Loading alternative title

العدالة الانتقالية في تونس..غياب الجلاد وحضور الضحية

تاريخ النشر: 2019-05-10 || 11:44

العدالة الانتقالية في تونس..غياب الجلاد وحضور الضحية

أيام قليلة وتنهي هيئة الحقيقة والكرامة أعمالها بعد تسليم آخر ضحية قرار جبر ضرره. فقد أكدت رئيسة الهيئة سهام بن سدرين أن هيئتها المثيرة للجدل ستنهي أعمالها بحلول 31 ماي الجاري.

واليوم الجمعة، تشرع هيئة الحقيقة والكرامة في تسليم أرشيفها إلى مقر مؤسسة الأرشيف الوطني بإشراف رئاسة الحكومة.

وبقرب انتهاء أعمال الهيئة تطرح أسئلة كثيرة من قبيل: هل حققت الهيئة أهدافها التي وضعت من أجلها؟ إلى أي مدى يمكن القول إن مسار العدالة الانتقالية في تونس قد نجح إذا ما تمت مقارنته بتجارب أخرى على غرار جنوب إفريقيا ورواندا؟ هل تمت فعلا المصارحة والمصالحة أم أن الأمر اقتصر على سرد عذابات الضحية؟

أهمية الهيئة..الوحيدة التي تشكلت في دول الثورات

تعد تونس الوحيدة من بين دول الربيع العربي التي أولت اهتماما لمسألة العدالة الانتقالية وقامت بتشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة" سنة 2013. وفي تاريخ الدول العربية، تعد هذه الهيئة الثانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد "هيئة الإنصاف والمصالحة" المغربية، التي أنشأها الملك محمد السادس، عام 2004، للتحقيق في انتهاكات لحقوق الإنسان، خلال عهد والده، الحسن الثاني.

انطلق مسار العدالة الانتقالية في تونس عبر جلسات استماع سرية لضحايا الاستبداد، هذا إلى جانب أكثر من 14 جلسة علنية بثت على القناة الوطنية الأولى، تم فيها الاستماع لأكثر من 200 ضحية. وانطلقت المحكمة الابتدائية في تونس، مؤخرا، في إحدى قضايا العدالة الانتقالية المتعلقة بالتعذيب لناشطات من حركة النهضة في أقبية وزارة الداخلية في تسعينيات القرن الماضي.

في جانفي 2019، سلمت الهيئة تقريرها الختامي إلى رئيس الجمهورية، كما سلمته في وقت لاحق إلى رئيس الحكومة، ورئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر. ويعد تسليم التقرير تطبيقا لما جاء في الفصل 67 من قانون العدالة الانتقالية، الذي يقضي بأن تقدم الهيئة تقارير إلى كل من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب.

وينص الفصل 70 من القانون المنظم للعدالة الانتقالية على أن تتولى الحكومة، خلال سنة من تاريخ صدور التقرير الشامل عن الهيئة، إعداد خطة وبرامج عمل لتنفيذ توصيات ومقترحات الهيئة، وتقديم خطة وبرنامج إلى المجلس المكلف بالتشريع لمناقشتها.

ومعلوم أن العدالة الانتقالية مهمة في تاريخ الشعوب التي عاشت الحروب والاضطهاد، ذلك أنها تسمح بتضميد جراح الماضي عبر كشف الحقيقة والمصارحة، لتتوج لاحقا بالمصالحة التي تسمح للشعوب بالإقدام على المستقبل دون ضغائن أو كراهية.  

غياب الجلاد..وبكاء الضحية

وفي تقييم أولي لمسار العدالة الانتقالية في تونس يرى مراقبون أن هذا المسار تميّز بغياب الجلاد والاكتفاء بالاستماع لشهادة الضحية، وذلك خلافا لتجربة جنوب إفريقيا مثلا حين اختلطت دموع الجلاد بدموع الضحية. ففي تونس اكتفينا بمشاهدة دموع الضحية في حين غابت رواية الجلاد لما حدث.

وأمس الخميس، وخلال حضوره جلسة للنظر في إحدى قضايا العدالة الانتقالية المتعلقة بالتعذيب لناشطات من حركة النهضة،  للإدلاء بشهادته، انتقد زعيم حركة النهضة راشد  الغنوشي عدم حضور المتهمين في القضية. وقال : "دائما يأتي الضحايا، بينما قفص الاتهام يبقى دوما خاليا (…) ربما نحتاج إلى تطوير القانون نفسه بما يشجع المتهم على الحضور عندما يأمن على نفسه أنه ليس معرضا لقضاء بقية عمره في السجن. فنحن نريد عدالة انتقالية فيها كشف للحقيقة ووضع الترتيبات الكافية حتى يأمن أولادنا ألا تتكرر الجريمة وأن لا يمروا بنفس المعاناة وأن يعتذر الجلادون للضحايا وأن يعبروا عن ندمهم، ومقابل ذلك يقع تشجيع الضحية على السماحة والعفو باعتبار العفو قيمة إسلامية وإنسانية عليا، وتتولى الدولة جبر الضرر بما أن الجرائم ارتُكبت باسمها".

وأضاف الغنوشي: "لم يكشف بالقدر المطلوب عن هذا الجانب من مأساة المرأة النهضاوية وما طالها من قمع وحصار وتجويع وتنكيل، وقد كان أزواجهن وأبناؤهن يتنقلون بين السجون من الشمال إلى الجنوب والعكس بالعكس بما جعل رحلة عذاب المرأة الزوجة والأم والأخت رحلة شاقة (…). نريد من العدالة الانتقالية أن تنتهي إلى غاياتها وهي المصالحة بين الضحية والجلاد".
انتقادات كثيرة للهيئة

واجهت هيئة الحقيقة والكرامة عديد الانتقادات. ويعد رئيس الحكومة يوسف الشاهد من بين أبرز المنتقدين للهيئة ورئيستها. إذ اتهم الشاهد بن سدرين بإفشال مسار العدالة الانتقالية في تونس وتقسيم التونسيين.

وفي ديسمبر 2018، قال رئيس الحكومة إن شخصية بن سدرين شخصية غير توافقية وساهمت في تشنج الأجواء. كما اتهم الشاهد بن سدرين بتسييس الهيئة.

من جانبها، اعتبرت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، أن حكم رئيس الحكومة يوسف الشاهد على عمل الهيئة بالفشل، حكم سياسي وليس مؤسساتي وموضوعي.

كما أعلن الشاهد في وقت سابق أن "الحكومة تعتزم اقتراح مسار آخر، عبر مشروع قانون لاستكمال مسار العدالة الانتقالية، حتى يتم تحقيق المصالحة الشاملة، وكشف الحقيقة، ورد الاعتبار".

نجاحات تحسب للهيئة

كشفت هيئة الحقيقة والكرامة، عن وثائق وحقائق حول الاستغلال الفرنسي للثروات الباطنية التونسية منذ فترة الاحتلال قبل عام 1956 حتى اليوم.

ووفق الوثائق التي كشفتها الهيئة فإن السلطات الفرنسية قامت بوضع تشريعات، عشية إقرارها استقلال تونس، سمحت لها باستغلال الثروات التعدينية التونسية، وضمان وضع يدها على تلك الثروات.

وقامت فرنسا، بحسب الهيئة، بتكوين شركات بلغ عددها 10 شركات منحتها حقوق استغلال الحقول النفطية والمناجم، وعقود استغلال ورخص تنقيب عن النفط والغاز، واستغلال الملح، لمدة 99 سنة، مع إعفاء هذه الشركات من الضرائب والإتاوات، أبرزها شركة "سيرابت وايراب"، وشركة "كوتيسال" التي تستخرج الملح في منطقة الجريد جنوبي تونس سعر متدني.

يذكر أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد أعلن عدم تمديد اتفاقية الملح.

وقالت هيئة الحقيقة والكرامة في بلاغ حينها أن "هذه الاتفاقيات تؤكد حرص فرنسا على إبقاء صلاحيات استعمارية في دولة مستقلة، كما لم تضمن الحقوق الدنيا لحماية مصلحة تونس".

وأكدت الهيئة أن الدولة التونسية لم تقم منذ الحبيب بورقيبة وحتى ما بعد الثورة بمراجعة هذه الاتفاقيات وتحسين مردوديتها، أو منح عقود الاستكشاف إلى شركات أخرى بشروط أفضل.

كما كشفت الوثائق أن اتفاقية الاستقلال الداخلي، "تضمنت فصلين لم يتم إلغائهما في اتفاقية الاستقلال التام، وتتضمن تمتع فرنسا، في إطار "حمايتها لمصالحها الاستعمارية"، بالتزام الدولة التونسيّة بمنح حق الأفضلية للمشاريع الفرنسية في رخص التنقيب والاستثمار، وعدم قدرة الدولة التونسيّة على تغيير آجال العقود والاتفاقيات ورخص التنقيب الاستثمار الممنوحة للشركات الفرنسية إلا بموافقة الطرف الفرنسي".

وشدّدت هيئة الحقيقة والكرامة في توصياتها على "تفكيك نظام الفساد والقمع والدكتاتورية" داخل المؤسسات لضمان عدم العودة إلى الخلف ومواصلة نهج الديموقراطية.

كما كشف تقرير الهيئة عن تسلّم عدد من الإعلاميين والصحافيين مبالغ مالية مقابل إنجاز تقارير دعائية لنظام بن علي، ومن هؤلاء الإعلاميين من هو حاضر الآن في المشهد الإعلامي.

 

  • شارك على:
78
  • الوسوم:
 بطولة الرابطة المحترفة الاولى :برنامج مباريات الجولة الثانية و العشرين بسبب الحصار..الدوحة تدعو السعودية لإزالة "العراقيل" أمام حجاجها 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج