Loading alternative title

في الثقافة الحزبية للنّهضة

تاريخ النشر: 2019-06-18 || 21:53

في الثقافة الحزبية للنّهضة
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي

في الوقت الذي يُشهِرُ فيه المتنازعون في الجبهة الشعبية أسلحتهم فيما بينهم، ويستعمل فيه شقّا نداء تونس طاقاتهما، للطّعن في شرعية الشقّ الآخر من نفس الحزب، يتبادل أبناء حركة النّهضة التهاني، بانتهاء انتخاباتهم الداخلية لإفراز مرشحيهم للبرلمان القادم، وتقدّمهم الملفت في حفاظهم على ديمقراطيتهم الداخلية التي جنّبتهم ما يعاني منه منافسوهم في أحزاب سياسية كثيرة.

ثقافتان حزبيتان، بالغتي التناقض، تتقاسمان الأحزاب السياسية في تونس، وتفعلان فعلهما فيها. لكن، لكلّ من الثقافتيْن أحزابها ورجالها، وهما تسيران في خطّين متوازيين لا يلتقيان.

ويمكن تصنيفهما إلى أحزاب ما قبل الثورة، وما بعدها. لكلّ من الفريقين أهدافه وثقافته وأدواته. هذا ما كشفته الإستعدادات الجارية للإنتخابات الرئاسية والتشريعية المقرّر إجراؤها في الخريف القادم في تونس.

لكنّ الصورة البارزة في المشهد الحزبي اليوم، هي صورة حركة النّهضة من جهة، وصورة الأحزاب التي قدّمت نفسها للداخل كما للخارج، منافسا للنهضة وخصما سياسيا لها، وهي بالأساس الأحزاب التي أنشئت على أنقاض الحزب الدستوري الحاكم في عهد الإستبداد، وأحزاب اليسار الماركسي.

تقاتل الإخوة الأعداء

فقد أصدر حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، بيانا يوم أمس الأحد، قال فيه إنّ حمه الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، رفض كلّ محاولات حلّ أزمة الحزب ومنع الإنقسام ولمّ الشمل، واشترط على الوفود التي توسّطت بين الطرفين المتنازعين "إصدار بيان يرشحه (ترشّح حمه الهمامي) للانتخابات الرئاسية"، ورفض أيّ طريقة أخرى لتجاوز الخلافات.

وحمّل حزب الوطد في بيانه، مسؤولية ما حصل في الجبهة الشعبية، لحمه الهمامي، واتّهمه بممارسة "الغدر والمخاتلة والتصميم على الاستيلاء على الجبهة الشعبية، ورهنها لفائدة شخص، وليس لمناضليها ومناضلاتها ومختلف مكوناتها".

وأضاف البيان، أنّ الهمامي أدمن اختصار الجبهة الشعبية في شخصه، وأنّه في سنة 2013 "أقدم خلسة على طلب تسجيل شعار الجبهة الشعبية بالمعهد الوطني للمواصفات الملكية الصناعية، كملكية فردية خاصة به، وليس بصفته مفوضا قانونيا من قبل مختلف مكونات الجبهة الشعبية".

هذا المقتطف من بيان حزب الوطنيين الديمقراطيين، ليس سوى صورة مصغّرة، من الحالة الحزبية السّائدة في تونس، في أحزاب ما بعد الثّورة. أحزاب تتآكل في كلّ موسم انتخابي، لتولد من فتاتها أحزاب جديدة أشدّ ضعفا وأكثر بؤسا.

تبدأ بخطاب واعد، يعلن خدمة الوطن والتضحية من أجل حقوق أبنائه وخصوصا المستضعفين منهم، فإذا جاءت الانتخابات، انكشفت الحقيقة وتقدّمت المصالح الشخصية والطموحات المكتومة على مصالح الوطن.

في هذه المعركة، يكفي حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، أن يقبل بترشيح حمه الهمامي للرئاسيات القادمة، لتطوى صفحة الإنشقاق، ويجتمع شمل الجبهة!

ورغم أنّ فوز الهمامي برئاسة تونس، أبعد من ولوج الجَمَلِ في سمّ الخياط، فإنّه يعتبر فقدانه لصفة مرشح اليسار التونسي للرئاسة، قتلا معلنا لطموحه السياسي، بل لحياته السياسية. وكيف يمكنه – إذا فقد هذه الصّفة – أن يجلس مع  مرشح اليسار المتطرف في فرنسا ميلانشون، ونظراءه من اليساريين في دول أخرى كثيرة؟

مقابل هذه الصّورة المؤلمة، تلوح صورة أخرى قدّمتها حركة النّهضة من خلال انتخاباتها الداخلية لإفراز مرشحيها للبرلمان القادم، والتي جرت في كامل أنحاء البلاد يوم أمس الأحد، والأحد الذي قبله. فقدّمت صورة مخالفة للصورة السابقة، إلى حدّ التناقض.

ترشّح لهذه الانتخابات الداخلية أشخاص من مختلف المواقع القيادية والفئات العمرية والإنتماءات الاجتماعية. وكان التنافس شديدا في معظم الولايات. سقطت أسماء كبيرة، واختير على رأس قائمات كثيرة شباب من الجنسين، متقدّمين على أسماء قيادية وازنة. وتقدّمت نساء كثيرات بل شابات لا سند لهنّ سوى ما عرفن به في الحركة ومحيطهنّ من عمل وعطاء وجهد. وخرجت النتائج، وصفّق لها أبناء النّهضة جميعا. ولم تسجّل استقالة واحدة، ولا حتى معركة كلامية في تبادل التهم. في تونس العاصمة مثلا، تصدرت قائمة الفائزين الشابة صفاء المدايني، وتقدّمت في سوسة الشابة وفاء عطية، وجاءت على رأس قائمة سيدي بوزيد حياة العمري، وهي حديثة العهد بالحركة وغير محجّبة. ونال الصدارة في ولاية منوبة الشاب نزار حبوبي.

واحد ممّن لم ينل ثقة النّاخبين في العاصمة، كتب في حسابه الشخصي في "فيسبوك" مساء يوم أمس "لم أحظ بثقة الناخبين .. لكن هذا لن يمنعني من أن أتحوّل الآن إلى جندي في خدمة القائمة التشريعية الفائزة بثقة الناخبين .. لتفوز في انتخابات 2019 ". هذا من قدماء النهضة وعضو مكتب مركزي فيها.

ورغم ذلك، تبقى النّهضة في أعين أحزاب ما بعد الثورة، حزبا أصوليا رجعيا يشدّ البلاد إلى الوراء !!!

مقابل ذلك، تتمزّق الجبهة الشعبية (التقدمية جدا) بسبب الصّراع على المواقع، وهي التي كانت تتّهم النّهضة بالمتاجرة بنضالها، وأطلقت شعار "بكم الكيلو نضال"؟ فمن يا ترى يقايض بالنضالات، إن سلّمنا جدلا أنّها نضالات.

النداء ومشتقاته

نفس المشهد تقريبا، ولكن بتفاصيل مختلفة، نجده في حزب "حركة نداء تونس" والأحزاب التي انشقّت عنه. فهذا الحزب الذي حاز على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية سنة 2014، وفاز مرشحه برئاسة الجمهورية في نفس السّنة، يتطاير شضايا كلّما خابت أحلام بعض قياديّيه، أو حتى واحد منهم، في الظّفر بمنصب محدّد، أو تزاحمت الركب والمناكب في انتخابات منتظرة. هذا هو السبب الرئيس في جميع الإنشقاقات التي أصابت هذا الحزب، منذ إنشائه إلى اليوم. ولعلّ أكبر أزمة عاشها هذا الحزب، هي التي نتجت عن محاولة آل السبسي إبعاد يوسف الشاهد عن رئاسة الحكومة. فلجأ الشاهد إلى إنشاء حزام حزبي يحميه من قصفهم، ونجح في انتزاع عدد غير قليل من قادة وبرلمانيّي الحزب الأم "نداء تونس" إلى صفّه. بل إنّ وزراء النداء جميعا، وبدون استثناء، قدّموا بقاءهم في الحكومة على مواقعهم في الحزب الذي انخرطوا فيه ورشّحهم للوزارة !

وعندما عقد النداء مؤتمره في أفريل الماضي، ليجمع شمل أبنائه، ويعدّ العدّة للإنتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، وضغط الرئيس الباجي قائد السبسي على نفسه، وأسكت شهواته، فطلب رفع التجميد عن يوسف الشاهد من عضوية الحزب، لأجل جمع أبناء النّداء، فإذا بالحزب يغرق في مزيد الإنقسام والتشظّي، ويخرج مؤتمروا النّداء، موزّعين بين حزبين اثنين، بينما كان الهدف المعلن هو المصالحة مع طرف ثالث خارج للتّو من رحم النّداء، وهو حزب "تحيا تونس".

هذا القلق الحزبي الذي بلغ أقصى درجاته، ليس بعيدا عن حزب "مشروع تونس" الذي مازال مذبذبا بين التحالف مع حزب رئيس الحكومة، أو شق الحمامات من حزب "نداء تونس".

أمّا حزب الإتحاد الوطني الذي أنشأه سليم الرياحي، فصورته أكثر قتامة من غيره. ويكفي أنّ مؤسسه ظلّ طيلة السنوات الست الماضية، يبني ويهدم، حتى انتهى به الأمر ملاحقا قضائيا، وهو ينتقل لاجئا من بلد إلى آخر، بعد أن تفرّق نوابه في البرلمان على الأحزاب.

قوّة الأحزاب قوّة لتونس

ليس من مصلحة تونس والتونسيّين أن تتناسل أحزابهم بهذه السرعة الرهيبة، وأن تنمو ثقافة الكيد والتقاتل بين الأحزاب إلى هذا الحدّ.

حركة النّهضة نفسها، التي يراها البعض المستفيد الأوّل من هذه الإنقسامات، هي أوّل المتضرّرين من هذا الواقع، لأنّها ببساطة، لا يمكنها أن تتطوّر وتتقدّم وحولها كيانات حزبية شبه مجهرية. فلا يمكن لحركة النّهضة أن تتطوّر وتتقدّم بتونس، إلاّ إذا شاركتها في الحكم حزب أو أحزاب وازنة في برامجها وجمهورها.

مشكلة أحزب ما بعد الثّورة في تونس، هي أنّها – في معظمها وليست كلّها – تحمل عناوين أشخاص وليس مشاريع وبرامج. أنشئت لتلبية حاجات ومصالح شخصية، وجدت في العنوان الحزبي تقيّة مناسبة.

لا أحد يجهل أنّ معظم أحزاب ما بعد الثّورة، إنّما أسّست لشرعيتها على مواجهة حركة النّهضة والتصدّي لها. كان ذلك هو العنوان الذي استدرّت به عطف خصوم النّهضة في الداخل والخارج. ووجدت مقابل هذه المهمّة حظّا وافرا من العطف والرعاية. ولكنّ رفض الآخر وحده، لا يمكن أن يكون أساسا للبناء، وإنّما هو يكون إيجابيا ودافعا، إذا كان هذا الرفض بهدف التمكين لبرنامج أو رؤية أو مشروع آخر مخالف، متماسك ومتكامل. وهؤلاء لا مشروع لهم، لأنّ إقصاء النّهضة ليس مشروع بناء، وإنّما هو اقتصار على الهدم وغياب كامل للبناء.

اليسار الماركسي تاريخيا، لم يكن يوما في تونس مشروع بناء، وإنّما هو ولد من أجل هدم الآخر وإقصائه، وفقط. ومازال وسيظلّ لا يحمل شيئا إلاّ الإقصاء. يريد إقصاء النّهضة. ويبحث عمّا يؤسّس لإقصاء النّهضة. وانظر في خطاب اليسار الماركسي التونسي، منذ وجوده إلى اليوم، فستجده متخما بالرفض والإقصاء، وعاجزا عن البناء.

رجال العهد السابق، والمتّكئون على شرعية العهد السابق، حتى الشباب منهم، مازال خطابهم فضفاضا، يبحثون لأنفسهم عن مواقع، ولم يفرزوا بعد برنامجا أو برامج تؤسس لأحزاب حقيقية تأويهم.

من عناصر قوّة النّهضة، أنّها رغم ما وجّه ويوجّه إليها من قصف وكيد وتُهم، فإنّها نجحت في الحفاظ على توازنها واعتدال خطابها، ومضت في برامجها غير عابئة بما يردّده خصومها عنها. أي إنّها نأت بنفسها عن لغة الإقصاء والهدم، وانصرفت إلى حيث تريد. وهذا من ثقافة الأحزاب القوية الواثقة من نفسها.

لو تخلّت أحزاب تونس عن ثقافة إقصاء الآخر وإلغائه والكيد له، أو على الأقل ترفّعت عن معارك تنزل بها إلى القاع وتضرّ الجميع ولا تنفع أحدا، لكسبنا كثيرا. ولكن أنّى لمن اختار أن يطوّع مصالح البلاد لحاجات شخصية، أن يدرك خطورة اختياره عليه هو قبل غيره.

لذلك، فإنّ تونس بحاجة ماسة إلى أحزاب كبيرة، جادة وجدية، تنافس النّهضة، وتساهم في بناء تونس الجديدة.

النّهضة، ومن خلال انتخاباتها الداخلية التي انتهت يوم أمس، لاختيار مرشّحيها لمجلس النواب القادم، قدّمت للتونسيين صورة جدّ إيجابية، عن الديمقراطية الحزبية، والتنافس على خدمة البلاد، بلغة البناء لا الهدم. وهذا ما سيزيد في حملة خصومها عليها. ولا يساورني الشك في أنّ أكبر هدية قدّمتها هذه الأحزاب لحركة النّهضة التي يرونها خصمهم الأوّل، هي وضع استهدافها أولوية وطنية وحزبية. فكان ذلك كافيا لأن يجعل أبناءُ النّهضة وحدة صفّهم، ومراجعة برامجهم، هدفا لا يساومون عليه.

وتبقى تونس بحاجة إلى أحزاب قوية ومتماسكة، تواجه بها صعوبات المرحلة.

  • شارك على:
3
 المشهد الديني في تونس: مفتاح للمستقبل .. إضاءة من المذهب الحنفي طقس اليوم الإربعاء 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج