Loading alternative title
الأخبار

هل تونس بحاجة إلى اتفاقية الأليكا

تاريخ النشر: 2019-05-29 || 14:20

هل تونس بحاجة إلى اتفاقية الأليكا
أ. د. رضا الشكندالي أستاذ الإقتصاد بالجامعة التونسية

أ. د. رضا الشكندالي

أستاذ الإقتصاد بالجامعة التونسية

كتب د. رضا الشكندالي 

خلاصة

يعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتونس منذ عديد السنوات، فهو يستقبل حولي 74% من الصادرات التونسية وتونس تورّد تقريبا 53% من حاجياتها من الاتحاد الأوروبي. غير أن موازين القوى بين الطرفين تبدو غير متكافئة لعقد شراكات تبادل حر خاصة في الوقت الحاضر حيث لا يزال الاقتصاد التونسي في طور التشكل. ولم يتم تقييم لا اتفاق الشراكة الأولى لسنة 1995 الخاصة بالقطاع الصناعي قصد التأكد من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية على تونس ولا مشروع الاتفاقية الجديدة "الأليكا" وآثارها المنتظرة على قطاعي والفلاحة والخدمات. ومع التراجع المستمر للعملة التونسية مقابل الأورو وضعف إنتاجية الفلاح التونسي مقارنة بنظيره الأوروبي، تصبح شروط المنافسة الشريفة بين الطرفين غير متوفرة على الأقل في الوقت الحاضر. وليست من مصلحة تونس المرور مباشرة إلى الإمضاء قبل تأهيل القطاع الفلاحي عبر إستراتيجية وطنية تعتمد على هذا القطاع كقاطرة للنمو الاقتصادي وتهدف الى إدماج الشباب المتعلم عبر تمكينه من الأراضي الدولية وتطوير سلاسل القيمة للمنظومات الهامة، كزيت الزيتون قصد المحافظة على قطاع له ارتباط قوي بأمننا الغذائي وبالسيادة الوطنية لتونس.

مقدمة

يدخل مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق مع الاتحاد الأوروبي جولته الرابعة في المفاوضات مع السلطات التونسية. وقد أبدت أطرافا عديدة تخوفاتها من التسرّع في إمضاء هذه الاتفاقية ومنها الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وخاصة الإتحاد العام التونسي للشغل، كما وصفه بعض الخبراء بالاستعمار الجديد الذي يخوّل للاتحاد الأوروبي السطو مجدّدا على الثروات التونسية. بينما تعتبره بعض الأطراف القريبة من رجال الأعمال فرصة لتحسين مناخ الأعمال وتطوير التشريعات الى المستوى الأوروبي لمزيد دفع الصادرات التونسية وجلب الاستثمارات الأوروبية المباشرة، وبالتالي لدفع النمو الاقتصادي. وبالرغم من تباين الآراء حول الانعكاس الاقتصادي والاجتماعي للأليكا في مجملها كمشروع اتفاقية للتبادل الحر، فقد أجمع جل الخبراء على أن الفلاحة التونسية ستكون المتضرر الأول إن أمضت تونس هذه الاتفاقية في الأيام القليلة القادمة.

الاطار العام للأليكا

الأليكا، كمشروع اتفاق للتبادل الحر الشامل والمعمّق يهدف إلى توسعة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين تونس والاتحاد الأوروبي قصد مزيد إدماج تونس في السوق الداخلية الأوروبية لتفعيل المرتبة التي تحصلت عليها خلال سنة 2012 كشريك مميّز للاتحاد الأوروبي. ويعرف هذا الاتفاق بالشامل لأنه امتداد لاتفاق الشراكة الذي أبرمته تونس مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 والذي بدأ بالصناعات المعملية قصد تعميمه على قطاعي الفلاحة والصيد البحري والخدمات. وهو كذلك اتفاق معمّق لأنه يتطرق إلى عديد الجوانب التفصيلية ومنها حماية الاستثمارات الأجنبية و تحسين سلامة المنتجات الصناعية لتسهيل التجارة والصحة والصحة النباتية والصفقات العمومية والملكية الفكرية غيرها من المحاور الهامة المدرجة في هذه الاتفاقية. وقد كانت تونس قد أمضت في 17 يوليو 1995 اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي تتعلق بالمجال الصناعي حيث دخلت حيز التنفيذ في 1 مارس 1998. تهدف هذه الاتفاقية الأولى إلى إنشاء منطقة تجارة حرة بين تونس والاتحاد الأوروبي، أصبحت بمقتضاها المنتجات الصناعية الأوروبية الداخلة إلى تونس معفاة تماما من الرسوم الجمركية منذ 2008. وفي نوفمبر 2012، منح الاتحاد الأوروبي، مرتبة الشريك المميّز لتونس بمقتضى اتفاقية أمضاها الطرفان، هيأت الى بدأ التفاوض حول اتفاق الأليكا في سنة 2015. وقد تقدمت المفاوضات بين الطرفين لتصل الى جولتها الرابعة والحاسمة.

على الورق، اتفاقية الأليكا تحفّز الاستثمار وتنمّي التجارة الخارجية

من يدافعون على مشروع الأليكا، يعتبرونه فرصة سانحة لتونس لمزيد الاندماج في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي وتفعيل صفة الشريك المميز الذي منحه الاتحاد الأوروبي لتونس سنة 2012. فالأليكا تعطي لتونس إمكانية تحسين المنظومة التشريعية المتعلقة بالمناخ التجاري والاقتصادي عبر التقليص من العوائق غير الجمركية وتبسيط وتسهيل الإجراءات الديوانية وتحسين شروط نفاذ المنتجات والخدمات إلى كل من السوق التونسية والأوروبية على حد السواء. كما تمكّن الأليكا المنتجات والخدمات التونسية من النفاذ السهل الى سوق أوروبية تضم أكثر من  500 مليون مستهلك. ومن بين فصول هذه الاتفاقية ما يمكّن تونس من تحسين ظروف الاستثمار والمناخ العام للأعمال بفضل إرساء أطر قانونية مستقرة ومشابهة لقوانين الاتحاد الأوروبي والتي ستمكّن الاقتصاد التونسي من تحسين جودة منتجاته ممّا سيعود بالمنفعة على المستهلك التونسي من ناحية وعلى المؤسسات المصدّرة من ناحية أخرى بما أنه يمكّنها من اقتحام أسواق أخرى كالأسواق الآسيوية أو الأفريقية بمنتجات تستجيب إلى المعايير الدولية.

لكن المتأمل في تقديرات المؤسسات الدولية حول آفاق النمو في العالم، يلاحظ تقهقر الشركاء الأوروبيون لتونس في المراتب العالمية مقابل تقدّم كل من الصين والهند واندونيسيا والبرازيل وتركيا. ففرنسا، الشريك الأول لتونس، ستتقهقر من المرتبة العاشرة عالميا في إنتاج الثروة إلى المرتبة 12 مع حلول عام 2050 وستتراجع ألمانيا من المرتبة الخامسة الى المرتبة التاسعة وإيطاليا من المرتبة 12 الى المرتبة 21. فتغيّر الخارطة العالمية لمنتجي الثروة في العالم في قادم السنوات يستدعي المزيد من الحذر قبل الإقدام على إمضاء مثل هذه الاتفاقيات. فمن مصلحة تونس أن تنوّع في شراكاتها بالتوجّه نحو البلدان التي تحقق نسب نمو عالية تضمن بها حصصا إضافية في السوق العالمية عوضا عن الاكتفاء بشركاء لم يتمكنوا من تحقيق نسب نمو قادرة على امتصاص الصادرات التونسية  ولا من استثمارات في قطاعات واعدة قادرة على امتصاص البطالة من أصحاب الشهادات العليا.

تونس ليست مهيأة لإمضاء اتفاقية الأليكا

لا يزال الاقتصاد التونسي في هذه المرحلة الحساسة في حالة التشكل ولم تندرج السياسات الاقتصادية المنتهجة من طرف الحكومات ما بعد الثورة في إطار رؤية اقتصادية واضحة حيث أن ضغوطات التوازنات المالية الداخلية والخارجية خاصة في السنوات الأخيرة لم تمكن تونس من استرداد أنفاسها لتنخرط في اتفاقات مصيرية. علاوة على ذلك فإن العلاقات الدولية ومحاولات ربط الشراكات من طرف الدول العظمى لا تخلو من أطماع اقتصادية. فمع اشتداد المنافسة على الساحة الدولية خاصة مع الصين والولايات المتحدة تتسارع الدول على ضمان حصصها من السوق والاتحاد الأوروبي يريد من خلال هذه الاتفاقية أن يسبق منافسيه على ضمان حصصه من السوق التونسية. فبينما تشتكي تونس في هذه الفترة من تذبذب المشهد السياسي وتراجع أغلب المؤشرات الاقتصادية،  تمر أوروبا بفترة الاستقرار وهي تبحث على إنعاش اقتصادياتها بالبحث عن أسواق أخرى ممّا يجعل من توقيت الإمضاء غير مناسب بالمرة. فالعلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي غير متوازنة وغير متكافئة، وهو ما يجعل بلادنا في وضعية غير مريحة عند التفاوض علاوة على أن شروط المنافسة الدولية بين تونس والاتحاد الأوروبي ليست متوفرة بالمرة.

والملفت للانتباه أن الطرف التونسي دخل هذه المفاوضات الجديدة دون القيام بعملية تقييم موضوعي للاتفاقيات السابقة مع الاتحاد الأوروبي ومنها اتفاقية الشراكة الممضاة في سنة 1995والمتعلقة بالمجال الصناعي، فهناك من يعتبرها قد أضرت بالنسيج الصناعي التونسي ومن يعتبرها أسهمت في تطويره. لكن حسب الدراسة التي أعدتها المؤسسة النمساوية للبحوث في مجال التنمية، فإن إمضاء اتفاق الأليكا يمكن أن يتسبب في خسارة ما بين نصف نقطة الى نقطة ونصف في معدّل النمو الاقتصادي في تونس والحال أننا لم نتوصّل في بداية هذه السنة الى تحقيق إلا 1.1% كنسبة نمو اقتصادي للثلاثي الأولى لسنة 2019.

وما يزيد في إثارة الشكوك حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاتفاقية، تعليق المغرب والأردن ومصر للمفاوضات مع الجانب الأوروبي حول القطاع الفلاحي نظرا لأن التبادل الحر في المجال الفلاحي له تداعياته الخطرة على مجتمعاتهم بما أن الفلاحة غير قادرة، في الوقت الحاضر، على منافسة نظيرتها الأوروبية.

الفلاحة، المتضرر الأكبر من اتفاقية الأليكا

يعتبر تحرير قطاع الفلاحة مجازفة خطرة تتطلب أولا، معرفة ماذا ستربح بلادنا وماذا ستخسر قبل الانطلاق في المفاوضات. فهناك من يرى ان تداعيات الأليكا خطيرة في مجال تربية الأبقار وزراعة الحبوب ومشتقاته، وهو ما قد يخلف أزمات اجتماعية جديدة قد لا تقدر تونس على إدارتها في الوقت الحاضر. ويمكن القول أن شروط المنافسة الدولية غير متوفرة في الوقت الحاضر خاصة في القطاع الفلاحي نظرا لعدم تكافؤ شروط المنافسة بين الطرفين. فالجانب الأوروبي يتمتع بعملة قوية مقارنة بالدينار التونسي الذي لم يتوقف عن الانزلاق ممّا يزيد في تكلفة الفلاح من مستلزمات وآلات يورّدها من الاتحاد الأوروبي بأغلى الأثمان مقارنة بالفلاح الأوروبي الذي يمكن له أن يصدّر منتجاته الى تونس ويحقق أرباحا طائلة من جراء تراجع الدينار التونسي.

والملفت للانتباه أن الاتحاد الأوروبي يدعّم الفلاح على مستوى الإنتاج بينما تدعّم تونس الفلاح بالحماية الجمركية على المنتجات الفلاحية الأوروبية حيث أن الرفع التدريجي للأداءات الجمركية سوف تكون فيه تونس خاسرة على مستويين. المستوى الأول يتمثل في الضرر الذي  سيلحق الفلاح التونسي الذي يجد نفسه غير مدعّم مقابل فلاح أوروبي مدعّم على مستوى الإنتاج ممّا يجعل من المنافسة غير متكافئة بين الطرفين تخرج منها الفلاحة التونسية خاسرة بامتياز. أما المستوى الثاني، فيخص موازنة الدولة حيث أنها ستتضرر من جراء رفع الأداءات الجمركية وهو ما ستكون له عواقب خطرة على التوازنات المالية وخاصة المديونية العمومية.

ولا مجال للمقارنة بين الفلاح التونسي والفلاح الأوروبي في مجال الإنتاجية، فإنتاجية الفلاح التونسي ضعيفة جدا مقارنة بالفلاح الأوروبي خاصة وأن نسبة التأطير في الفلاحة التونسية تساوي 1.4%، هي الأضعف من بين كل القطاعات الاقتصادية. فالأغلبية المطلقة للفلاحين في تونس هم من صغار الفلاحين لا يمتلكون أراضي شاسعة يمكن أن تستوعب التكنولوجيا الحديثة وهم كذلك من المستوى التعليمي الضعيف علاوة على كبر سنهم وأغلبهم قد تجاوز الستين سنة. فالدراسات حول القطاع الفلاحي تبيّن أن 80% من الفلاحين التونسيين يمتلكون أقل من 10 هكتارات و80% من المربين يمتلكون أقل من 10 أبقار.

الخاتمة

نظرا لعدم توفر الشروط اللازمة للمنافسة بين الاقتصاد التونسي، في قطاعيه الفلاحة والخدمات، والاقتصاد الأوروبي، فإن إمضاء اتفاقية الاليكا في الوقت الحاضر لا يمكن لها أن تخدم إلا مصالح الاقتصاد الأوروبي بالحصول على حصص سوق إضافية لسلعه وخدماته. أمّا  الجانب التونسي، فهو سيكون الخاسر الأول من حيث الانعكاس السلبي على موازنة الدولة من جراء رفع الأداءات الجمركية وعلى الفلاحة التونسية التي قدّمت لتونس ما بعد الثورة الكثير بالرغم من أوجاعها وآلامها، فنسب النمو المرتفعة التي تميّزت بها أسهمت في المحافظة على نمو اقتصادي إيجابي بالرغم من ضعفه.

  • شارك على:
1
 رئاسة الحكومة تعلن عطلة بثلاثة أيام بمناسبة عيد الفطر وزير التجارة يتخبط في قراراته العشوائية.. ومطالب بإقالته 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج