Loading alternative title

هل فشل السبسي؟

تاريخ النشر: 2018-10-01 || 10:07

هل فشل السبسي؟
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي 

يقول آخر سبر للآراء، إن شعبية الرئيس الباجي قائد السبسي تراجعت في نهاية شهر سبتمبر إلى أدنى مستوى لها، وبلغت 18 بالمائة، مقابل 22.5 بالمائة قبل شهر واحد. فما هو سبب هذا التراجع؟ ولماذا بدأ رئيس الدولة ولايته بشعبية محترمة، ونجح في قيادة توافق مع حركة النّهضة، وفّرت للبلاد درجة مقبولة من الإستقرار السياسي، وتراجع الآن؟

أزمة حزب أم أزمة بلاد؟

 حصلت في تونس تطوّرات كثيرة خلال الأشهر الأخيرة، وكان لا بدّ أن يخاطب الرئيس الشّعب ويشرح حقيقة ما يجري، ويعطي وجهة نظره في عدد من القضايا. فتمّ تنظيم حوارين تلفزيونيين (الحوار الأول يوم 15 جويلية لقناة نسمة، والثاني يوم 24 سبتمبر لقناة الحوار التونسي)، وقعت إحاطتهما بدعاية إشهارية، هيّأت التونسيين لسماعه، وانتظروا منه خطابا مطمئنا، يبعث الأمل ويخفّف من سوداوية الصورة التي لديهم عن البلاد. لكن، يبدو أنّ كلا الحوارين قد زادا في تراجع شعبيته، عكس ما كان ينتظر. وكان مفعول الحوار الثاني الذي أدلى به لقناة "الحوار التونسي" أسوأ من سابقه الذي أدلى به لقناة "نسمة"، رغم أنّ الفرصة التي وفّرتها له محاوِرته الأسبوع الماضي، كانت مناسبة ليسترجع ما فقده في الحوار الأوّل.

فقد بدا الرئيس السبسي ضعيفا .. مرتبكا.. ولعلّ أهمّ ما خرج به المشاهد التونسي من هذا الحوار، هو أنّ معركة آل السبسي مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد مازالت محتدمة، وأنّ حزب "نداء تونس" الذي أسّسه، قد أفلت من قبضته. أمّا صورة الباجي رئيس الدولة، فقد كانت باهتة ومهتزّة.

كان واضحا من خلال الحوارين، انشغال الرئيس بالخلافات الحادة التي يعيشها حزب "نداء تونس" وتأثيرها البالغ عليه. وخطابه في كلا الحوارين، صوّره على أنّه جزء من معركة يعيشها حزبه، أكثر ممّا هو رئيس جميع التونسيين. بل إنّه في فترات من كلا الحوارين، اعتبرها أزمة البلاد وليست أزمة حزب. وكان واضحا أنّ عتبه على رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أساسه تمرّد الشاهد على قيادة حافظ قائد السبسي للحزب. وكأنّ نصّ الدستور خان الرئيس عن تحقيق مراده، عندما حدّ من صلاحياته وحجّم دوره.   

توسيع دائرة الخلاف الحزبي، وتحويله إلى قضية وطنية، تؤثّر على سير عمل الحكومة ومؤسسات الدولة، خطأ فادح وقع فيه شقّ حافظ قائد السبسي، وألقى بظلاله على أداء رئيس الدولة، فأثّر ذلك سلبا في شعبيته.

مفهوم التوافق

كما أنّ حديث الرئيس السبسي الأسبوع الماضي في حواره مع قناة "الحوار التونسي" عن تخلّي حركة النّهضة عن التوافق معه، لا نعرف له سوى وجه واحد، وهو رفض النّهضة الإنحياز لصف حافظ قائد السبسي بإعفاء يوسف الشاهد من رئاسة الحكومة. فما هو الداعي الوطني لسحب الثقة من حكومة لا تفصلها عن موعد انتخابات تجديدها سوى سنة واحدة؟ ولئن تخفّى جناح حافظ بتجديد وثيقة قرطاج في البداية، فإنّ تطوّرات الصراع الحزبي كشفت بعد ذلك أنّ السبب الحقيقي هو الخلاف الذي يعيشه حزب النداء بين فريقين أصبحا اليوم معلومين للجميع: فريق يقوده حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي للحزب، وفريق ثان يقوده يوسف الشاهد رئيس الحكومة. وكان طلب موافقة النهضة على إعفاء يوسف الشاهد من مهمته، يحمل في طيّاته طلب اصطفاف النّهضة مع فريق ضدّ آخر، في معركة داخلية للحزب. لكن السيد الباجي قائد السبسي اعتبر ذلك في حواره، خروجا عن التوافق الذي كان ساريا بين الحزبين منذ اتفاق باريس يوم 15 أوت 2013. وهل هناك أمر آخر اختلف فيه الحزبان؟ لا أحد تحدّث عن ذلك، والسبسي نفسه لم يفصح عن شيء بهذا الخصوص، سوى ما يعرفه الجميع من خلاف حول الموقف من إعفاء حكومة الشاهد أو إبقائها.

النهضة بيّنت موقفها وعلّقت على لسان عماد الخميري الناطق الرسمي باسمها، على ما قاله الرئيس بخصوص التوافق، فأكّدت على "التزامها بمسار التوافق مع رئيس الجمهورية، وتقديرها لدوره الوطني منذ انطلاق الثورة في إرساء ثقافة التشاور والحوار بين الفرقاء السياسيين في مواجهة خيارات التفرد والإقصاء والمغالبة" وقالت "إن الاختلاف في وجهات النظر حول عدد من القضايا التي تعيشها البلاد، وفي مقدمتها الاستقرار الحكومي، لا يعني تنكر النهضة للعلاقة المتينة التي تربطنا بفخامة رئيس الجمهورية". وكان رئيس الحركة راشد الغنوشي، قد كتب قبل ستة أسابيع، في الذكرى الخامسة للقاء باريس الذي انتهى إلى التوافق بينه وبين الباجي قائد السبسي، مشيدا به في تعزيز الديمقراطية الناشئة، وتجنيب تونس السقوط في العنف والاحتراب الأهلي. 

لكن التوافق فيما يبدو، فقد أرضيته في الأشهر الأخيرة، عندما استعصى "نداء تونس" على سيطرة حافظ قائد السبسي. واتّضح خلال السنوات الخمس التي مضت، أنّ التوافق بين حزب "نداء تونس" وحركة النّهضة في فهم فريق حافظ قائد السبسي، هو أن تحرص النّهضة في قضاء مصالح النداء، وأنّ النداء ليس معنيا بما تدعو إليه وتطالب به حركة النّهضة.

وقد رأينا حركة النّهضة توافق على أن يستأثر حزب النداء برئاسة مجلس نواب الشعب، ورئاسة الحكومة، إضافة إلى رئاسة الجمهورية، رغم أنّها الحزب الثاني في التحالف الحاكم. ووافقت على موقف النداء في محطات كثيرة، دفعت ثمنها غاليا، منها مثلا قانون المصالحة، الذي كانت له ارتدادات واسعة.

مسايرة حركة النهضة للنداء، قدّمته قيادة النّهضة على أنّه دعم للإستقرار السياسي للبلاد، وإنجاح للتوافق، لأنّ البلاد لا يمكن أن تُحكم إلا بذلك. وقد تسبّب لها هذا النهج في انتقادات واسعة من قاعدتها الإنتخابية. لكنّها رغم ذلك لم تتراجع عن نهجها التواافقي.

مقابل ذلك، لم يتردّد حافظ قائد السبسي في اتّهام النهضة بالوقوف وراء أيّ انتكاسة أو هزيمة يمرّ بها. فقد اعتبرها المتسبّبة في خسارة حزبه المقعد البرلماني عن ألمانيا، وتراجع حظوظه في الإنتخابات البلدية، بل بلغ به الأمر إلى حدّ اعتبار حركة النّهضة داعمة لغريمه يوسف الشاهد، لأنّها لم تصطف وراءه لتنحية الشاهد من رئاسة الحكومة.

ثقافة الإستبداد

كان يمكن أن يبقى الخلاف في حزب "نداء تونس" محصورا بين جناحيه المتصارعين، كما يحصل في الخلافات الداخلية للأحزاب. ولكن رئيس الدولة أخطأ عندما زجّ بمؤسسة الرئاسة في معركة إزاحة يوسف الشاهد من رئاسة الحكومة، من خلال تعديل وثيقة قرطاج، بينما ينصّ دستور البلاد على أنّها من صلاحيات مجلس نواب الشعب وحده. وهذا ما اعتبرته النائبة بمجلس نواب الشعب هاجر بن الشيخ أحمد، انحرافا خطيرا، وأنّ الرئيس لم يعد "الضامن للوحدة الوطنية"، وبرّرت به دعوتها إلى سحب الثقة منه.

تراجع صورة رئيس الدولة وشعبيته، في ديمقراطية ناشئة، ليست في صالح أي فرد وأيّ حزب، لأنّ الفراغ الذي يحيط بها، خطر على البلاد كلّها. فقوّة الرئاسة من قوة البلاد، وضعفها من ضعفها. وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة ومختلف مؤسسات الدولة. ويحقّ لنا بهذا الخصوص طرح سؤال: أين مستشارو الرئيس من هذا الذي يجري؟ هل تهمهم شعبية الرئيس وأن يكون خطابه وأنشطته جامعة للتونسيين، أم جرفتهم الصراعات الإيديولوجية والحزبية، فانخرطوا فيها، وورّطوا فيها الرئيس نفسه؟

مشكلتنا في تونس، أنّ كثيرا من السياسيين يعملون بقاعدة "إذا متّ ضمآنا، فلا نزل القطر". فلا يهمّهم خراب البلاد إذا فشلت مشاريعهم أو أحبطت طموحاتهم.

ولدينا سياسيون آخرون، يجعلون من إضعاف مؤسسات الدولة، وتفتيت الأحزاب السياسية، وتخريب مؤسسات المجتمع المدني، هدفا يعملون على تحقيقه بالليل والنهار. ونسي هؤلاء أنّ ضعف هذه المؤسسات، هو المدخل لانتهاك حقوقنا حميعا، وأنّ سلّم النّجاح يبدأ بالإحتكام إلى مقتضيات الشرعية الديمقراطية. أم هم يمعنون في النهل من ثقافة الإستبداد، ويخوضون معارك خاسرة، ويعتبرون سلوكهم ديمقراطيا، ويعتبرون أنفسهم حماة للديمقراطية.

  • شارك على:
149
 معتمدية رمادة في إضراب عام غدا الثلاثاء قانون التصريح بالمكاسب يدخل حيز التنفيذ 

آخر الأخبار