Loading alternative title

قراءة في رواية جحر الضب لنور الدين علوي (1)

تاريخ النشر: 2019-02-03 || 17:12

قراءة في رواية جحر الضب لنور الدين علوي  (1)
سناء حميدات كاتبة وباحثة في الأدب العربي

سناء حميدات

كاتبة وباحثة في الأدب العربي

كتبت سناء حميدات  

وأنت تفرغ من قراءة كتابٍ ما : رواية، مسرحية، مجموعة قصصية، ديوان أو مجموعة شعرية، كتاب في النقد أو التاريخ أو الحضارة أو الفلسفة، يتملّكك شعور أن هذا الكتاب لا يغادرك، بعضه أو كلّه، أشياء كثيرة منه تبقى تسكنك وتستفزك وتراودك من حين لآخر حتى تألَفَها روحك وتتلذذ وجودها، صورة ما من الصور المتزاحمة أو عبارة تصير لازمة فنية أو حكمة تستحضرها كلما ألمّ بك سياق مشابه، شخصية من الشخصيات أو مكان بعينه أو لحظة زمنية أبدع الكاتب في تصويرها. وعندها تدرك أن لحظة القراءة –كما لحظة الكتابة- لحظة بناء وولادة، لحظة يتشكل فيها نص جديد بروح جديدة وبتقاطعات جمالية وفكرية مميزة مع النص المكتوب. "الرد الوحيد على الحقارة هو أن تقرأ. فهو السلاح الوحيد الذي مازال متاحا للفقراء مثلنا" ويجب أن نربح الوقت قبل أن يُصادَر الاحتمال الوحيد". عبارة مربكة ظلت عالقة بذاكرتي بعد انتهائي من قراءة رواية "جحر الضبّ" ل " نور الدين علوي"، الأديب والكاتب وأستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية والمترجم المتخصّص في العلوم الإنسانية، والذي صدرت له مجموعة من الروايات: "مخلاة السراب" (2002) و"المستلبس" (2005) و"بلاد الحد الأدنى" (2010) و"تفاصيل صغيرة" (2010) والفقرة الحرام" (2015) و"جحر الضب" (2017)، والذي ترجم لـ جان جاك روسو "أصل التفاوت بين الناس" (2008) و"رسالة في العلوم والفنون" (2013)، إضافة إلى كتاب "اختلاق الآخر.. في طبيعة الخطاب الأنثروبولوجي" (2015) لـ منذر كيلاني، وله بحث تاريخي بعنوان "دم الإخوة.. قفصة 1980" (2015). توقفت وأنا أتصفح أعماله الأدبية عند رواية "جحر الضبّ". وهي رواية واقعية وُلِدت من حلم الطفولة وانتهت في خيبة الكهول. أزهرت في الأرياف وذبلت في المدينة. وصفت فدققت، وحلّلت فأجزلت. اتسمت بأسلوب شعري مكثّف من خلال استحضار الرموز والصور وسرد متين متماسك يستفيد كاتبه من مناهج علم الاجتماع في تحليل الظواهر وبناء الأفكار بما يجعل الرواية مونوغرافيا تُلم بالتفاصيل الصغيرة ضمن مشهد اجتماعي شامل يصاعد في الأزمنة حتى يندلع الحريق. ولقد حمل النص إشارته ونُذُره كأنه يستشرف وفي بعض الأحلام نبوءة فطرية رغم الخيبة العاطفية. هي صورة تونس في فجر ثورة تفعل فعل الماء في الرخام. وقد راهن علوي إلى حد كبير على ثراء جنس الرواية وطاقته التعبيرية والإيحائية وقدرته على امتصاص الواقع واحتوائه بكل تفاصيله وتناقضاته ومشاكله وأبعاده فجعل من "جحر الضبّ" عينا على واقع هو أشبه بالخيال في كثير من لحظاته : " يا لهما من ثنائي : حمادي وسعاد، قطبا هذه الرواية؟ بدعة كلاهما من اختراع الخيال في القص وإن يكونا من كذب الفن الصراح لصورة صدق من واقعنا المنهار. تخرّجا بالفوز من كلية الآداب فدهاهما دهر غشوم حط بهما من أعالي الأحلام إلى حضيض الظلم والظلام، والزمان "عهد التغيير" وقيل "عهد التغبير" عهد المنقذ. أخلف الوعد فعتا وبالسلطة استبد والمال طغى. وسواس الفساد فشا في سائر الأعضاء من جسمنا الاجتماعي" ونلاحظ هنا أن نور الدين علوي قد استثمر الكثير من ملامح الواقع وطوعها لخدمة النص وخدمة قضاياه الفنية والاجتماعية الحارقة التي كانت تعصف بذاك الواقع، فسعاد وحمادي هما جزء من ملحمة سعادة بائسة وزائفة وحمد مغلف بالحنق والغيض والسخط على كل المنغصات والإكراهات التي كانت تخنق حياة الأشخاص. وقد استفاد علوي بهذا المعنى كثيرا من نظرة روجيه غارودي الذي يضفي على الواقعيّة ثوباً فضفاضاً، فهي عنده «واقعيّة بلا ضفاف» وهو يرى أن كل فن إبداعي أصيل يُعبر عن شكل من أشكال الوجود الإنساني في العالم، ومن هذا المنطلق يصل إلى أنه لا يوجد أبداً فن غير واقعي، إذ أن كل فن يستند إلى واقع محدد مستقل عنه، وبالتالي فإن الواقعيّة في الفن هي الوعي بالمشاركة في خلق وتجديد الإنسان لنفسه بإستمرار، وهذا لا يعني على الإطلاق نقل صورة الواقع بل محاكاة نشاطه، وهو ليس تقديم نسخة منقولة من خلال ورق شفاف أو طبع صورة منه، بل المشاركة في البناء الخلاق لعالم لا يزال في طور التكوين مع إكتشاف إيقاعه الداخلي، وضمن هذا المفهوم يشير (إيليا إهرنبورغ) إلى أنه ليس ثمة ولا يمكن أن يكون فن خارج الواقع، فالواقع الإجتماعي هو الذي يحدد حياة الكاتب وإحساساته، ويضمحل الكاتب ويموت خارج الواقع، خارج المجتمع. لذلك طفق علوي يسرد في أقسام عديدة من الرواية بعض المشاهد التي قد يتعرض لها أي تونسي في أي من المدن –شمالا أو جنوبا- وينساق في نقل حوارات تكاد تكون نفسها التي قد يسمعها أي منا في أي محطة أو قاعة انتظار أو مقهى أو في الدكاكين والمغازات وعيادات الأطباء أو محطات الاستراحة من ذلك مثلا : "في مكتب النقيب يلتقي الجميع ويتكلمون في كل المواضيع فأسمع، وأنظم ردات الفعل طبقا لنصيحة سيد الدبير العارف بكل شيء " لا تكشف أوراقك". يقول علي الأنيق جدا والموظف بالبنك المتزوج من معلمة من قريته وتنظم دروسا خصوصية في مطبخها " الزيادات في سعر النفط ستدمرنا" فيشارك توفيق الممرض المتزوج من مديرة في إدارة الصحة تكبره سنا لكنها تتمتع بسيارة إدارية " لا تتشاءم كل شيء تحت السيطرة لو لم يكن العالم يعرف ذلك لما رفعوا في السعر، هنالك اقتصاد عالمي يقتضي الرفع" فيتدخل طاهر الأستاذ الجامعي المتزوج من أستاذة رياضيات في التعليم الثانوي كانت طالبة عنده : "لا تنسوا نحن بلد منتج والزيادة تفيدنا ولا تضرنا" فيسارع سيد الدبير العارف بكل شيء " من أين لك أننا بلد منتج ؟ هل تصدق فعلا كلام الدول الأخرى التي تريد أن ترفّع فوائد القروض ؟ نحن بلد يستورد المحروقات وكاذب من يقول نحن بلد منتج." فيربكه الطاهر الرياضي "اذن نحن في أزمة والدولة تعاني من مشكل كبير" فيسارع الدبير بالرد صارخا " من فضلك الدولة لا تقع في مشكل، نحن نصنع المشاكل أقول له " سي الطاهر مالهم جماعة الملعب التونسي لا يحبون النقاش" فالمقاول يفتخر ببطاقة تعريفه المستخرجة من بلدية باردو، فيرد : "حكايتهم فارغة من عهد الباي فيأتي بوراوي المدير الملحق دوما بجهة ما وهو رجل يقتصد الكلام إلا في الرياضة "حرام فيهم الكورة هم وغيرهم الكرة لها أصحابها الذين يعرفون اللعب" فيأتي محرز صاحب المقاهي الكثيرة متنقلا بشيشة في يده لا تنطفئ أبدا حتى في السيارة ويسكن في بيت زوجته الموظفة المتكفلة بخلاص أقساط البيت "الكرة عندها أهلها لكن موش النجم على كل حال" فيشتعل الحديث الرياضي بين سيدي محرز وسيدي بوراوي". وفي ظل المماحكة وقبل أن يصلوا إلى فروج أمهاتهم، أغتنم أول هدأة "إيه ... هل تونس بلد منتج للطاقة أم بلد مستورد؟ فيعود معي الطاهر إلى أول النص : الكرة هي الكارثة التي حلت بنا، الفقر داهم والناس تكوّر بمستقبلها، ولا أحد ينتبه لما يجري" هكذا يتضح لنا أن المقاطع الحوارية وما تحويه في طياتها من بعض المقاطع الوصفية أو ما يتوخاه الراوي من سردٍ للأحوال وهو يرصد حركات المتحاورين وهيئاتهم وسِيَرِهم وسِماتهم، هي مشاهد حية عن واقع متشابه ومأزوم اجتماعيا وثقافيا وسياسيا. وهذا يعكس إلى حد كبير الخلفية الإيديولوجية للروائي الذي صنع شخصياته من ورق واقع يشبهه ويشبهنا كقُرّاء وكتونسيين نتقاسم مع الشخصيات بعض أزماتهم وهواجسهم ونستطيب شيئا من فرحهم الصغير.

  • شارك على:
165
 بن سالم حول تدوينة اليعقوبي: لا أضيع وقتي في قراءة التفاهات هل يتم استغلال حادثة 'ابن عمر'.. لنسف تعليم القرآن؟ 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

من سيفوز بكأس رابطة ابطال أوروبا ؟

ليفربول
ريال مدريد
النتائج