Loading alternative title

نهاية وثيقة قرطاج ..

تاريخ النشر: 2018-09-17 || 13:08

نهاية وثيقة قرطاج ..
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي

كان تصريح نور الدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، يوم السبت الماضي بأنّ "وثيقة قرطاج انتهت، والبرلمان هو الإطار الأنسب لإدارة الحوار الاجتماعي والإقتصادي والسياسي" إعلانا صريحا عن وفاة وثيقة قرطاج، والعودة إلى الشرعية الدستورية. فقد انتهت الوثيقة منذ أزيد من شهرين، لكنّ أحدا لم ينطق بذلك. وتأكّدت وفاتها إثر اللقاء الذي جمع رئيس الدولة برئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، إذ لم يصدر عن أيّ من الجانبين ما يفيد بحلحلة الخلاف الحاصل حول الإبقاء على يوسف الشاهد رئيسا للحكومة، أو إعفاءه من منصبه. فالنّهضة لا ترى داعيا لتغيير الحكومة مادامت المدة المتبقية عن الانتخابات القادمة سنة واحدة. والرئيس يريد أن يتخلّص من رئيس الحكومة، كحلّ يراه ضروريا لترتيب البيت الداخلي للنّداء.

قرطاج بدل باردو

في البداية، في مطلع مارس الماضي، جمع رئيس الدولة الأطراف الممضية على وثيقة قرطاج، لتحيينها بما يناسب المرحلة. وبعد ثلاثة أشهر من العمل، ولدت وثيقة قرطاج 2 وهي تضمّ أزيد من مائة مقترح، وقع اختصارها فيما بعد في 63 مقترحا، أجمع عليها المشاركون في تلك الإجتماعات. ثمّ أضيفت إليها نقطة أخرى، تبيّن فيما بعد أنّها هي مربط الفرس بالنسبة لنداء تونس، واتحاد الشغل، ورئاسة الجمهورية، وتتعلّق بإعفاء رئيس الحكومة وتشكيل حكومة جديدة. وعندما اعترضت بعض الأطراف على النقطة الأخيرة التي لم تكن مدرجة في المناقشات السابقة، قرّر الرئيس تعليق المشاورات حول وثيقة قرطاج 2. وتبيّن أنّ كلّ الإجتماعات التي عقدت والجلسات التي جمعت عددا غير قليل من الخبراء، لم تكن سوى مدخل لتمرير عزل رئيس الحكومة، أو بلغة أصحّ، تحويل وجهة تغيير الحكومة إلى قصر الرئاسة في قرطاج بدل مجلس نواب الشعب في باردو، كما ينصّ على ذلك الدستور.

خلال تلك الفترة، كانت الخلافات داخل "نداء تونس" تحتدّ وتعبّر عن نفسها من خلال عناوين وواجهات مختلفة. واكتشف التونسيون أنّ اجتماعات قرطاج، لم تكن تهدف سوى للتغطية عن خلاف داخلي يعيشه "نداء تونس". وقد عبّر رئيس الحكومة عن ذلك بالتصريح الذي لا يحتمل التأويل، في خطابه الذي بثّته التلفزة التونسية مساء يوم 29 ماي الماضي، عندما اتّهم المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، الذي هو نجل الرئيس السبسي، بتدمير الحزب وقيادته نحو الخسارة.

وثيقة قرطاج التي انتهت في طبعتها الأولى بعزل رئيس الحكومة الحبيب الصيد في أوت 2016، فشلت نسختها الثانية في عزل يوسف الشاهد في صائفة 2018. فقد اعترضت كلّ من حركة النّهضة وحزب المسار واتحاد الفلاحين، على تشكيل حكومة جديدة، قالوا إنها لن تستطيع أن تفعل شيئا ذا بال في القضايا الأساسية التي تعاني منها البلاد، خلال عام واحد. وقالوا إن إعفاء الحكومة بيد مجلس النواب وحده، وأنّ على من يطلب ذلك التوجه إلى المجلس في باردو.

نهاية وثيقة قرطاج

يبدو أنّ وثيقة قرطاج، في نسختيها الأولى والثّانية، لم تكن سوى أداة صناعية لبثّ الحياة في مشهد حزبيّ لم يكن منذ بدايته سويّا. فهي وسيلة جيء بها للتعويض عن تحكيم مجلس نواب الشعب في مثل هذه القضايا. فعوض أن تُعرض الحكومة على المجلس ليمنحها الثقة أو يرفضها، أحدثت وثيقة قرطاج، لتجمع أطرافا سياسية واجتماعية تتولّى توفير الدّعم للحكومة، فتظهر للرأي العام أنّها محلّ وفاق، ويسهل تمريرها في المجلس بأغلبية مريحة. وقد نجحت هذه الآلية في إسقاط حكومة الحبيب الصيد في اوت 2016، وفشلت مع حكومة الشاهد الآن. ولعلّ من أهمّ أسباب نجاح آلية وثيقة قرطاج الأولى وفشل الثانية، أنّ الأولى كانت تفصلها عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ثلاث سنوات ونصف، وهي مدّة تعتبر معقولة لتستقرّ حكومة جديدة وتباشر عملها، أمّا في الثانية، فإنّ مدّة سنة واحدة لا تكفي حتى لترتيب الانتخابات القادمة، فضلا عن التأثير في ملفات مستعصية ومعقّدة، يدرك الجميع أنّها تحتاج إلى وقت وجهد غير يسيرين.

الأمر الثاني هو الحال التي كان عليها "نداء تونس" مع وثيقة قرطاج الأولى، وما هو عليه مع نسختها الثانية. فقد تكاثرت انقساماته وتفرّقت أصواته، واحتدم الصراع بين مديره التنفيذي، ورئيس الحكومة الذي هو واحد من قياديّيه.

باييلا حزبية

الباييلا "Paella" لفظ يعني بالإسبانية البقايا. وهي أكلة إسبانية شهيرة، يقع فيها جمع بقايا أكلات مختلفة وغير متجانسة، من خضر ولحم وسمك وأرز، فتوضع في صحن واحد، وتؤكل. ويقال إن فقراء الأندلس كانوا يلجأون إلى جمع ما يتركه الملوك والأمراء من أطعمة، فيخلطونه ويأكلونه. وبذلك نشأت هذه الأكلة.

في تونس، ليست لدينا باييلا الأكلات، ولكن باييلا الأحزاب. فقد عاجلت الثّورة ذوي الطموحات الحزبية، الذين منعتهم دولة الإستبداد من أن ينشطوا سياسيا وينشئوا أحزابا، فسارعوا إلى إنشاء أحزاب ليخوضوا بها الإنتخابات، قبل أن تتوفّر لهم الظروف المناسبة والملائمة. فوجدنا أنفسنا أمام أحزاب هي أقرب  إلى الباييلا في تركيبتها.

يبدو أنّ حزب "نداء تونس" غير بعيد عن هذه الصورة.  فقد ولد وهو يحمل عوامل تلاشيه.

فقد جمع شخصيات سياسية جدّ متباينة إلى حدّ التناقض، في تفكيرها وقناعاتها وماضيها وطموحاتها. وغاب عنها التجانس في أيّ شيء، سوى الحرص على تصدّر المشهد السياسي. ولئن نجح الباجي قائد السبسي في تجميع هذه الشخصيات عند بداية مشواره، فإنّ الكثير ممن انضموا إليه، سارعوا إلى الإنشقاق عن الحزب، تحقيقا لزعامة سياسية يطلبونها، ولرؤية اكتشفوا أنّ نداء تونس لا يمكن أن يحملها. فقد جمعتهم في البداية انتخابات سنة 2014، ثم أدرك كثير منهم وبسرعة، أنّ تحقيق رغبته من خلال حزب النداء غير ممكن، فأنشأوا لهم أحزابا جديدة، مازالت تتناسل إلى اليوم. وفضّل آخرون البقاء داخل الحزب، رغم وقوفهم على الإختلافات التي بينهم، فمضوا يوسّعون رداء الحزب لما يرون، حتّى تمزّق، ولم يعد أحد يعرف حقيقة ما بقي من هذا الجسم، ومدى قدرته على تطوير رؤيته، وانفتاحه على بقية التونسيين.  

النداء وأسئلة المرحلة

لا شكّ أنّ تجربة مؤسس "نداء تونس" الباجي قائد السبسي، وخبرته ودهاءه السياسيين، ساعدا الحزب كثيرا في التماسك والإستمرار إلى اليوم، ولكنّها فيما يبدو، غير قادرة على أن تمنحه حياة سياسية تجعله قادرا على مواجهة قضايا البلاد، وانتزاع قبول التونسيين به حاكما أو مشاركا في الحكم.

فلغة الرئيس المؤسس، وابنه حافظ، النافذ في الحزب، لا تساعدهما في تجميع الناس حولهما. وقد عبّر عن ذلك الكثير من القيادات التي انسلخت عن الحزب. كما أنّها لا تساعدهما في بناء تحالف قادر على الصمود، أمام وضع بالغ الصعوبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. والمتأمّل في ممارسات كلا الرجلين، يدرك بسهولة، أنّهما لم يؤمنا بعد بوقوع ثورة في تونس، أو لنقل حصول تغيير سياسي نوعي، يفرض على من أراد نيل ثقة التونسيين وحكمهم، أن يصغي السمع لطموحاتهم وانشغالاتهم وآمالهم.

  فقد استحوذ حزب النداء بقيادة السبسي، على رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس النواب، وأهم وزارات السيادة، في الوقت الذي يشاركه في الحكم أربعة أحزاب سياسية. وتناسى مجلسَ النواب، الذي يمنحه الدستور وحده صلاحية عزل رئيس الحكومة، وأنشأ "وثيقة قرطاج" بدلا عنه. بل إنّ السبسي أشاد بنتائج عمل "لجنة الحريات الفردية والمساواة" في الوقت الذي يعلم فيه أنّ أزيد من 90 بالمائة من التونسيين يرفضونه، حسب ما أفاد به سبر للآراء لم تعد نتائجه سرّا على أحد !

فمتى كان الإنفراد بالرأي يعبّد الطريق إلى الحكم، في بلد أسقط نظام الإستبداد بدماء شبابه؟ وهل تنفع حملات شيطنة المنافسين لدى الجيران والقوى الإقليمية والدولية، في تحقيق أحلام لا يتحمّلها الواقع؟  

لم تكن وثيقة قرطاج، سوى حلقة من مجموعة من الآليات مقطوعة الصلة بالدستور والشرعية، جيء بها كأداة صناعية لتبثّ الحياة في مشهد سياسي مبنيّ على معادلة غير سليمة. وكذلك كان حزب "نداء تونس" الذي نُفخ فيه، ليملأ فراغا سياسيا مازال بحاجة إلى من يملأه. لكنّ هذا الحزب الذي علّق عليه الكثيرون أملهم في أن يحدث توازنا سياسيا، تونس بأشد الحاجة إليه، مازال بعيدا عن تحقيق ذلك.

القياديون الذين غادروا النداء، قالوا إنّ قيادته تصمّ آذانها عنهم. وإذا صمّت قيادة النّداء آذانها عمّن منحها ثقته وصوته، فكيف إذن يكون حال مطالب بقية التونسيين؟

 نحن اليوم على أعتاب انتخابات رئاسية وتشريعية. وثمّة إجماع لدى التونسيين بأنّ البلاد بحاجة إلى كيان حزبي يجمع الطاقات، ويحقّق التوازن السياسي. وما أبعد "نداء تونس" عن تحقيق ذلك. فالبناء السياسي والحزبي، لا يكون بالأماني، وإنّما بالإستجابة لشروط موضوعية، من بينها إنتاج خطاب سياسي يجمع الطاقات ويبعث الأمل ويطمئن الناس، ويقدّم حلولا واقعية تخفّف من معاناة التونسيين.

ولعلّ من أوّل هذه الشروط، الإقرار بأنّ العالم تغيّر، وأنّ دولة الإستبداد سقطت، وأنّ إخفاء الحقائق أصبح غير متاح، وأنّ تونس كانت منطلقا لشعار "الشعب يريد".

  • شارك على:
334
 الجزائر :ائمة وسياسيون يرفضون دعوة حزب معارض إلى المساواة في الميراث سفير ليبي سابق: عبثوا بجثة القذافي وألقوه في فرن 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج