Loading alternative title

الغنوشي ورحلته إلى باريس ... سياسيا ومفكّرا

تاريخ النشر: 2019-05-19 || 16:39

الغنوشي ورحلته إلى باريس ... سياسيا  ومفكّرا
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي

لا شكّ أنّ زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، سيعود منشرح الصّدر بحصاد زيارته إلى فرنسا التي استغرقت أسبوعا كاملا. فتونس تتهيّأ لانتخابات تشريعية ورئاسية في نوفمبر القادم، لا يمكن لباريس أن تستهين بها، ولا يمكن للنهضة أن تزهد هي الأخرى في التنسيق مع أحد أهمّ شركاء تونس الإقتصاديين وإحدى أهمّ القوى الدولية المؤثرة فيها.

فقد ظلّت علاقة باريس بالإسلاميين شائكة ومعقّدة، تقضّ مضجع كلا الطرفين منذ عقود. فكيف إذا تعلّق الأمر بحركة النّهضة التونسية، التي أفرزتها رياح الربيع العربي؟ فهي أحد أهمّ دعائم استقرار تونس الجديدة، وأهمّ حزب سياسي مؤثّر، نجح في الحفاظ على قوّته ووحدته، في ظل وضع سياسي جدّ متقلّب، عصف بكلّ ما سواها من الأحزاب التونسية، فانقسمت شضايا تذروها الأحداث المتلاحقة، فلا تستقر على قيادة، ولا تحافظ على تحالف، ولا تثبت على برنامج.

قوّة العلاقة بين البلدين وأهمّيتها، جعلت علاقة باريس بحركة النّهضة بالغة الحساسية، نظرا لما كان يحظى به نظام الإستبداد من دعم ورعاية فرنسيين، وبسبب نظرة فرنسا التقليدية للحركات الإسلامية.

هذا ما دفع السلطات الفرنسية إلى إعادة النّظر فيها، ومراجعتها بناء على خصوصية حركة النّهضة، وعلى التطورات الحاصلة في تونس وبلاد المغرب العربي والعالم. وفرضت على النّهضة الحرص على تمتين علاقاتها مع مختلف شركاء تونس الإقليميين والدوليين.

هذه العلاقة بدأت بعد الثورة، ولكنّها ظلّت متواضعة، ولا تخلو من الشك والريبة والإرتباك، لأنّ نخبة عهد الإستبداد الذي قامت عليه الثورة التونسية، كانت فرنسية الثقافة والهوى. فكيف تتخلّى نخبة عن امتيازاتها، خصوصا إذا زاحمتها في القيادة نخبة من ثقافة ومرجعية مختلفتين؟ وحصلت رغم ذلك اتصالات ولقاءات بين قيادة حركة النهضة وباريس، أساسها القبول بالآخر كواقع وليس اختيارا. ولكن تطوّرات الواقع فرضت على كلا الطرفين إعادة النّظر فيما كان يعتبره من المسلّمات.

ولا شكّ أنّ ثقل العلاقات الإقتصادية والتجارية والثقافية أيضا، بين تونس وفرنسا، والقرب الجغرافي، فرض على باريس ضرورة التعرّف والإقتراب من حركة النّهضة، كما فرض على النّهضة التقارب مع باريس. فمصالح البلدين متشابكة، وإذا كانت السياسة لا تقول بالعدوّ الدائم، ولا بالصديق الأبدي، فللمصالح منطقها وحكمها.

وقد شهدت باريس اللقاء التاريخي بين كلّ من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، والباجي قائد السبسي مؤسس حزب "نداء تونس"، في صيف 2013، واتفاقهما التاريخي على التوافق، الذي حكم به حزباهما البلاد منذ انتخابات 2014 إلى اليوم.

والغنّوشي ليس فقط رجل سياسة، فهو قبل ذلك مفكّر إسلامي، تجاوز تأثيره الفكري البلاد العربية، وقد ترجمت كتبه إلى مختلف لغات المسلمين، وانتشر فكره وحاضَرَ في ماليزيا وأندونيسيا وباكستان والهند وتركيا وإيران، وكذلك في دافوس بسويسرا، ومنتدى حوار المتوسط بروما … وأخيرا في المؤسسة الفرنسية للعلاقات الخارجية  (Ifri). كما أنّه أحد أهمّ منظّر لتيّار"الإسلام الديمقراطي" ورمزه السياسي.

بهذه الأبعاد الثّلاثة: الحزبي والسياسي والفكري، زار الغنوشي باريس، والتقى نخبة مهمّة من مسؤوليها السياسيّين ونخبتها المثقفة.

أمّا عن باريس، فهي تعتبر الوضع في تونس من أهمّ اهتماماتها، لأنها مستعمرتها القديمة، وبلاد بورقيبة، الوفيّ لقيمها وثقافتها، الذي بنى تونس الحديثة على عينيها، ولأنّ تونس رائدة في حركات التغيير والإصلاح العربيين، ولكون فرنسا الشريك الإقتصادي والتجاري الأول لتونس.

لذلك، كانت تونس ما بعد الثّورة، أوّل بلد يزوره أهمّ المسؤولين الحكوميين الفرنسيين، بعد دول الإتحاد الأوربي، وعلى رأسهم الوزير الأول ووزير الخارجية.

أمّا إقليميا، فإنّ باريس جدّ قلقة من تطورات الأوضاع المتسارعة في كلّ من ليبيا والجزائر، الجارتان الشرقية والغربية لتونس، واللتان للغنوشي فيهما علاقات تساعد في فهم ما يجري فيهما، و من ثمّة إمكانية الإسهام الإيجابي في الإنتقال الديمقراطي فيهما، أو على الأقلّ تجنّب حصول الأسوأ.

فباريس بالخصوص، ودول الإتحاد الأوربي عموما، تخشى وبشكل جدّي من انفلات العنف واستعصاء الحلّ السياسي للوضع في كلا البلدين، لأنّ انعكاسات ذلك ستؤثّر عليها بشكل مباشر، وخصوصا مسألتا الهجرة والإرهاب. وإذا كانت باريس حريصة على تجنّب الفوضى في كلّ من ليبيا والجزائر، فإنّها أحرص على ألاّ ينفلت الوضع السياسي أو الأمني الهشّ في تونس. لذلك، كان طبيعيا أن تنسّق مع النّهضة، لأنّها حافظت على تصدّرالأحزاب التي تحظى بثقة الناخبين، منذ سقوط نظام بن علي إلى اليوم.

لقد حاول خصوم النّهضة، وباستماتة، إقناع باريس بضرورة التخلّص من النّهضة، واعتبارها تنظيما دينيا منغلقا، وعنيفا. وتناوب على زيارتها ومقابلة كبار مسؤوليها، عدد غير قليل من التونسيين، فضلا عمّن تعاون معهم في تحقيق هذا الغرض. ولكن الواقع خانهم، فبقيت توسّلاتهم تسوّلا سياسيا مهينا، خارج عن سياق التاريخ، ومعاكسا لتطورات الأحداث، ومناقضا للمصلحة وصادما للتحولات التي يعرفها العالم.  

مقابل ذلك، حافظت النّهضة على هدوئها، وعقلانية خطابها، ورفضت الرد على مختلف الإستفزازات التي استهدفتها، بالتمسّك بالتوافق خيارا استراتيجيا للمرحلة الإنتقالية. كما رفضت لغة الإقصاء، ولم تعامل بها من مَرَدَ على استعمالها معها. وها هي تونس تقف على أبواب انتخابات تشريعية ورئاسية، هي الثالثة بعد الثّورة، ويجمع المراقبون، و مراكز سبر الآراء، على أنّ النهضة مهيّأة لتحتفظ بالمرتبة الأولى فيها. لذلك، تحرص القوى الإقيمية والدولية على الإتصال بقيادة حركة النّهضة، والإطّلاع على رؤيتها لأهمّ القضايا الوطنية والإقليمية والدولية، وتمتين العلاقة معها.

فقد كانت للغنوشي خلال الأسابيع القليلة الماضية لقاءات مع المسؤولين الألمان، والإيطاليين والبريطانيين، والأمريكيين، وحتّى الصينيين. فكيف تزهد النّهضة أو باريس، في العلاقة بين تونس وفرنسا، ولعلاقات البلدين عمقها التاريخي وتأثيرها السياسي وامتدادها الإنساني؟

لذلك، وجّه الفرنسيون إلى الغنوشي رئيس حركة النهضة، دعوة رسمية لزيارة باريس، ووُضِع العلم التونسي إلى جانب العلم الفرنسي في اللقاءات، والتقى مع المستشار الديبلوماسي للرئيس ماكرون، أورليان لوشوفاليه، ومع كاتب الدولة للخارجية جان بابتيست لومواني، ومع طاقم إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية، ومع لجنة الصداقة الفرنسية التونسية بالبرلمان، ورئيسها جيروم لمبار، ومع جان بيار رفاران، الوزير الأول الأسبق ورئيس منظمة "قادة من أجل السلام"، ومع جان بيار شوفانمان، الوزير الأسبق ورئيس مؤسسة ريسبوبليكا Fondation Respublica، ومع  رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشار، ومع مستشار رئيس الحكومة للعلاقات الخارجية، ايمانويل لينان، وعدد آخر غير قليل من المسؤولين ورجال الفكر والثقافة.

كما ألقى الغنوشي محاضرة في المؤسسة الفرنسية للعلاقات الدولية IFRI، وهي مؤسسة تتخير بعناية فائقة من يتحدّث فيها، وتحدث هناك عن الثورة التونسية وتحديات الإنتقال الديمقراطي.

نخبة من صنّاع القرار الفرنسي، تحدّثوا واستمعوا إلى الغنوشي، الذي يرفع شعار التوافق في الحكم، ويقول إنّ حكم الحزب الواحد أصبح في عالم اليوم من الماضي. الغنوشي الذي يقول إن الوطن مُقدّم على الحزب، وأنّ العنف والإرهاب لا يمكن إلحاق الهزيمة بهما إلا بالديمقراطية، وأنّ الإسلام لا يُزهرإلاّ في ظلّ الحرية والتعدّد، وأنّ الاستقطاب السياسي والايديلوجي يدمّر استقرار الدول، وأنّ الإستمرار في الديمقراطية أفضل وأولى من الإستمرار في الحكم، وأنّ خيار التوافق والتسويات، هو البديل الممكن والوحيد عن خيار الحروب الاهلية والفتن وإعادة بناء أسس التعايش والاستقرار، وأنّ أيّ تجربة ديمقراطية ناشئة تحتاج بالضرورة إلى تجميع القوى الوطنية البنّاءة، وتحقيق المصالحة، عبر الحوار والإنصات والتنازلات المتبادلة والتوافقات.

خطاب سياسي جديد حمله الغنوشي إلى باريس، سمعه الفرنسيون منه مباشرة وبدون عنعنة، وأصبحت عباءة "الإسلام السياسي" في حقّه وحقّ حركته، أقرب إلى التشويه منها إلى الوصف والتعريف. وأمام حركة النّهضة وفكر الغنوشي من جهة، وصناع القرار في باريس، مسافة زمنية، تسمح لكليهما بتصحيح النظرة وتطوير العلاقة، بشكل لا يشطب الفوارق والخلافات، ولكن ينظّمها ويساعد في فهم الآخر، و تفهّمه أيضا. فهل تفتح هذه الزيارة صفحة جديدة في العلاقة بين الجانبين، وتفتح عيني فرنسا على صوت قادم من الجنوب، يختصر عليها الطريق في فهم كثير مما جري ويجري في الضفة الجنوبية والشرقية من المتوسّط؟ ويفتح عيني النّهضة، وأبنائها والمتعاطفين معها وكلّ من يستأنس برؤيتها، على واقع لا مناص لها من التعامل معه؟

  • شارك على:
1470
 بعد الحادث الذي خلف 3 قتلى.. أهالي ساقية الزيت يغلقون السكة الحديدية التونسي محمد ظريف يتوج بجائزة أفضل ممثل سينمائي عربي لسنة 2018 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج