Loading alternative title

كي لا تغضب هنيّة

تاريخ النشر: 2019-04-22 || 10:20

كي لا تغضب هنيّة
سناء حميدات كاتبة وباحثة في الأدب العربي

سناء حميدات

كاتبة وباحثة في الأدب العربي

كتبت سناء حميدات 

 بعض النصوص وفيّة كأصحابها قراءة في "سيرة الطيب ولد هنيّة" للطيب الجوادي الرواية السيرذاتية أو السيرة الروائية فن الغرق في عوالم الذات بكل تفاصيلها المرهقة والمربكة والاستثنائية أو حتى تلك التفاصيل العادية الأقرب إلى المعيش اليومي والذي يشترك فيه طيف كبير من الناس. فنّ يجعل صاحبه يتورّط في تحويل البسيط المعتاد إلى لوحة فنيّة مميّزة تعمل على استفزاز القارئ وشدّه إلى عوالم قد تشبهه وقد لا تشبهه، عوالم تضيق حين يتّسع النص ليستوعب كل الألوان والأفكار وكل البديهيات والخوارق وتوهّج لحظة البوح وانسيابها. وفي اللحظة التي تصير فيها الرواية أمّا رؤوما حاضنة لكل الأشكال التعبيرية وواضعة لكل أصول القول والإنشاء السردي، تسحب القارئ نحوها وتحنو عليه وهي تحاول أن تحجب عنه قسوة هذه الحياة التي جعلته على سبيل الصدفة قارئا في مجتمع تعز فيه القراءة والكتابة. هكذا استقبلتُ "هنيّة" واستقبلتني، هنيّة التي سريعا عرفت كيف تحتلّ مكانها في مكتبتي ومخيّلتي وفي عالم القراءة الذي أنشئه بصبر كبير وبانتقائية عالية. "هنيّة" الأم التي أنجبت الطيب الجوادي والتي يعيد خلقها بالكلمات في "سيرة الطيب ولد هنيّة" هي تلك الأم التي لا تموت والتي تبسط جناحها على كل من حولها ليبدو بذلك فعل الولادة فعل فنّي جمالي ممتددد. "لم تكن هنيّة مجرّد أم : كانت عالمي كلّه. كنت إبنها البكر، وكانت تبادلني حبا عنيفا جارفا، على طريقتها... ولكنها لم تكن تسمح لأمومتها أن تُظهرها في مظهر المرأة الضعيفة المترددة، لذلك كانت حريصة كل الحرص أن تعاملني بحزم هو أقرب للقسوة والشدّة، وأدنى للضعف منه للرحمة والمحبة. وكم كان عقابها شديدا ومرّا وقاسيا. كانت معروفة في كل القرية بصلابتها وتشددها المفرط في كل ما يخص منظومة القيم المتعارف عليها وقتها." هذه الأم التي احتلّت من السيرة صدرها منذ عتبة العنوان حتى آخر كلمة من سرد توزّع على حوالي 240 صفحة، مثّلت أيقونة مثقلة بأعباء الذات الساردة وهمومها التي لا تكاد تنتهي والتي لزمته وأَلزمته صفة الشقاء منذ ولادته : هل يوجد حلم مستحيل ؟ في قريتي الكافيّة النائية، في الستينات، كنّا على درجة من الفقر والتخلّف وانعدام أدنى مقوّمات الحياة لدرجة أن مجرّد الحلم بالوصول للسيزيام يثير السخرية والشفقة. كان حلم هنيّة الموغل في الطوباوية بمقاييس ذلك الزمن أن أواصل دراستي حتى الكاتريام، لأتمكّن من فكّ الخطّ، وأكون قادرا على كتابة الرسائل لوالدي المهاجر في ليبيا، ويوم جئتها بالكرني (بطاقة الأعداد) وفيه أنني نجحت للسنكيام (السنة الخامسة من التعليم الابتدائي)، زغردت وحمدت الله وأمرتني بذبح فرّوج دجاج تقرّباً للأولياء الصالحين، همست لي والدنيا لا تسعها من الفرح : "توة، انجم نموت مرتاحة، توة تهنيت عليك، ضمنت مستقبلك." كما أعلمتني أنه بإمكاني ترك الدراسة والتفرّغ لرعي بقرتنا الوحيدة وشُوَيهاتنا، ولكنّها غيّرت رأيها وطالبتني بإكمال السنكيام : بش تولّي باهي في السوري وتنجم تحكي مع التوريست. وبقي الحلم يتمدد حتى نِلت الإجازة، وهي لا تصدّق أن ولدها الطيب الذي وِلِد وعاش في كوخ، ولم تمنحه الحياة أي موهبة استثنائية وحرمته من كل المباهج والكماليات، استطاع أن يشقّ طريقه وينال نصيبا من العلم، لا يتفوّق فيه عليه إلا بورقيبة أو الباهي الأدغم." ولعلّ أبرز ما يشدّك في سيرة ولد هنيّة أنها لا تتعالى على الواقع إلا لتحلّق به بعيدا بأجنحة من خيال واسع رحب يهزأ بحدود اللحظة ومحدوديّة الفضاء : "تعالت الزغاريد في منزل عمر الجوادي ذات ربيع من سنة 1962. المولود البكر ذكر. وهذا من فضل الله وفضل الوليّ الصالح "سيدي حميدة بالخضر" الذي حنّ أخيرا على مريدته هنيّة التي طالما أغرقته بالنذور وأوقدت الشموع على ضريحه في مقامه المنتصب بجلال في سفح "كاف الراعي" " لا يغيب عن نصوص ولد هنيّة هذا الطابع الساخر المغلّف بالوجع حينا وبلذة الشغف والشوق أحيانا كثيرة، تتجرّد وأنت تقرؤه من ذلك الطابع الاستعلائي الذي يصبغ العديد من النصوص خاصة منها السيرذاتية، إذ يعمد الكثير من كُتّاب السيرة إلى تنميق لغتهم والحرص على إضفاء جمالية مبالغ فيها أحيانا لإرضاء نرجسية غير مبرّرة. الأمر الذي تفطّن له صاحب السيرة فنأى عنه، أو لعلّه يملك من قيم التصالح مع الذات القدر الذي يكفي كي يصوّر لنا واقعا موغلا في القتامة بأسلوب مرِن ماتع، دون أن يغفل عن تعرية بعض الهِنات والظواهر الاجتماعية البائسة التي كانت تعشّش في قرية أخذ منها الفقر والبؤس كل مأخذ : "وُلِدتُ لأسرة فقيرة كل همّها تحصيل قوت يومها، في قرية نائية أغلب الظنّ أنّه لم يسمع بها علماء الجغرافيا ولا علماء التاريخ : قرية ملقاة في زاوية مهجورة من هذا الكون، لا يميّزها شيء عن بقيّة القرى المحيطة بها ولم يهبها الله جمالا خاصا ولا حباها بنعمة، يعيش أهلها على زراعة الحبوب ينتظرون حولا كاملا كي يحصدوا ما يقيم الأود". وقد كان منسوب الشقاء يتعزّز مع كل معطى جديد أو مكون قصصي أو تخييلي أو عنصر من عناصر الحكاية أو شخصية أو فضاء ومع كل تفصيل مهما كان بسيطا، وكأننا بولد هنيّة إنما يدعّم بذلك الحضور الأيقوني المشع لأمّه التي انبنت عليها السيرة حرفا بحرف وكتبها الجوادي بنبضه في كل كلمة. هذه المرأة التي لم تدع للفراغ مجالا يتسلل به ولدها إلى عوالم أخرى قد تبدو قصيّة وقاسية فقط لأنها لم تكن من نسجها ولا هي بهواها. ولعل أبرز ما يكرّس هذه الصورة الاستثنائية اللامعة لهنيّة، هو تلك الصورة التي رسمها الجوادي لأبيه، ذلك الرجل الجبلي القاسي والجاف والمُغيَّب بسبب الفقر والمأساة التي تعيشها الأسرة : " أبي، لا أذكر أنه ضمّني إليه، أو أجلسني في حجره، أو تحدث إلي بحنو وتفهم، أو سألني إن كنت أشكو من شيء. كان والدي فلاحا من الشمال الغربي حُرم من والدته وهي في ريعان شبابها فتزوج والده، وتشرد إخوته واضطروا أن يتدبروا حياتهم بوسائلهم الخاصة : يرعون الأغنام تارة، يفلحون الأرض أو يمتهنون مهنا بسيطة. هذه الطفولة البائسة القاسية منحت الوالد صلابة وقدرة على التعويل على الذات ومجابهة تصاريف الحياة بقلب لا يلين، وعزيمة تفلّ الحديد، ولكنها كانت وابلا علينا نحن أبناؤه." ومع ذلك، ورغم كل الشقاء الذي كُتِب عليه، نجح الطيّب، من حيث لم يشأ وشاءت هنيّة، في أن يكون شخصا ناجحا متعلّما مثقّفا وكاتبا، ونجح في تحويل منسوب الغضب والنقمة على بيئته وفقره المتقع إلى طاقة إبداع وخلق لا ينافسه عليها أحد من أبناء جيله : " لم يكن ممكنا لأسرتي الفقيرة أن توفر لي أكثر من قلم رصاص وأقلام زينة، وكنتُ مولعا بالأساس برسم الأزهار، أرسمها في كل موضع متاح : على مقعد الدراسة، على السبورة عندا يغادر سيدي القسم، وعلا الطين الطري الذي كانت تجلبه هنيّة من جنبات الوادي لتصنع منه أواني الفخار، وعلى رمل النهر، وعلى ثيابي، وعلى ذراعي وعلى سور المدرسة، وفوق اسفلت الطريق، وحيثما وجدت زهرة مرسومة في أي مكان يصرخ الجميع : هذي صوّرها الطيب." هكذا إذن طالعتنا السيرة، نص استثنائي في مسيرة الطيب الجوادي خاصة أنه مثل باكورة أعماله من جهة، وأنه مرتبط بشخصيّة هنيّة الأم والصاحبة التي لا يجفّ عطرها من جهة أخرى. نص يتركز على الحقيقة وينشغل بها في كل أبعادها. ولا يتردد صاحبه في كشف هِنات الواقع وخيباته وقذاراته وقتامته وهزّات الذات وانفعالاتها وحماقاتها وسذاجتها وطموحاتها، وقد أدهش نص السيرة قرّاءه في دقته المتناهية، وواقعيته الفوتوغرافية، وذكاء الجوادي في نقل أدق تفاصيل الحياة اليومية والإغراق في وصفها. إضافة إلى عنصر الحيوية، والانسياب في القص، إذ كان مندمجاً فيما يكتبه، يبعث فيه الحركة والحيوية والتنوع، وإثارة حب الاستطلاع والتشويق.

  • شارك على:
182
 عبو مرشح التيار للانتخابات الرئاسية القادمة بن سالم: المنظومة التربوية يجب أن تحارب عقلية ضد النجاح 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج