Loading alternative title

هلوسة في المحكمة

تاريخ النشر: 2019-05-12 || 15:06

هلوسة في المحكمة
سليمان الريسوني صحفي مغربي

سليمان الريسوني

صحفي مغربي

كتب سليمان الريسوني 

سأعود مضطرا إلى الحديث عن أجواء جلسات محاكمة الزميل توفيق بوعشرين، الذي وجدتني أقاسمه الإحساس نفسه، بل أيضا التعبير نفسه عن ذلك الإحساس؛ هذه ليست جلسات محاكمة، بل حصص تعذيب نفسي. وأحدس أن هيئة المحكمة تشعر بالشيء نفسه، عندما أرى رئيسها يضطر إلى التدخل عشرات المرات، وبامتعاض واضح في ملامح وجهه، منبها، وباستعطاف أحيانا، بعض المحامين إلى أنهم يترافعون خارج الموضوع والسياق، مع أن الوقت متأخر. فماذا يكون ردهم؟ يستمعون إلى القاضي، ثم يستمرون في هلوساتهم العابثة بتقاليد المحاكمات وبالقانون. وإذا كان المراقبون الحقوقيون قد اعتادوا، في المحاكمات الكبرى، ترديد عبارة: «لقد شنَّف الأستاذ الفلاني أسماعنا بدرس في القانون وحقوق الإنسان»، فيجوز لنا، اليوم، أن نقول: «لقد نشَّف هذا النوع من المحامين أسماعنا من كل معنى قانوني أو حقوقي؛ فلم نعد نسمع سوى هلوسات بلا حدود». ويشهد الأستاذ الصديق، عبد المولى المروري، كيف أجبته، عندما عاتبني على عدم حضوري إحدى الجلسات، بأن الإنسان لا يلام فوق طاقته، وأنني لا أقوى على متابعة كل هذا الكم من الإسفاف والهلوسة… ومع احترامي لكل الأساتذة الذين يقدمون مرافعات قانونية متوازنة، فإنني، كنت عدة مرات، وأنا أسمع بعض المرافعات، أردد هذا البيت المنسوب إلى المتنبي: «لكلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَّبُّ بِهِ.. إلَّا الحَمَاقةَ أعيتْ مَن يُداويهَا».

تصور معي أيها القارئ، الذي لا يحضر جلسات هذه المحاكمة، محاميا يصف قرارا صادرا عن فريق تابع للأمم المتحدة بـ«الكواغط»، ويطالب المحكمة بإتلافه ضمن ما تتلفه من مخدرات محجوزة. ثم يأتي زميل له في الهلوسة، ويتهم الأمم المتحدة وفريقها الخاص بتلقي الرشاوى لإصدار القرار الذي اعتبر اعتقال الصحافي، توفيق بوعشرين، غير قانوني، وطالب بإطلاق سراحه. ثم يتدخل زميل ثالث لهما ويقول إن سيدة من أصل جزائري هي التي كانت وراء إصدار ذلك القرار. ثم يتبعه رابع ويطالب باعتقال المحامين الذين لجؤوا إلى الفريق الأممي. ويعقبه مهلوس خامس ويطالب الأمين العام للأمم المتحدة بطرد خبراء الفريق الأممي الذي اعتبر اعتقال بوعشرين تعسفا وطالب بالإفراج عنه… فهل هناك عبث أكبر من هذا العبث؟ شخصيا، لا أعتقد أن محاكمة من المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب، على امتداد تاريخه الحديث، عرفت مثل هذا الكم من الهذيان والهلوسة.

ولو كان هؤلاء المحامون يملكون ذرة من رجاحة عقل لنظروا حواليهم ليروا أن من اعتبروا اعتقال بوعشرين غير قانوني، أو من قالوا إنه سياسي، هم مئات من أبرز الحقوقيين والسياسيين والمثقفين المغاربة، يتقدمهم ابن عم الملك، الأمير مولاي هشام، ورئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، والحائزة جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، خديجة رياضي، وشيخ الحقوقيين عبد الرحمان بنعمرو، وواحد من أبرز علماء الأنثربولوجيا في العالم عبد لله حمودي… فهل جرى إرشاء هؤلاء أيضا؟ وهل أرشى بوعشرين «أمنستي أنترناشيونال»، ومنظمة «مراسلون بلا حدود»، و«لجنة حماية الصحافيين في العالم»، ومنظمة «AFD» الدولية لحقوق الإنسان، لكي تقول إن هذا الصحافي المغربي معتقل من أجل كتاباته وليس من أجل شيء آخر، وإن اعتقاله غير قانوني ويجب وضع حد له بإطلاق سراحه؟

فمن يدعم، في المقابل، أطروحة هذه الماركة من المحامين؟ تدعمها الجهة التي مولتهم بمئات الملايين، والتي لاتزال مجهولة، ويدعمهم الحزب الذي كلف إحدى عضواته بالتأليف بين قلوبهم وبين جيوبهم، لأنه كما قال المحامي والقيادي الاستقلالي، محمد الخطار: «قد نكون أغبياء إذا نحن صدقنا أن الصدفة جمعتكم في هذا الملف». لكن السؤال الذي يظل معلقا هو: هل الجهة الممولة لهؤلاء المحامين هي التي طلبت منهم اعتماد منهجية الهلوسة المقصودة في مرافعات الاستئناف، لأنها كانت تعرف أن دفاع بوعشرين سيكون، عكس المرحلة الابتدائية، مدعوما بقرار أممي قوي وبكثير من التقارير الصادرة عن كبرى المنظمات الحقوقية في العالم، وبالتالي، فإن أحسن ما يمكن أن يقوم به هؤلاء المحامون هو تتفيه النقاش حول موضوع الاعتقال التعسفي لتوفيق بوعشرين، وتشنيج الجلسات، والتشويش على باقي المرافعات المتماسكة، ودفع أصحابها إلى الدخول معهم في اشتباكات ومناوشات لفظية، وفي الأخير، دفع هيئة المحكمة إلى تشكيل قناعتها من خارج هذه المرافعات وتلك الوثائق المؤسسة على القوانين المغربية والمواثيق الدولية؟

لقد كنت أتمنى من الجهة التي تحرك خيوط هذا الملف أن تدعو محاميها المهلوسين إلى التأدب بآداب مهنة المحاماة في كعبة المغرب القانونية والحقوقية، فرنسا، ليس في وقتنا الراهن، بل قبل 8 قرون. لنقرأ هذه الفقرة من نظام فيليب الثالث، الخاص بالمحامين، والمؤرخ بـ23 أكتوبر 1274: «يتعهد المحامي بعدم إزعاج جلسات المحكمة، وألا تكون مرافعاته طويلة أو غير مضبوطة أو لا علاقة لها بالموضوع». فما الذي ينقص بعض محامينا ليكونوا مثل نظرائهم الفرنسيين من القرن الثالث عشر؟ عليهم أن يتوقفوا عن تناول «قرقوبي» الجهل القانوني واستسهال الكلام في حضرة المحكمة.

  • شارك على:
106
 الشاهد: أي اتفاق لا تكون فيه تونس رابحة لن يتم إمضاؤه رياح بقوة 90 كل/س قرب السواحل والمرتفعات ومثيرة للرمال بالجنوب 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج