Loading alternative title

يوم جمعة في نفزاوة

تاريخ النشر: 2019-06-22 || 06:08

يوم جمعة في نفزاوة

كتب معز التواتي 

إنّه يوم الجمعة في نفزاوة، يوم صيفيّ "تحزّمت" فيه الشّمس و رقصت وحيدة في كبد السّماء بل وأخرجت لسانها له شامتة، هكذا خيّل إليه وهو يغادر بيته نحو مسجد القرية واضعا مظلّة من سعف النّخيل فوق رأسه. أسرع الخطى هاربا من الحمم المسكوبة من الجحيم وما إن وصل إلى المسجد القريب حتّى داعبت وجهه نسمات باردة من "صناديق العجب" الّتي حرص القائمون على المسجد على تشغيلها منذ الصّباح. إنّها الجنّة داخل المصلّى...

نزع مظلّته وراح يبحث بلا أمل عن مكان تحت الجدار يسند إليه ظهره حيث حُجزت تلك الأماكن "الاستراتيجيّة" منذ الصّباح من قبل شيوخ القرية بل وبعضهم كان يغطّ في نوم عميق, أُسقط في يده وجلس وسط المصلّى مع دخول الإمام وجلوسه على المنبر، التفت إلى يمينه فرأى الشّيخ "علي" فاغرا فمه مسندا ظهره إلى العمود الإسمنتي مغمض العينين وقد انزاحت "شاشيّته" وتدلّى لحافه وبدا أنّ الرّجل سينخرط في سيمفونيّة "شيوخ الشّخير" فوكزه بلطف كي لا يضيع تركيزه مع الإمام تحت وطأة شخير لاح في الأفق...
بدأ الإمام خطبته بلهجة حادّة وقد بدا عليه الغضب "لعلّه تأثير الحرارة" تساءل بينه وبين نفسه..

ركّز في خطبته على الظّواهر المناخيّة وعلاقتها بما يقترفه البشر من آثام وذنوب وفي لحظة ما خُيّل إليه أنّ الإمام ينظر نحوه وهو يغلي كالمرجل غضبا والرّذاذ يتطاير منه صائحا "ألم تتساءلوا عن سرّ هذه الحرارة الّتي لا قبل لنا بها؟! ماهو من أفعالكم !" اضطرب وطأطأ رأسه متسائلا إن كان الإمام "شاد عليه حاجة..." وبدأ بمراجعة نفسه لعلّه أذنب أو قصّر اتّجاهه...استغفر اللّه مرجّحا أن يكون الأمر مجرّد تصادف لا غير بين الكلام ونظر الإمام إليه...

انتهت الخطبة وبدأ الإمام في دعاء مؤثّر ختمه بأن دعا اللّه بأن يقي المسلمين حرّ الدّنيا والآخرة فتعالت أصوات المصلّين بالتّأمين حتى كأنّه سمع بكاء بعضهم...اضطرب حين أردف الإمام بـ"لا تؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا" وهزّ رأسه ليتأكّد بأن الإمام لا ينظر إليه...من يدري...
انتهى الدّعاء واستوت الصّفوف وأُقيمت الصّلاة، وجد نفسه في الصفّ الأوّل، على يمينه مراهق ضخم الجثّة بشعر لحية جديد وثائر وملامح حادّة وصارمة...عادة كان يتجنّب حديثي التديّن من المراهقين لإطباقهم على من يجاورهم أثناء الصّلاة والتصاقهم به كتفا بكتف ورجلا برجل...ضغط يُشعره بضيق واختناق...
حاول الإفلات من قبضة المراهق نحو اليسار ليصطدم برائحة لا قبل له بها فآثر الإختناق ضغطا على الإختناق "الكيميائي".

حاول أن ينسى المصير الّذي ينتظره دقائق بعد الصّلاة...ركّز مع صوت الإمام وكلام الله عزّ وجلّ متدبّرا وخاشعا وداعيا ربّه في كل سجود بأن يغفر له ويخفّف عنه حرّ الدّنيا ويجيره من عذاب جهنّم.
انتهت الصّلاة وخرج من المصلّى نحو الشّارع حيث كانت الشمس تشحذ له سكاكينها وسجّاد الإسفلت الأحمر يغلي فرحا به...

  • شارك على:
3
 تركيا وإيران تضعان خارطة طريق للتعاون الاستراتيجي احتجاجات في مراكز إصلاح الباكالوريا...وزير التربية يوّضح 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج