رديون أمي ..في قريتنا النائية

w1

كتب رياض عمايرة

نشأت أمي في عائلة ميسورة. كان بيت جدّي من أوّل البيوت التي دخلها التّلفاز وقبله الراديو في قريتنا البعيدة خلال ستينات القرن الماضي. و لئن كانت والدتي قد غادرت المدرسة بعد عام واحد من دخولها كي تتفرّغ لمساعدة جدّتي في شؤون البيت الكبير بعدد أبنائه و بنشاطات ومشاغل جدّي الكثيرة كواحد من كبار قريته والقرى المجاورة ، فإنّ الراديو عوّضها عن بعض المعارف التي كانت ستتلقّاها. "الرّديون" كما يسمّيه السّابقون كان لا يصمت طوال اليوم، ينتقل من مكان إلى آخر متبّعا خطوات صاحبته ، ليصل معها حتّى إلى الكيب* حيث كانت تعدّ الخبزَ لوالديها وإخوتها. 
لم تصبح والدتي امرأة مثقّفة ، لكنّ صديقها اليوميّ كان ينقل لها وللعائلة أخبار العالم المتقلّب آنذاك ، وكان يرسل أمامهم موسيقاه عاليًا مدرّبا أمّي على تذوّق الفنّ. وقد نجح في ذلك نجاحا باهرًا. أمّي أوّل من عرّفني إلى وديع الصافي ومحمد حسن وأسماء أخرى ، ذاكرتها فنيّة بالأساس.
إلى الآن مازالت تحدّثني عن أغاني و مذيعي أواخر السبعينات والثمانينات كلّما طلبت منها ذلك. أجلس حذوها في المطبخ حين تكون بصدد اعداد الطعام ، وأقوم أمامها بدور المذيع والفنان و قارئ الأخبار في آن. ألقي عليها شعرا بدويّا كثيرا وأغنّي لها بصوتي الرديء ما تطلبه. دائما ما تجاملني عند الانتهاء ، إذ تشيد بعذوبة صوتي.
الراديو جزء من ذاكرتي الشخصية أيضًا. في السابعة أذكر ليلة صيفية حارّة أمضيتها مع عمّي في مرعى بعيد جدّا ، كنّا نحترس من الذئب كي لا يهاجم القطيع ، وكان الرّديون أنيسنا في تلك الليلة العصية على النسيان بالنسبة لطفل مثلي. من إذاعة تطاوين عروس الصحراء جاءنا صوت صاف لمذيع جميل أمضينا معه سهرة رائقة وأقمنا في صحرائنا فرحًا للاشيء**.
في المعهد أصبحت أملك مذياعًا صغيرا خاصّا ، أخفيته كثيرا في قاعات المراجعة بين طيّات ثيابي وفي محفظتي كي أواكب من خلاله أخبار ومباريات المنتخب الوطني في كأس افريقيا. ليلًا ، في المبيت الثانوي كنتُ أكافئ نفسي بمؤانسة جميلة ، أتغطى جيّدا وأضع السماعة متجوّلا بين الاذاعات التي تسنّى لها الوصول إليّ. بين الفينة والأخرى كنت ألقي نظرة خفيفة من خارج الغطاء أو أسترق السمع لما يحدث في محيطي خوفًا من عصا القيّم أو من رفتٍ ما وخاصّة من مداهمة تنتهي بحرماني من رفيقي الصّغير.
في الجامعة ، كنّا ندرس مادّتي الإذاعة و الإلقاء ، وكانتا من الحصص التي أميل إليها. أذكر فرحتي الصغيرة حين قدّمت تقريرًا عن سيرة ياسر عرفات في حصّة الراديو ، الراديو الذي صرتُ أعمل فيه بعد سنتين.
في إذاعة جهويّة أعددت وقدّمتُ برنامجًا ثقافيّا فكريّا طيلة أشهر. أشهر كانت فيها أمّي المستمع الأوفى لي رغم أنّ ما أقوله والضّيوف كان لا يهمّها في شيء.
كان جميلا جدّا بالنسبة لأمّي أن تنصت إلى شاعرها الصّغير وهو يبثّ أغنيةً لمحمد حسن عبر الإذاعة. الإذاعة التي جلستُ ذات مساء خريفي قبالة مقرّها المركزيّ متهجّدا إلى امرأة جعلت قلبي "راديو" يصوّب إبرته نحوها و يهتف باسمها طويلًا وكأنّها الأغنية الوحيدة في أرشيفه.
(نص بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة)
_______________________
*الكيب : مكان يشيَّدُ بالحطب أو القصب أو غير ذلك وفيه تقوم البدويات بأعمال كثيرة.
**عبارة للطيّب صالح

 
 
 
 

هذا المقال منشور على موقع alwatannews.tn

تاريخ النشر: 2019-02-14 || 11:15

الرابط: http://alwatannews.tn/article/6160