Loading alternative title

الجبهة الشعبية: حزب سياسي أم جهاز أمني؟

تاريخ النشر: 2018-10-06 || 09:24

الجبهة الشعبية: حزب سياسي أم جهاز أمني؟
علي بوراوي كاتب صحفي ومحلل سيلسي

علي بوراوي

كاتب صحفي ومحلل سيلسي

كتب علي بوراوي 

سجّلت بداية السنة السياسية الجديدة تحوّلا بالغ الأهمية في المشهد السياسي الوطني أعدّت له الأطراف الفاعلة منذ وقت مبكّر. وشدّت مختلف الأحزاب السياسية رحالها للإنتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، المقرّر إجراءها في الخريف المقبل. واختار كلّ طرف ضربة البداية بما يوافق خطته والأهداف التي يريد بلوغها. واختارت الجبهة الشعبية أن تكون انطلاقة أنشطتها للسنة الجديدة، الهجوم على حركة النهضة بوابل من التهم الثقيلة.

فما هو هدف الجبهة من ذلك؟ ولماذا تجعل الجبهة من حركة النّهضة هدفها الأوّل في سنة تعتبر سنة الإعداد للإنتخابات؟

سنة الإعداد للإنتخابات

هي سنة الحصاد السياسي، لنتائج جهود السنوات الخمس المنقضية، في بلد يمرّ بتقلّبات كثيرة، لم تعرف نهايتها بعد. وساحة سياسية جدّ متحرّكة، تتبدّل فيها قيادات الأحزاب بسرعة، وتتغيّر فيها التحالفات، وتتناسل فيها الأحزب حديثة الولادة بالخصوص، بشكل يصعب على المتابع تمييز الحيّ منها من الميّت، والواقف على قدميه من الشّبح الذي لا هياكل له ولا جمهور.

وواضح أنّ الساحة الحزبية في بلادنا تمرّ بتحوّلات كبيرة، ستغيّر المشهد السابق، نتيجة انهيار حزب نداء تونس بقيادة حافظ قائد السبسي، وصعود كتلة الإئتلاف الوطني المحسوبة على رئيس الحكومة يوسف الشاهد، فأصبحت صاحبة ثاني أكبر كتلة برلمانية بعد حركة النهضة.

المشهد السياسي الجديد، عبّرت عنه تحالفات بدأت تظهر إلى العلن، وهناك تحالفات أخرى مازالت تبحث عن الظرف المناسب للإعلان عنها. فهل كانت الندوة الصحفية للجبهة الشعبية خارجة عن هذا السياق؟

دم بلعيد والبراهمي في سوق استثمار الجبهة

أحاطت قيادة الجبهة ندوتها الصحفية بحملة دعاية واسعة، قالت إنّها ستقدّم فيها الجديد، حول ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. واختارت نزل إفريقيا في قلب العاصمة، لتعلن أنّ لحركة النهضة جناحا سريا يهتم بجمع المعلومات واختراق المؤسسات، وممارسة الإرهاب كما تزعم. وقالت إن للنهضة خلايا وشبكات تجسس وتصنّت تخترق مؤسسات الدولة، والسفارات، لتنفيذ مخطط دولي وضعه الإخوان المسلمون. وزعمت أنّ وزارات السيادة عندنا: الداخلية والدفاع والعدل، تستبيح النهضة وثائقها وملفاتها، بل تجعل لها غرفة عمليات في وزارة الداخلية، ومؤسسات الدولة غافلة لا تحرّك ساكنا، أو متغاضية قابلة بما يجري. بل إنها لم تتردّد في اتهام وزارات الدفاع والداخلية والعدل والمؤسسة القضائية، وغيرها، في كتم الحقائق، وخدمة حركة النهضة ورجالها.

يحصل كلّ ذلك في تونس، وتعجز وزارتا الداخلية بمختلف مؤسساتها الأمنية، وكذلك وزارة الدفاع، عن معرفة الحقائق التي توصّلت إليها الجبهة، أو الكشف عنها. فقط قيادة الجبهة الشعبية، كانت لها أعين لا تنام، وحسّ وطني غاب عن غيرها من التونسيين، فأطلقت صيحة الفزع محذّرة.

لكن الجبهة هذه المرّة، دخلت الندوة الصحفية بدون شريط يؤثّث المشهد، على خلاف ما فعله سابقا حزب العمال الشيوعي، الفصيل الأنشط في تركيبة الجبهة، مع حركة النهضة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

أمام ما قدّمته الجبهة في ندوتها الصحفية، يحقّ لنا أن نسأل: هل يمكن أن يتآمر على مصلحة الوطن ودم الشهيدين وأمن البلاد واستقرارها، كلّ من مرّ على أيديهم ملف الشهيدين، من مختلف مؤسسات الدولة، من رجال أمن بمختلف رتبهم وتعدّد مؤسساتهم، ورجال القضاء، وغير ذلك من مؤسسات الدولة؟

هل يمكن أن نصدّق أنّ لحركة النهضة جناحا أمنيا واسعا، تنحني أمامه مختلف القامات والمؤسسات، لينفّذ مخططا يدمّر أمن البلاد واستقرارها؟

هل بلغت حركة النهضة درجة من الغباء وقصر النظر، تسمح لها بإنشاء مؤسسة أمنية سرية، وهي التي عانت منذ وجودها، نحو خمسين عاما، من التهم المتلاحقة حول تشكيل سياسي سري، ومن تهم متنوعة بالإرهاب، وملاحقات طالت كل قياداتها العليا والوسطى، وسجون وتعذيب طال أزيد من ثلاثين ألفا من رجالها، ثم تأتي الثورة فتخرجها من السرية إلى الوضع القانوني، وتتبوأ المرتبة الأولى في معظم الانتخابات التي عرفتها البلاد خلال الثمان سنوات الأخيرة، وأقامت علاقات ثقة وتعاون مع أهم الأطراف السياسية الوطنية والإقليمية والدولية. وبعد كل ذلك، تغامر بنشاط لا يمكن أن يحتفظ بسريته لبضعة أسابيع، وكل هدفه هو تأمينها، في الوقت الذي تقوم فيه مؤسسات الدولة بذلك، أي بتأمين قياداتها ومراكزها، كما تفعل ذلك مع غيرها. هل يقوم بهذا من يتوفّر على خبرة رجال النهضة وتجربة رجال النهضة، ومحنة أربعة عقود؟

واضح أنّ الأمر لا يعدو أن يكون استثمارا في دم الشهيدين، لم تجد الجبهة الشعبية أفضل منه للإستثمار الحزبي والسياسي؟

مؤسسة أمنية أم حزب سياسي؟

لماذا غفلت الجبهة عن انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية، واحتفظت بالهجوم على حركة النهضة، في أول ظهور لها هذه السنة؟

الاهتمام بالإنتخابات أمر يهمّ الأحزاب السياسية التي لها برامج واضحة، وقيادات مشغولة بهموم الوطن، وتعتبر كل مواطن هدفا يجب التواصل معه وكسبه وتعبئته ليخدم بلاده.

فهل من الحكمة، أن يزهد حزب جاد، مهما كانت إيديولوجيته ورؤيته، في جمهور أكبر تجمع سياسي في البلاد، وهنا أقصد جمهور النهضة؟ فيعمد إلى معاداته وقصفه في كل مرة بوابل من التهم؟

واضح أن الجبهة لا تعنيها الانتخابات القادمة، ولا تعتبرها هدفا أولا. وإنما هدفها الأول هو تشويه النهضة، وتأليب الرأي العام عليها. ولما كان ذلك غير متاح بالطرق السليمة والمعطيات الحقيقية، لجأت الجبهة كما كانت في كل مواقفها من النهضة، إلى تلفيق التهم وصناعة المؤامرات.

ونعود إلى السؤال المهم: هل يعقل أن يتجرّأ حزب سياسي على تقديم معلومات خطيرة تتعلّق بأمن البلاد واستقرارها وأمن مؤسساتها ورجالها في ندوة صحفية؟

في الحالات الطبيعية، عندما يتوفّر شخص أو مؤسسة على معلومات أمنية يعتبرها هامة، يلجأ إلى مؤسسات الدولة المعنية. فهي المكلّفة والمخوّلة بتلقي تلك المعلومات، وتدقيقها، والبحث فيها. فهل يجهل قادة الجبهة الشعبية هذا الأمر البديهي؟

يبدو أن الذين اختاروا تنظيم الندوة الصحفية للجبهة الشعبية، بالمحتوى الذي فاضت به، غلبتهم هويتهم الأمنية، ونسوا أنهم ينشطون في حزب سياسي، فقدّموا أنفسهم للرأي العام وكأنهم جهاز أمني لا تهمه مصلحة تونس وأمنها وحرمة مؤسساتها، وليس حزبا سياسيا.

فالجبهة سقطت من حيث لا تشعر، في التهمة التي وجّهتها لخصمها، حركة النهضة، وإلا فمن أين للجبهة – إن أردنا أن نصدقها فيما تقول – بذلك الكم الهائل من المعلومات؟ إن كانت تلك المعلومات متاحة للعموم، فلا داعي لعقد ندوة صحفية حولها، وإذا كانت المعلومات خاصة بها ولا يدركها إلا المختصون، فمعنى ذلك أنها صادرة عن جهاز أو أجهزة أمنية، تتوفر على قدر غير بسيط من الأعوان والتقنيات والعلاقات.

إننا أمام حقيقة خطيرة: حزب سياسي يشتغل وكأنه مؤسسة أمنية كاملة الأركان.

ومادامت الجهة التي خططت وقررت لعقد تلك الندوة الصحفية، وبذلك المحتوى، فإنها جهة أمنية بامتياز، بغض النظر عنها إن كانت تعمل لنفسها، أو وكيلة لطرف أو أطراف أخرى.

والحقيقة الثانية التي تبرز من خلال هذه الندوة الصحفية، هي أن الجبهة بهذا النشاط، لا تبحث عن مكان لها في الانتخابات القادمة، ولكنها تبحث عما يفسد على حركة النهضة تلك الانتخابات، ويقلّص حجمها، ويجمع التهم حولها.

فما هي هذه الجهة التي تطوّعت الجبهة الشعبية لخدمتها، من خلال هذا الهجوم على حركة النهضة؟

وما هي مصلحة مختلف مكونات الجبهة الشعبية من هذه الندوة الصحفية؟ هل تمّ ترتيبها بموافقة مختلف مكوّنات الجبهة؟ أم إن حزب العمال الشيوعي خطط ونفّذ، ولا يهمه في بقية الأطراف الأخرى للجبهة؟

ما يقوله تاريخ حزب العمال الشيوعي، هو أنّه قام بنفس الشيء تقريبا، في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. فعندما كان نظام الرئيس المخلوع يعدّ للحملة على حركة النهضة، أصدر الحزب صحيفة "البديل" الأسبوعية. وكانت خير أداة استعملها نظام الإستبداد، في تهيئة الأجواء لحملة الإعتقالات والتعذيب الواسعة التي شنّها نظام بن علي على النهضة.

كما وزّعت قيادة الحزب في نفس الفترة شريطا مصوّرا، يزعم الفساد الأخلاقي لأحد قادة النهضة. نعم شريط مصور، مركب طبعا، وكأنّ لها كاميرات مزروعة في غرف نوم قادة النهضة ومكاتبهم وغيرها من الأماكن التي يرتادونها.

لم يعد سرّا أن حزب العمال الشيوعي، منذ ظهوره العلني في الساحة السياسية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تحرك بأدوات استخباراتية، وملفات أمنية، تخرجها من سياقها، وضع لها سيناريوهات محدّدة، وأضاف إليها توابله الخاصة به، ومعجمه الثقافي والأمني، وطلاءه الإيديولوجي، وألقى بها في الساحة، خدمة لأهداف استخباراتية وأمنية وسياسية محدّدة، مكلّف بها.

 فهل ترضى بقية مكونات الجبهة الشعبية بما حصل، رغم اختلافها مع النهضة؟ سؤال محيّر فعلا، ويحتاج إلى إجابة.

  • شارك على:
775
 جائزة أنظف بلدية في تونس قيادي بحركة النهضة: سأقف مع الرحوي أمام القضاء وليثبت صحة ادّعاءاته 

آخر الأخبار