات. لكن ما أتذكره جيدا كان لحظة دخولي وصديقي الى شارع الحبيب بورقيبة. هناك كانت الدهشة كبيرة.

كانت الساعة تقترب من منتصف النهار، وكان الطقس ربيعيا على غير عادته في أيام جانفي، لكن الحرارة في شارع الحبيب بورقيبة كانت تنتقل من الربيع الى الصيف بسرعة قياسية.

اقتربنا بخطوات مترددة نحو الحشود أمام وزارة الداخلية، كنت أرى أصحاب البدلات السوداء يعتلون شيابيك الوزارة ويخطبون في الناس، وكان النظام في الهتافات والأهازيج ملهما وغير معتاد .

وجدت نفسي لا شعوريا أردّد ويداي مرتفعتان "اووووه...dégage dégage dégage "

"الشعب يريد اسقاط النظام ... الشعب يريد اسقاط النظام". ثم يعم التصفيق إعجابا بذلك النظام في الشعارات، وإعجابا بتلك الشجاعة التي نزلت فجأة على ألاف التونسيين لينطقوا بكلمات كانوا يخافون من نطقها حتي بين أنفسهم. "فكانت الكثرة التي تخلق الشجاعة".

بعد حوالي نصف ساعة، قمنا بجولة من أول شارع الحبيب بورقيبة الى آخره أو بالأحرى الى حدود  وزارة الداخلية حيث كانت مجموعة كبيرة من الأمنيين تتمركز بين الوزارة وشارع تركيا والساعة التي تتوسط مفترق الطريق.

رأيت كل أطراف المجتمع التونسي: رجال، نساء، أطفال، مراهقون ..  فقراء وأغنياء .. الكل مبتهج ومتحمس رغم خطورة الوضع التي لم نكن ندركها آنذاك، ولم نكن ندري ما سيحصل بعد سويعات .

رجعنا إلى مكاننا أمام الوزارة، ووقفنا على حافة الطريق المقابل، واستعدنا حماستنا، وحناجرنا تصدح بنفس الهتافات dégage dégage …إلى حدود الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال.

لفتت أنظارنا سيارة من نوع "stafette"  بيضاء اللون قادمة ببطئ وتقوم بتفريق المتظاهرين في طريق سيرها متجهة الى تجمهر الأمنيين.

كانت الاسئلة كثيرة في الاذهان: ماهية السيارة من هم الاشخاص الماسكون بأبوابها الخلفية. يقول البعض إن بها جثة أحد المتظاهرين لقي حتفه، بدا القلق والحيرة يدبان في الأنفس. تحولت الحيرة الى دقات قلب متسارعة مع وصول السيارة الى الامنيين واطلاق القنابل المسيلة للدموع باتجاه الحشود، تلتها العشرات من تلك القنابل ليصبح المكان الممتلئ بألاف الأشخاص مكانا تصعب فيه الرؤية والسماع وحتى التنفس.

بدأ الناس يتدافعون. أحسست أنني أدفع الى حائط أحد البنوك دون قدرتي على السير في غير ذلك الاتجاه. خلت للحظة أنها النهاية، لم أسقط ولكن نساء وأطفالا كثيرين سقطوا أمامي. وجدتني ممسكا بسواعد أخرى تطبيقا لكلمات احدهم بأن نصنع ممرا  للمتعثرين. وكان الأمر كذلك، الى أن جاء الفرج بوصولنا الى احد الطرق الجانبية المؤدية الى جون جوراس. لم سلك تلك الطريق ولكنها مكنتنا من تخفيف من شدة تدافع الناس.

افترقت عن صديقي الذي رافقني منذ العاشرة صباحا، وذكر لي فيما بعد أنه واصل متابعة الأحداث من منزله، فيما واصلت أنا تلك المغامرة التي لا أظنني أعيشها ثانية.

توقّفت فجأة القنابل المسيلة للدموع، وبدأت الرؤية تتضح والقدرة على التنفس أسهل، وكنت آنذاك في مستوى مدخل شارع ابن خلدون متجها الى ساحة برشلونة للعودة الى المنزل والاكتفاء بما حدثـ، لكن مشهدا أبقاني متأملا في لحظات لم تكن مناسبة للتأمل. لكنه فرض علي ذلك فرضا. رأيت امرأة أربعينية ومعها طفلتان عمرهما بين الثامنة والثانية عشرة  يتوقّفون ويرجعون باتجاه وزارة  الداخلية  هاتفين Dégage dégage.

ذاك المشهد جعلني انهي حالة التأمل وأعود في نفس الاتجاه بنفس الهتافات. لم تمر الا بضع دقائق لتعود الاصوات المرعبة والقنابل المنهالة علينا. كان هجوما معاكسا من الأمنيين ولكن في هذه المرة كان أخطر من سابقه.

سلكت بسرعة شارع ابن خلدون ظنّا مني أني ابتعدت عن الخطر ولكن كانت المفاجأة. فقد رأيت أمنيين بزي مدني في اخر الشارع يركلون كل من يأتي هاربا. أبطأت في خطواتي والتفتّ خلفي التفاتة أنقذت حياتي. فقد مرت قنبلة مسيلة للدموع، كادت تصيبني في وجهي. ابعدت رأسي لاجتنابها، ولمحت بذات الوقت أشخاصا يدخلون باب عمارة من الجانب الاخر، تبعتهم وصعد مدرجا مظلما قديما قدم المكان، كنت لا أسمع سوى الخطوات والأنفاس المتسارعة، كل ينشد النجاة وبذهنه عشرات السيناريوهات. صعدنا الى السطح وأطللنا لنرى ما يحدث.  كان بجانبي رجل في الأربعينات فرنسي يحمل كاميرا ويصوّر من اعلى المبنى.

رأيت شخصا مرميا على الطريق وقد التفّ حوله رجال الأمن في الزي المدني وعلى الجانبين ناس يفرّون، وينال كل منهم حسب حظه، ضربات مختلفة أشكالها وأماكنها.

خطرت ببالي فكرة للحظتها: ماذا لو أحاول انقاذ الرجل المرمي على الارض؟ قد أضرب عصفورين بحجر واحد، أسعف الرجل أولا، واجعل من ذلك مطية لأغادر هذا المربع الخطير. لم أتردد كثيرا في أخذ القرار. نزلت واتجهت نحوهم فبادر احدهم وحاول ركلي فاستبقت ذلك وقلت له أنا طبيب جئت لإسعاف الرجل. هدأ الأمني ومكّنني من المرور. القيت نظرة سريعة على المصاب فوجدته في حالة إغماء. تجولت بنظري في المكان فرأيت قبالتي محلا لبيع السندويتشات. كان العاملون به يسترقون النظر. طلبت من آخرين قدموا مثلي لاسعاف المصاب، أن ندخله إلى ذلك المحلّ. أدخلناه وقمت بفحصه مع زميل لي. تأكدنا من عدم خطورة وضعه الصحي ووضعناه في وضع الأمان الجانبي وتأكدنا من اتصال الحاضرين بالحماية المدنية التي حضرت بسرعة.

فكرت في البقاء في ذلك المكان الذي يعدّ آمنا، غير أن زميلي اقترح أن يوصلني الى مكان قريب من مسكني. 

اتجهنا نحو السيارة واضطررنا الى سلك عدة طرق لتجنب قوات الأمن. امتطينا السيارة  واتجهنا الى بن عروس عبر حلق الوادي ورادس.  خلال تلك المسافة، اعترضتنا قوافل عسكرية لم نعرف  إلى أين تتّجه. في بن عروس وجدت والدي في انتظاري، وأعلمني أن الأوضاع في البلاد خطيرة، وأن قناة "الجزيرة" ذكرت "أن بن غلي غادر البلاد".

  • شارك على:
99
 انتهاء أزمة السيولة في ليبيا الطبوبي: لا بد أن يكون شعارنا مزيد البذل والانتاجية 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج