Loading alternative title

رمضان وفرص التواصل الضّائعة

تاريخ النشر: 2019-05-29 || 19:04

رمضان وفرص التواصل الضّائعة
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي 

درج العرب والمسلمون على الإستفادة من أجواء شهر رمضان المبارك، بتخصيص حيّز مهمّ منه في صلة الرّحم والتزاور ومدّ يد العون للفقراء والمحتاجين. فهو شهر التواصل بامتياز: التواصل مع الخالق، طاعة له وطلبا لمغفرته ورضاه، ومع من نعيش من الناس، تمتينا لعرى القرب والمودّة، وتجاوزا لخلافات وقعت ورواسب سوء فهم حصل، وتودّدا لقريب أو جار أو صديق. فهو شهر كسر الشهوات ووأد الخلافات والأحقاد، وإصلاح ذات البين.

تساءلت وأنا أشاهد تبادل الأسر لما لذّ وطاب من الأطعمة في هذا الشهر المبارك، إذا كان هذا شائعا وحاضرا في بيوتنا، فلماذا يغيب عن أحزابنا وسياسيينا؟ لماذا تستمرّ لغة التنابز وليّ الأذرع وإشاعة اليأس لدى كثير من الساسة حتى في شهر الصيام والرحمة؟ لماذا نفوّت هذه الفرصة وبلادنا بأشدّ الحاجة إلى تخفيض منسوب التنافر والتنابز بين أحزابها؟ متى تنجح نخبتنا في توظيف مناسبات دينية ووطنية لمدّ الجسور والتخفيف من حدّة التوتّر فيما بينها وإرساء ثقافة الحوار؟ لماذا لا يجتمعون، حتى لللإفطار معا وفقط، فيتبادلون التحية، ويبتسمون في وجوه بعضهم البعض، ويأكلون ويشربون، ثم ينصرفون؟ فيوفّرون لنا صورة تجمعهم بدون خصومة وأحقاد، كخطوة أولى قابلة للتطوير والإثراء؟ لماذا يبحث سياسيونا على نقاط الإختلاف مع منافسيهم، ولا يفكّرون ولو مرّة في السّنة، في البحث عما يجمعهم؟

ثقافة البحث عن الإختلاف وصناعة الخصومات، ثقافة مدمّرة، منهكة، بل ساحقة. وهي خطر على من يمارسها قبل غيره. فلماذا يبذل كثير من سياسيينا الجهد ويمضون الوقت في تحقير غيرهم والبحث بكلّ السّبل عمّا يصرف الناس عنه، ويشوّه صورته؟ وينسجون الأكاذيب والمؤامرات، ويعقدون الندوات بل المؤتمرات، للنّيل من خصومهم، بدل البحث عن حلول جادة لقضايا تؤرق المواطن وتنهك الوطن؟

المفروض في من يحترف العمل السياسيّ أن يخدم الناس ويبحث عن حلول لمشكلاتهم. والمفروض في الأحزاب السياسية أن تجمع الناس حول مصلحة البلاد وتجمع الجهود للبناء وليس للهدم.

عدد غير قليل من الأحزاب عندنا، تعلن عن ميلادها بمعركة طاحنة، تستبيح فيها مصالح الوطن وقِـيَمه، وأعراض الناس وذممهم. وتبدأ أنشطتها بوليمة سبّ وتجريم وشيطنة، وإعلان قطيعة مع من تعتبره خصمها. فتنشر القلق وتعمّم اليأس في نفوس الناس.

تبحث عن ملفّ أو قضية اجتمعت حولها أحزابنا، فيرهقك البحث ولا تظفر بجواب. القيادات الحزبية المسؤولة التي تحترم نفسها وشعبها، تقوم بدور وطني ولو كانت في المعارضة ومن أشدّ المنافسين للحكم. فقضايا الوطن كثيرة ومتشعّبة، وحاجاته عديدة ومتنوّعة، وكلّ ذرّة من الجهد تفيد. فكيف تعجز أحزاب عن وجود ملفّ أو قضية تفيد فيها بلادها، وتولّي وجهها قبل الخصومات والأحقاد؟

الأمر لم يتوقّف عند العجز عن الإفادة، بل تعدّاه إلى محاولة وضع العراقيل أمام من يفيد.

يعتبرون كلّ مصلحة يقضيها غيرهم، ولا يعود ريعها عليهم وحدهم، شرا مستطيرا يجب  التخلّص منه.

وزير خارجيتنا، أزعجته موائد الإفطار وبعض المساعدات الغذائية التي تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية في رمضان، فاجتمع بالسفراء يحذّر، وخاطب الجمعيات يتوعّد، وكأنّ مدّ يد المساعدة لفقرائنا، يجب أن يمرّ عبره هو وحده، ووفق تعليماته، وإلاّ اعتبرها خطيئة يجب تجنّبها.

وزير التجارة، وهو الفلاح وأستاذ الفلاحة، وعضو المكتب التنفيذي السابق في اتحاد الفلاحين، يستورد البطاطا بالعملة الصّعبة، دون أن يتشاور مع اتحاد الفلاحين الذي يعتبر إنتاجنا منها وفيرا ولا نحتاج إلى استيرادها. درسٌ كبير يقدّمه في التواصل، مع من تفرض عليه وظيفته الحكومية والوطنية التشاور معهم، ومراعاة مصالحهم! ورئيس حكومة، يتدخّل في كلّ الوزارات، دون أن يُعلِم الوزير المعنيّ مباشرة بالأمر. وكانت آخر فتوحاته، تمكين بدرة قعلول الصادر في حقها حكم قضائي بالسجن، والمتّهمة في قضية تجسّس خطيرة، فتأتي التعليمات إلى مسؤولي المطار ليُسموا لها بالسّفر، رغم صدور برقية تمنعها من مغادرة البلاد.

لله ما أكثر فتوحات السياسيين التونسيين في شهر رمضان المبارك! وما أحرصهم على التواصل فيما بينهم لتجاوز مختلف الإشكالات! وما أجرأهم على قوانين البلاد وحقوق المواطنين.

ما يحصل مع زيارات الغنوشي إلى الخارج، يعبّر هو الآخر بوضوح عن هذا المرض العضال الذي ينخر بعض نخبتنا وسياسيينا، وآخرها زيارته إلى فرنسا قبل أسبوعين.

صحيح أنّ هذه الزيارة وغيرها، تفيد النّهضة، ولكنها تفيد بلادنا بالأساس. فاطمئنان شريكنا الإقتصادي والتجاري الأوّل إلى أكبر وأقوى حزب سياسي، من شأنه أن يعبّد الطريق لتعاون أوسع وأفضل. ودعوة الغنوشي للمستثمرين الفرنسيين والألمان والأتراك وغيرهم، ستحصد تونس والتونسيون ثمارها. لكن أولوية بعض السياسيين والأحزاب، ليست خدمة البلاد أوّلا، ولكن تشويه النّهضة وإضعافها ومحاصرتها قبل أيّ شيء آخر. لذلك، بدأ هؤلاء حملتهم على زيارة الغنوشي، قبل أن تطأ أرجل الرجل فرنسا. بدأوها حال صعوده الطائرة، عندما تولّت سيّدة التهجم عليه وشتمه، فتلقّفوا ما قالت، وقاموا بتعميمه منشرحين، ولم يلقوا بالا إلى صمته عنها وصبره عليها، ثم أغمضوا بعد ذلك أعينهم عما جرى في تلك الزيارة من لقاءات. فالذي يعنيهم منها، هو فقط قدح امرأة فيه. وكانوا قبل ذلك قد أوفدوا وفودهم، أو بالأحرى انتدبوا وكلاء، إلى باريس وواشنطن والرياض وغيرها، ليس لحلّ مشكل تعاني منه البلاد، ولكن للتحذير من الغنوشي وحزبه وجماعته.

وكلّما قام الغنوشي بزيارة بلد، ملأوا الدنيا بالصراخ والعويل: لماذا سافر إلى هناك وقابل المسؤولين؟ لو كانت لبلادنا نخبة تحسن توظيف علاقاتها لصالح البلاد والدولة، لكانت حالنا أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم. ولو كان لتونس خمسة رجال من نوع الغنوشي، أو خمسة أحزاب في حجم النهضة، لكانت حالنا غير التي نحن عليها. التواصل مع الآخر، صناعة لا يتقنها إلاّ القليل، وفنّ يحتاج إلى عقل مبدع، وثروة لا تقاس بثمن.

التواصل مع الدول والقوى الإقليمية والدولية، شأن المتمرّسين في السياسة، ويحتاج إلى أدوات وثقافة لا يدركها المبتدئون. والذي لا يتقن فنّ التواصل مع أبناء جلدته، لا يمكنه فعل ذلك مع من هو أبعد.

التواصل طريقة حياة، وتربية على التعايش، وقبول بالآخر. وهو أيضا إرادة لسماع الآخر وتعديل الرؤية بناء على ما عنده، وحرص على تغييره بناء على ما ستقدّمه إليه.

فإذا انعدمت إرادة القبول من الآخر، فَقَدَ التواصل غايته.

مازال بعض سياسيينا يؤمن بثقافة القطيعة ويروّج لها، وتستهويهم سياسة الوجه العابس والجبين المقطّب. ومازال هذا البعض يُعرض عن مصافحة مخالفيه، فضلا عن الجلوس إليهم والقبول منهم

وقوّة السياسي إنما تقاس بقدرته على التواصل مع مخالفيه وخصومه، فإذا ضعفت هذه القدرة أو انعدمت، فهي إعاقة مُخِلّة، وضعف قاتل وفشل ماحق. وإذا تجاوز انعدام القدرة إلى غياب الإرادة أصلا، فإنّ عقلا استبداديا يتربّع هناك، ولغما مزروعا يتربّص بالديمقراطية.

حلّ شهر الرحمة والمغفرة، وموسم التواصل والتصالح، ولم نر بعد - ونحن في آخر أيامه - لقاء يخفّف من وحشة الخطاب السياسي الإستعدائي والإقصائي المهيمن على الساحة. وها هي الأحزاب تمعن في التشظّي، وتوغل في ثقافة الأنا وإقصاء الآخر. نعم حضر الكرم وسعة الصّدر والقبول بالمختلف، ولكن في الموائد والبطون، وليس في برامج الأحزاب وتحرّكات السياسيّين، إلاّ من رحم ربّك. ولله في خلقه شؤون.

  • شارك على:
226
 الخطوط التونسية تحذف 200 رحلة منتظمة خلال هذه الفترة حقيقة توقيف بدرة قعلول 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج