Loading alternative title

ورشة البحرين قوّضت صفقة القرن وفرص السلام

تاريخ النشر: 2019-07-03 || 08:37

ورشة البحرين قوّضت صفقة القرن وفرص السلام
د. سعيد الشهابي كاتب من البحرين

د. سعيد الشهابي

كاتب من البحرين

كتب د. سعيد الشهابي 

لا يغيّر الواقع إلا الأبطال التاريخيون الذين أخذوا على عاتقهم مهمة التغيير الى ما هو أفضل للبشرية. هؤلاء يستمدون قوة موقفهم من قناعاتهم الشخصية وأيديولوجياتهم السياسية، ولا ينطلقون من الشعور غير الواقعي بالقوة المفرطة للمال او السلاح فحسب. ومن سمات هؤلاء انهم متواضعون عموما، وينأون بانفسهم عن تمجيد الذات او الغطرسة او الشعور الزائف بالعظمة او القدرة على تجاوز سنن التاريخ. فالوضع الايديولوجي والسياسي في الشرق الاوسط لا يمكن ان تغيره القوة الأمريكية المفرطة او الذي يملكه التحالف السعودي ـ الاماراتي او الامكانات الامنية لدى الكيان الاسرائيلي. هذه المنطقة لا يمكن ان تغيرها الشركات الكبرى او مجموعات الضغط الصهيونية او شركات العلاقات العامة التي تروج للاستبداد والديكتاتورية. فهذه الوسائل تفترض القدرة على تجهيل الناس وتمرير المخططات وراء ظهورهم أو إسكاتهم بالمال أو الدعاية المزيفة أو التهديد بالسجن أو القتل. ما هكذا تغير أوضاع الشعوب أو التوازنات العسكرية والسياسية. وكل ما تنتجه الجهود المؤسسة على هذه الفرضيات المزيد من الفوضى والعنف والتأزيم وتمزيق البشرية وتعريضها للحزن والاسى والمصائب. هذا ما تنطوي عليه استراتيجية قوى الثورة المضادة المدعومة بالتحالف الانجلو- أمريكي. انه قادر على التدمير والتخريب ولكنه لا يبني او يعمر. وقد يستطيع الاستمرار في استراتيجيته هذه في غياب البديل السياسي او الشعبي، وحتى في هذه الحالة فانه يتآكل من داخله ويتلاشى تدريجيا.
من هذا المنظور الافتراضي يمكن القول ان الورشة الاقتصادية التي عقدت في البحرين الاسبوع الماضي قد فشلت تماما وانها ربما ماتت قبل ان تولد. فحتى لو كان لها نصيب من النجاح فان سياسات البيت الابيض وعملاءه وتل أبيب وبعض الحكام المأزومين قد ساهمت بشكل مباشر في اجهاضها، فعجلت بمخاضات مبكرة قبل ان يكتمل نمو الجنين. فمن الخطأ الفادح تجاهل امة كاملة والغاؤها من المعادلة السياسية والاقتصادية، وحصر التعاطي معها بالمال، وافتراض ان شرفاءها يمكن شراؤهم وبيعهم والمتاجرة بمواقفهم. هذا خطأ فادح ارتكبه مخططو البيت الابيض وتل أبيب والرياض. ومن الخطأ كذلك ان يوكل تنفيذ المرحلة الاولى من هذه المهمة العسيرة الى طرف ضعيف وعاجز ومرفوض من شعبه. اما الخطأ الآخر الذي لا يقل اهمية فيتمثل بتجاهل الاطراف المعنية بالازمة التي هي جوهر ما سمّي «صفقة القرن» وتجاهلهم واستضعافهم والسعي لسحق انسانيتهم وما تمليه من مشاعر تجاه الكرامة والشعور الوطني والانتماء الايديولوجي والاخلاقي. فليس من قبيل المبالغة القول بان القرار الفلسطيني الجماعي برفض صفقة القرن ومقاطعة ورشة البحرين كان المسمار الاخير في نعش المشروع الذي اشتركت فيه قوى الثورة المضادة مع التحالف الانجلو ـ أمريكي. فقرار السلطة الفلسطينية بعدم الحضور، على لسان رئيسها محمود عباس في القمة العربية التي عقدت الشهر الماضي بمكة المكرمة، ثم قرار الاطراف الاخرى وفي مقدمتها منظمتا حماس والجهاد الاسلامي، افرغ الضجة الاعلامية من محتواها، فخرجت الاحتجاجات على السنة الرسميين والمناضلين وقوى التحرر الوطني والشعوب العربية في تظاهرات عديدة في زمن اعتقد الكثيرون خطأ ان الامة قد انتهى دورها وان التحالفات الشريرة قضت على وجودها الفكري والميداني.

مشكلة الطغاة انهم يفقدون عقولهم تماما ويتصرفون خارج اطر المنطق البشري السوي. ففي الوقت الذي كانت قلوب الشعوب العربية والاسلامية تغلي بالغضب مما ارتكبه نظام الحكم في البحرين بتسهيله مهمة الورشة المذكورة التي اعتبرها الكثيرون «مؤامرة» استمر وزير خارجية البحرين في استفزازاته لتلك المشاعر، فاطلق تصريحه الذي أثار مشاعر الغضب والتقزز لدى الرأي العام العربي والاسلامي: إسرائيل باقية وعلينا دعم حقها في الوجود. وكان ظهوره على شاشات وسائل الاعلام الاسرائيلية التي سمح لها بدخول البحرين والبث من أراضيها وتحدي مواطنيها المضطهدين، واحداً من أسباب فشل الورشة. هذا في الوقت الذي يتنكر لحق الشعب البحريني في الوجود على ارضه، فقد سعت حكومته لاستبدال ذلك الشعب بالاجانب عبر مشروع للتجنيس السياسي، المستمد من فكرة «الترانسفير» الاسرائيلي، وسحب جنسيات المئات من المواطنين بذرائع واهية. الامر المؤكد ان تصدر مشهد الاستسلام لسياسات البيت الابيض من قبل امثال هذا الوزير لا يخدم اهداف رعاة مشروع تصفية القضية الفلسطينية. كما ان التصريحات التي اطلقها راعي الورشة، جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، ساهمت هي الاخرى في إحداث حالة استقطاب حادة قطعت الطريق على فرص نجاحها، ووجه بها صفعات موجعة حتى لحلفائه. فحينما اعلن رسميا تخلي الولايات المتحدة عن «المبادرة العربية» التي تدعو لحل الدولتين فانه ضرب السعودية التي عرفت المبادرة باسمها عندما طرحها الامير عبد الله بن عبد العزيز على قمة بيروت. وكانت المرجعية الاساسية لموقف الحكومات والجامعة العربية على مدى عقدين تقريبا، فاذا بصهر ترامب يلغيها جملة وتفصيلا ويرمي بها من على منبر الورشة التي دفعت دول الخليج تكاليفها. ويزيد الامر ايلاما ان على هذه الدول ان تدفع المليارات للبديل الأمريكي لتلك المبادرة. ولا يمكن القول ان السعودية لم تكن تعرف الموقف الأمريكي الذي لم يكن جديدا او مفاجئا.
برغم ذلك كان التحالف السعودي ـ الاماراتي مسايراً لتلك السياسة والاهداف، ولم يصدر عنه انتقاد واضح للبيت الابيض. فلماذا هذا الموقف الذي يضغط على كرامة الامة وكبريائها برغم رفضها المطلق لسياسات هذا التحالف. ربما يمكن تفسير ذلك برغبة التحالف في استمرار الدعم الانجلو ـ أمريكي للحرب على اليمن واستمراره في تزويد الرياض وابوظبي بالاسلحة. وتجدر الاشارة لقرار المحكمة العليا البريطانية مؤخراً باعتبار ذلك «غير قانوني» وإعلان الحكومة البريطانية وقف اصدار رخص جديدة لتصدير الاسلحة للسعودية. كما ان الكونغرس أقر سحب الصلاحية التي منحها للرئيس بعد حوادث 11 سبتمبر/أيلول للقيام بأي عمل عسكري يعتبره ضروريا لحفظ المصالح الأمريكية او الدفاع عن امنها. كما يعتبر التحالف السعودي ـ الاماراتي ان مسايرة السياسة الأمريكية بهذه الطريقة ضرورة لضمان موقف التصعيد الأمريكي ضد إيران، ويراهن على احتمال جر واشنطن لحرب معها. وليس معروفا بعد تفسير ما يبدو من تغير طفيف طرأ على سياسة الامارات في الايام الاخيرة. ومنطلق هذا التساؤل تطوران: أولهما ما أوردته وكالة أنباء رويترز هذا الاسبوع بأن الامارات خفضت عملياتها في اليمن وانها مستمرة في ذلك الخفض.
إذا أُضيفت هذه التطورات لما تقدم عن اخفاقات الورشة الاقتصادية التي صاحبها حشد سياسي واعلامي هائل لدفع مشروع التنازل للكيان الاسرائيل اتضحت أمور عديدة: اولها ان صفقة القرن مشروع لن يكتب له النجاح لانها مؤسسة على الظلم والاستكبار وتجاهل حقائق التاريخ، ثانيها:ا ن رعاة الصفقة انفسهم بدأوا يشعرون ان نجاح مشروعهم مشكوك فيه بعد المعارضة الشديدة لها من الرأي العالم الدولي والاقليمي وخصوصا الفلسطيني. ثالثها: ان الصفقة بدون موافقة حقيقية من الفلسطينيين اصبحت فارغة، اذ لا يمكن فرضها بالقوة، وتؤكد عقود سبعة من الصراع فشل القوة في فرض المشروع الصهيوني. رابعا: ان ورشة البحرين قد تكون بداية نهاية تحالف قوى الثورة المضادة بعد الهبة العربية والاسلامية ضد المشروع الأمريكي والمقاطعة الفلسطينية وبداية الخلاف بين اعضاء التحالف. خامسا: ان السلام المفروض بالقوة والاكراه والتضليل والاغراء خصوصا من دونالد ترامب الذي لم يخف انحيازه الكامل للصهاينة، لا يتوافر على اسس النجاح، ولذلك لا يختلف مصيره كثيراً عن الحرب المفروضة التي تفقد اسباب النجاح وان امتلكت المال والسلاح.

  • شارك على:
84
 مجلة تكشف راتب مدرب المنتخب التونسي جيريس كأس إفريقيا 2019: مباريات الدور الثمن النهائي والتوقيت 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

هل تتوقّع أن تفرز الإنتخابات القادمة رجالا يتقدّمون بتونس نحو الأفضل؟

نعم
لا
النتائج