Loading alternative title

دموع على أبواب الحرم

تاريخ النشر: 2019-02-20 || 09:26

دموع على أبواب الحرم

كتب معز التواتي 


منذ وعيت على الدنيا و صورة العم "صالح" تكاد تكون نفسها في ناظري بعمامته البيضاء و جبته و "سرواله العربي" و بشاشة وجهه الأسمر جميل القسمات و شارب "الستينيات" الخفيف الذي طبع ملامحه منذ شبابه...
إذا أتيت إلى القرية فسترى حتما العم صالح على حماره وهو يجر عربته الخشبية العتيقة و التي عادة ما تحمل أكياس العشب "الفصة" أو بذور لقاح النخيل "ذكار" أو عراجين تمر "الدقلة".. حيث ورث مزرعة نخيل "أو غابة كما يقال في ربوع نفزاوة"...وهي مصدر رزقه و كل ما يملك من حطام الدنيا إلى جانب "الحوش العربي" الذي يأويه و عائلته...
العم صالح أحد "أعمدة" مسجد القرية حيث لا يكاد يغيب عن صلاة فيه... بساطة الرجل و ابتسامته التي تزين محياه و طيبته أكسبته محبة الناس على اختلاف أعمارهم و فئاتهم... للعم صالح بنت متزوجة وولد عاطل عن العمل يساعده في بيع محاصيل "الغابة" من خضار و ثمار...
كان ذلك اليوم الذي عاد فيه الحاج عبد السلام من الحجاز بعد أدائه العمرة, فارقا في حياة العم صالح حيث ذهب للسلام عليه وتهنئته برجوعه سالما... كان الحاج عبد السلام من كبار الفلاحين في الجهة حج بيت الله و هاهو يعود من عمرته الثانية على التوالي.
حضن الحاج صديقه بحرارة و روى له "حادثة غريبة" حصلت له في البقاع المقدسة حيث جزم برؤيته هناك بشحمه و لحمه بلباس الإحرام طائفا حول الكعبة...بكى العم صالح و دمعت عيون الحضور و تعالى تكبيرهم... مؤكدين أنها إشارة ربانية إلى صلاح الرجل و علو مقامه.
"و هذا الأمر كثير الحدوث في عالمنا الإسلامي و لعله عائد إلى العاطفة الدينية و الزخم الإيماني و حالة التعب و عدم التركيز التي تنتاب بعض الحجيج و المعتمرين ليروا في الآخرين أشباها لمعارفهم وسط نسبة حسابية كبيرة لوجود أكثر من شبيه لمن يستحضرون وجوههم في أذهانهم..."
رجع العم صالح دامع العينين إلى منزله و أوى إلى فراشه... ليوقظه طرق شديد على الباب...إنه الحاج عبد السلام إذ تعود على "المبالغة" في كل شيء, صوت جهوري يكاد يسمع كل من في القرية و طرق على الأبواب يقض "مضاجع الموتى" !
دخل الحاج بيت صديقه, و بعد أن صافحه طلب منه تجهيز بعض الأوراق و الصور الشخصية و أخبره بأنه سيتكفل بذهابه إلى العمرة و أن "معارفه" سيجهزون كل ما يلزم من جواز ووثائق في أقرب الآجال. لم يصدق العم صالح ما يسمع و لا ما يرى, و انتشر الخبر سريعا في القرية وسط فرحة الجميع بعمرة الرجل الطيب.
مرت الأيام مسرعة ليجد العم صالح نفسه وسط الطائرة مهللا و مكبرا و ملبيا "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك". حطت الطائرة في مطار جدة و بعد إتمام الإجراءات الحدودية طوت بهم الحافلة الأرض حاملة معها عريسها بلباس الإحرام الناصع البياض و عبق النبوة يملؤ الأجواء من حوله... "لبيك اللهم لبيك" ردد العم صالح مع المعتمرين و عيونهم تفيض دمعا, و كلما دنت الحافلة من مكة ازداد خفقان قلب الرجل و رعشاته و تعرقه حتى لاحت جبال مكة بلونها المحمر... وراء تلك التلال تختبئ عروس الكون و لؤلؤة الأرض.. هناك الكعبة المشرفة و الحجر الأسود... هناك خطى الأنبياء الكرام و الصحابة العظام...
وصلت القافلة إلى الفندق و العم صالح يرتجف رهبة و يتصبب عرقا كمن يرتقي إلى السماء. سرعان ما وضعوا أمتعتهم و خرجوا قاصدين الحرم المكي الشريف...
كل خطوة يمشونها تقربهم أكثر من "اللؤلؤة المكنونة"... فجأة لاحت أمامهم أسوار الحرم و أبوابه و ساحاته... موج من الناس يملؤ المكان و الحمام يظلل سماءه... بياض الرخام عانق زرقة السماء و صفائها و شعاع الشمس زاد لباس المحرمين نورا و ضياء. أحس العم صالح في تلك اللحظات أن أجنحة الملائكة تحمله ... و استحضر مشهد الرسول عليه الصلاة و السلام يوم فتح مكة, لكأنه يرى غبار سنابك خيل الصحابة و يصغي إلى تكبيراتهم تهز المكان. وما كاد يجاوز "باب السلام" حتى رآها بلباسها الحريري الأسود ... رأى بلالا فوقها يرفع نداءه الأبدي أن حي على الصلاة...رأى طيف إبراهيم الخليل و ابنه إسماعيل عليهما السلام ...رأى خيال أمنا هاجر و هي تسعى بين الصفا و المروة ملتمسة الماء لرضيعها الباكي ...وشم ريح النبي صلى الله عليه و سلم في كل ركن و زاوية..فاضت عيناه دمعا حتى بلل لحيته الخفيفة و علا صوته بالبكاء مكبرا و ملبيا...
حتى استيقظ على صوت زوجته تخبره بأن المؤذن نادى لصلاة الصبح... كان حلما و ياله من حلم...
لا يزال العم صالح في قريته يعيد على مسامع الناس ما رآه تلك الليلة, فهل ستمتد يد كريمة لتطرق بابه ؟ أم أن قدر الفقراء أن لا يروا تلك البقاع إلا على الشاشات أو في المنام...

                                          الصورة لقرية المنشية أين يسكن عم صالح 

 

  • شارك على:
246
 41 ألف فرنسي يموتون بسبب الكحول كل عام معتقلو الرأي في السعودية ينفذون إضرابا عن الطعام 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج