Loading alternative title

حوار هادئ مع الجبهة الشعبية

تاريخ النشر: 2018-10-10 || 13:57

حوار هادئ مع الجبهة الشعبية

كتب محسن النويشي 

الجبهة الشعبية بمختلف مكوناتها قوة من قوى الثورة، رغم أن بعض هذه المكونات والغ شديد الولوغ فيما حصل للمناضلين ضد الاستبداد قبل الثورة، أثناء الإيقاف وفي السجون وما بعد السجون في مرحلة الانتقام والتشفي. وهي على هذه الحال خاصة تجاه الإسلاميين منذ عقود . فلماذا كل ها الكم من الحقد والضغينة والبغض تجاه فئة من الشعب (الإسلاميين )وأحيانا تجاه الشعب كله؟؟؟؟؟؟

القصة لم تنطلق مع اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. فعلى أهمية الحدثين الذين استهدفت من خلالهما الثورة والبناء الديمقراطي وكل القوي الجديدة قوى الثورة، وعلى رأسها النهضة وكذلك الجبهة، فإن الأمر يعود إلى عدة أسباب تحتاج إلى تفكيك يساعد على الفهم وبحث الحلول :

*السبب الأول :إيديولوجي: فاعتماد الجبهة للماركسية اللينينية أو الماركسية العروبية أو العروبية المتمركسة أيديولوجية سياسية، سقطت في معاقلها وانتهت كل تجاربها في الحكم بفشل ذريع ونهايات مدمرة، وإصرار عجيب على عدم إجراء أي مراجعات أو تعديلات أو إعادة قراءة للمقولات التأسيسية للماركسية، رغم ما حصل في بعض التجارب مثل التجربة الصينية . هذا السلوك جعل الجبهة الشعبية الحامل الأساسي للموقف السلبي الذي اتخذته الماركسية تجاه الهويات الوطنية للشعوب وثقافتها وتراثها وتاريخها، بما جعلها في تناقض مع كل ما يمت بصلة لهذا الجانب، وخاصة القوي المستندة لهذا الأصل. كما جعلها الحامل الأساسي لموقف الماركسية من الديمقراطية، باعتبارها لعبة برجوازية، والاستعاضة عنها بدكتاتورية البروليتاريا، خاصة إذا جاءت الديمقراطية بغيرهم للحكم.

 هذا العداء المستحكم للهوية والديمقراطية جعل الأطراف الديمقراطية ذات المرجعية الإسلامية أو الليبرالية في مرمى حجارة الجبهة . وهي حجارة ليست عفوية، بل هي حجارة أيديولوجية نابعة من مقولة العنف الثوري الماركسية، بما يضفي عليها نوعا من القداسة. هذه السلفية الماركسية والتكلس الأيديولوجي تسبب في أضرار كبيرة للوطن وعزلة للجبهة ضاعفت مسؤولية قيادتها وخاصة المؤسسين منهم الذين قاد بعضهم تجربة التقاء وتعاون ضد الاستبداد مع مختلف مكونات المعارضة قبل الثورة بما في ذلك النهضة في تجربة هيئة 18أكتوبر.

السبب الثاني تاريخي. فمع بداية ثمانينيات القرن الماضي توجهت بوصلة اليسار الماركسي والعروبي من الصراع مع النظام القائم الى الصراع ضد طرف معارض للنظام، اي الى الصراع ضد الإسلاميين. واستعملت كل الوسائل لخوضه دون هوادة. فكانت مجزرة منوية والتحريض على الاتجاه الإسلامي سنة 1987والتحالف مع بن علي والمشاركة الفعالة في ممارسة التصفية. ثم جاءت الثورة التي سرعان ما انطلق على إثرها اليسار في عداء مفضوح وصراع مفتوح مع النهضة، رغم أنها لم تبادر تجاهه بأي ممارسة عدائية لا ديمقراطية. وكانت الإضرابات والاعتصامات المسيسة والالتحام السياسي والميداني مع قوى النظام القديم وغيرها من الأحداث. في هذا السياق حصلت الاغتيالات والعمليات الإرهابية. فهل يعقل أن تنسب هذه الأحداث لمن استهدف بها وكان ضحيتها وانتهت الى تخليه عن الحكم من أجل الحرية ؟؟؟ ام انها التغطية والتعمية عن الفاعلين الأصليين؟ لماذا الاستمرار في التمسك بالاتهامات رغم إجابة القضاء عليها؟ لمصلحة من تأجيج الصراع الأيديولوجي في سنة انتخابية ؟؟؟ كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابة من الجبهة قبل غيرها، وفي الحد الأدنى الى إجابة من كل مناضل صادق وعاقل وموضوعي من مناضلي الجبهة بحثا عن الحقيقة وبعيدا عن الدغمائية والغوغائية.

وما جاء في الندوة الصحفية الاخيرة إنما يندرج في خانة التأجيج للصراع الأيديولوجي الذي نحسب أن بلادنا تجاوزته نحو المنافسة حول البرامج الخدماتية، وبالوقوف عند آخر ندوة صحفية ليست الأولى ولا الاخيرة لهيئة الدفاع عن شهيدي الوطن، والتي ذكرتنا من حيث الشكل بندوة عبد الله القلال في سنة 1991التي تضمنت اتهامات بتكوين النهضة لجهاز أمني وعسكري خطط لانقلاب عرف بمجموعة براكة الساحل، وتبين قبل المحاكمة عند إعادة البحث أن القضية ملفقة، وحكمت المحكمة العسكرية على جميع أعضاء المجموعة بعدم سماع الدعوى أو بأحكام مخففة. والمفارقة العجيبة أن قيادة النهضة حصلت على أعلى الأحكام بما في ذلك طلب الاعدام .

وما يمكن أن نلاحظ حول هذه الندوة انها: اعتمدت معطيات متعلقة باحد المتهمين في مجموعة براكة الساحل التي براها القضاء أثناء حكم بن علي من علاقتها بالنهضة وتخطيطها لعمل انقلابي هدفه الاعتداء على امن الدولة الداخلي. كما لم يثبت انخراطه في النهضة أثناء محاكمته الاخيرة من أجل حيازته وثائق أمنية. وتم الحكم عليه حكما نهائيا منذ ثلاث سنوات علما وان انطلاقة قضيته كانت أواخر حكم الترويكا.* احتوت الوثائق حسب ما أعلن في الندوة الصحفية معطيات متنوعة لا يمكن الحكم عليها إلا من خلال معاينة من طرف الجهات المختصة ودراسة وبحث وتمحيص لتبين صحتها حتى تكون دليل إدانة لشخص لا علاقة لحركة النهضة به. لذلك فإن الاتهامات التي انبنت عليها فضلا على الأحكام باطلة على قاعدة المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وما تقوم به هيئة الدفاع جريمة في حق كل من وجهت له الاتهام ما لم يبت القضاء في ذلك، والإعلان عن عقد ندوات مشابهة في دول أخرى صديقة يعتبر تطاولا على الدولة وسمعتها ورموزها .

لم تكتف الهيئة ومن وراءها الجبهة باتهام النهضة، وهي تهمة قديمة متجددة، بل اتهمت مؤسسات الدولة الأمن والدفاع والقضاء وبعض الجهات الأجنبية، وجعلت جهات اجنبية أخرى محل استهداف. والمستمع للشريط المسجل الذي بثته والذي يحتوي على تسجيل بين المعني مصطفي خذر و من اعتبر مجندا لديه، يبعث على التقزز والسخرية والألم، لما وصل إليه تلويث الحياة السياسية. ويذكرنا بشريط حمة الهمامي الذي لفقه لتشويه الأستاذ عبد الفتاح مورو سنة 1989 والذي حكمت فيه المحكمة على حمة الهمامي بالإدانة وهو السياسي الوحيد في تاريخ تونس الحديث الذي صدر في شأنه حكم بذلك المضمون .

اعتمدت الهيئة مغالطات منهجية بإسقاط أو استصحاب مرحلة مقاومة الاستبداد على مرحلة العمل الديمقراطي، إذ كان كل عمل المعارضة السياسية سريا بما في ذلك النهضة. والجميع تعرض للمحاكمات الظالمة التي استعملت فيها السلطة المستبدة أجهزة الدولة لتصفية الخصوم السياسيين وكل اساليب التلفيق والتشويه، ورغم ذلك لم يثبت القضاء الذي كان في أغلبه تابعا للسلطة كل التهم التي وجهت للنهضة أو لغيرها من أطراف المعارضة، كما لم يصدقها المراقبون الدوليون وكل أصحاب الضمائر الحرة. كما لم تثبت أجهزة الاستبداد على النهضة وقيادتها رغم التعذيب الشديد، صلتها ببعض الاعمال التي حصلت كردود أفعال على ممارسات القهر والاستبداد، والتي كانت مناقضة لمنهجها في الاصلاح السياسي، مثل المجموعة الامنية 1987اومجموعة حبيب لسود او مجموعة براكة الساحل1991 وكذلك الأمر بالنسبة لغيرها من المجموعات في صلتها بأطراف أخرى مثل مجموعة 1962ومجموعة قفصة 1980وغيرها. بعد كل هذا وفي ظل الدولة الديمقراطية وفي أجواء الحرية، يوجه طرف من أطراف المعارضة والمعارضة جزء من المنظومة الديمقراطية، يوجة تهما لا اساس لها من الصحة لطرف سياسي مثله، ويشكك في مؤسسات الدولة بشكل مهين ومخل لأغراض سياسوية لا تخفي على عاقل، هدفها انتخابي بحت، عبّر عنه أحدهم بقوله إن الجبهة لن تصل إلى الحكم إلا إذا تم حل النهضة ووضع قيادتها وانصارها في السجن، وهو يعلم أن أنصار النهضة يصل إلى ربع عدد السكان . أليست هذه سادية وحقدا وتعبيرا عن عقد نفسية لمواطنين، الأصل أنهم ملتزمون بقانون البلاد وبقواعد وأصول العيش المشترك، مدعوون لمراجعة أنفسهم والقبول بالآخر والاستجابة لدعوات إنهاء الصراع الأيديولوجي المدمر الذي يضر بهم قبل غيرهم، والكف عن الاستثمار في دماء الشهداء استثمارا حراما وباطلا، لانهم أول من يعلم أن النهضة بريئة من دماء شكري بلعيد ومحمد البراهيمي، وهي أحرص منهم على كشف الحقيقة. فهل يثوب العقلاء في الجبهة الى رشدهم؟ في اتجاه مراجعات تصالح بينهم وبين المجتمع والدولة و شركائهم في الوطن من مختلف المكونات وخاصة الإسلاميين، على غرار التجارب الأخرى. وهذا لا يلغي السعى الجاد من الجميع في البحث عن حقيقة الاغتيالات وكل الأحداث التاريخية العالقة. من أجل أن يكون للجبهة وأمثالها الموقع اللائق في البناء الديمقراطي الجديد، لان تونس لكل أبنائها، وان الحقيقة ستظهر ولو بعد حين. وقد أشار إلى جزء منها الأستاذان بن مراد وخالد عواينية، إضافة إلى ما توصل إليه القضاء.

 رجاؤنا أن يتغلب منطق العقل والحوار والاستجابة لدعوات التخلي عن الصراع الأيديولوجي على منطق الاقصاء والاستئصال.

  • شارك على:
433
 جرجيس : القضاء على 14 خنزيرا البارحة بمنطقة الزيان فتح شبابيك البنوك للعموم بمناسبة عطلة عيد الجلاء 

آخر الأخبار