Loading alternative title

زينب الأعوج ... عندما تعي الروح أعطابها تزهر القصائد قمحا وأغنيات

تاريخ النشر: 2018-08-31 || 19:48

زينب الأعوج ... عندما تعي الروح أعطابها تزهر القصائد قمحا وأغنيات
سناء حميدات كاتبة وباحثة في الأدب العربي

سناء حميدات

كاتبة وباحثة في الأدب العربي

كتبت سناء حميدات 

إن الخطاب الشعري على تعدد ألوانه وأساليبه ودلالاته وأغراضه، يمكن قراءته من منطلقين أساسين في الخطاب ... أولهما الخطاب التصويري الذي يتجه الى تقديم صورة لعالم الشاعر الداخلي بانتهاج سبيل البوح، أو صورة للعالم الخارجي باستخدام اسلوب النقد. والخطاب الثاني، هو الخطاب الإنشائي الذي يهدف الى بناء عالم مختلف عن عالم الشاعر الداخلي, والعالم الذي يعيش فيه على حد السواء. ففي الخطاب الأول, يقنع الشاعر وهو يمارس الكتابة بأنه مخلوق ... فيكتفي بدور الوساطة بين ذاته الخفية والمتقبل, بالإفصاح عن مشاعره وأفكاره أو بالتعبير عن رؤية شخصية للواقع وموقفه منه. أما في الخطاب الثاني فإن للشاعر طموحا آخر. وهو أن يكون هو نفسه خالقا وذلك لإنشاء عالم جديد لا يحاكي في تصميمه وصياغته العالم الأصلي. وعلى اعتبار هذين المنطلقين يتبدى لنا الشاعر مسكونا بهموم عاطفية واجتماعية وسياسية وحضاريةمن ناحية , وهموم فلسفية وجودية من الناحية الأخرى, لأنه يضع منزلته الإنسانية ووجوده في الكون موضع تساؤل. وإذا كنا لا نقيم الحدود بين هذه المنطلقات, فإنه ينبغي الاعتراف بأن مهمة الشاعر تبدو عسيرة وشاقة وهي تحاول جمع نثار الروح وهواجسها وقلقها واستيهاماتها, إذ أنه مطالب طبقا للهدف الذي حدده لأصله ببناء عالم مغاير هيكليا للعالم الحقيقي. لكن بأدوات تنتمي موضوعيا الى هذا العالم. وهي الملكات الإنسانية العادية كالمفكرة والعاطفة والإدراك والذاكرة والخيال واللغة. ومن ثمة فإذا كان منطلق الشعر الإنشائي هو إقتناعه بأن ذاته ذات خالقة, فإنه لا يقدر على تمكينها من الإفصاح عن وجودها وهويتها تلك الا بإدخال تغيير جذري على اللغة يتيح لها إمكان حمل مفاهيم ودلالات وصور مختلفة عما يجري به الاستعمال في اللغة العادية وذلك لأن العالم الجديد المراد إنشاؤه لا يكون محسوسا, بل يكون متخيلا أو مصوغا صياغة نظرية تجريدية. هذه الهموم الإبداعية المخصوصة هي التي يكمن وراءها وينبع منها فعل الكتابة الشعرية لدى زينب الأعوج. ومن هذه المنطلقات منفردة ومجتمعة يمكننا أن نتحسس أعطاب الروح وهي تسلك سبيلها من أجل حياة أجمل وأشهى. وزينب الأعوج شاعرة وأكاديمية جزائرية, ولدت بمدينة تلمسان في 27 جويلية 1954. حصلت على ليسانس في الأدب العربي جامعة وهران سنة 1979 والماجستير في الأدب العربي الحديث جامعة دمشق في 1984 ودكتوراه دولة في الشعر المغاربي الحديث جامعة دمشق في 1989 وشهادة الدراسات المعمقة بجامعة الصوربون سنة 1992. وقد أصدرت عدة مجاميع شعرية ودواوين لعل أهمها "يا أنت من منا يكره الشمس" 1979 و"أرفض ان يدجن الأطفال" سنة 1981 و"نوارة الهبيلة" من صنف الشعر الشعبي سنة 2002 و"راقصة المعبد" في السنة ذاتها و"رباعيات نوارة الهبيلة" 2010 و"مرثية لقارئ بغداد" سنة 2010. كما نشرت العديد من الدراسات الأدبية والترجمات وساهمت في إنجاح العديد من الأنشطة والتظاهرات الأدبية في الجزائر والعالم العربي وفي أوروبا ولوس انجلس. وقد اتسمت قصائدها بالانتصار للإنسانية وللحب والجمال والسلام والخصب... تصورا لو أن كل هذه القذائف زرعا وبذورا ولو كانت كل هذه القنابل أشجارا وثمارا ونخيلا ولو كانت كل هذه المدافع قمحا وشعيرا ولو كان كل ما يتساقط من موت من السماء عطرا وماء زلالا كم من حياة تزهر في قلوبنا وكم من طفل ينغرس في حضن عرائسنا وكم من حكيم يتوسد حكمته وينام قرير العين هانئ البال يعشق التربة ولا يخاف من الحاكم ولا من السلطان وقد انخرطت الشاعرة في الدفاع عن قيم الجمال والتأسيس لوجود أنقى وأرقى. فجعلت من كلماتها ألوية وأسلحة وساحة وغى تحلق فيها الفراشات ولا تحترق بنارها بل يضيء نورها الأكوان بأسرها. تقول في قصيدة تحمل عنوان "يا جدتي العتيقة" الرحلة مازالت طويلة والخفق معدود والخطو مرتبك الرحلة مازالت بلون الغراب ولا حادي ولا دليل لما تبقى من سر في التراب السماء مبهمة والليل ضرير وهذا الزمن الأعزل لم يتوقف بعد لا عن النواح ولا عن العويل هنا ينتصب دمعي شاهق شواهد ورايات يصير القبر واحد والنعش واحد وأنت أيها الأوحد كثير كثير كثير يا حافي الدم ويا سامق القلب أيها الغاص بالقول المتين وشمك مازال ينضح بطعم الجمر بين يدي مسيلمة الكذاب فإلى متى أنت ساهر على كل هذا الخراب وهذا الخراب تبدو الشاعرة في هذه القصيدة مفجوعة من مستوى تردي الحياة وتفشي مظاهر البشاعة والقتل والقتامة والظلامية. وهو ما يتعزز في قولها كل شيء هنا يحكي ويتكلم كل شيء هنا له لسان يسر شيئا لكف الله كل شيء هنا ينسج أساطيره للرمل وجوه تتحول لا تمحى ولا تنتفي للرمل ذاكرة وعلامات وأوشام لا تحول لا باللغو ولا بالأوهام اسألوا عصا جدي وهي تحط كما الفراشة على مرسى الريح وهي تغط على جبين الغيم وعلى حواف القمر مذاقا جديدا للحكمة "وأبقى من وحيي في حجر" تتخذ اذا الشاعرة من كلماتها متكأ وعصا تسندها وتهش بها الأذى عن طريقها وتهديها الى نور الحقيقة. تحاول ان تجد الأعوج في فضاء القصيدة متنفسا ينقذها من غربتها وضياعها هائمة أنا أستجدي من يسعفني بما تيسر من الانخطاف استفيق كنجمة هاربة من صباح لا يليق بها هنا يغمرني الفزع اكتملت الجوقة والحلبة متاحة لمزيد من الهوس اطمئنوا يا حراس النوايا اكتملت تفاصيل النقش على الشاهدة وأنا أسكن صمتي واستجير برماد أنفاسي لا استجدي لا رفقا لا شفقة لا حنانا لا لطفا ولا عطفا لهشاشة جلدي وطراوة عظمي ولما تثنى من حرير العمر ولعلنا لا نجازف في شيء, اذا ما اعتبرنا أن الشاعرة قد تجاوزت مرحلة الشعر الغنائي وتخلت عن سلطة الإيقاع الى حد ما لتركز على سلطة الصورة وعلى إيقاع الضوء الذي أثث مختلف قصائدها. وهذه المرحلة قد توسلها العديد من الشعراء الذين سرعان ما وقعوا في فخ الغموض والإلغاز وانسحبوا الى مجال الرمز انسحابا أعمى جرد القصيدة من نغميتها وجماليتها. وفي المقابل تنجح زينب الأعوج الى حد كبير في جعل قصائدها أعراس حلم ينمو في القلوب كالسنابل السمر وسرعان ما يعانق زرقة السماء البعيدة. فينساب المعنى سلسا قريبا من القلب متفجرا بالحب والحياة رغم قتامة ما ينقد وما يرفض ... هنا وقفوا هبوا لفرحي غمروني بألوان الشموع وهدير الحب لكن الليل كان قد احترق على اتساع صدري لا أحد قال لي قولا كريما ولا أحد قرأ ما في خاطري هنا الفخاخ لا رؤى لي هنا تقوض دمي لا حول ولا قوة لي هنا المنافذ المسدودة هنا العسس المتربع في الفجوات ترتق الأعوج بعناية كبيرة كل جراحات الزمن بإبرة القصيدة التي تتوغل في ثقوب الفراغ لتملؤه بجدوى الكلمات. وتظلل وجع المدن بحرفها فتمسح عنه كل الحيف والبؤس الذي صار صنوا لمدننا التي ضيعت طريق الحلم. مدن مسكونة بالوجع والسواد لا شيء يبدل حالها الا صرخة مثقف واع ... واع بوجع أهل وواع بجدوى الكلمات تقول زينب في قصيدة غاضبة من يشتري هذا اليوم بكل شروقه وغروبه فتح المزاد على الكثير من الحظوظ تعالوا قبل ان تتقاطر العيون على المدينة وقبل ان يتخفى السماسرة والوسطاء تعالوا في غفلة من حلم الناس قبل ان ينتشر الخلق لمشاغلهم وقبل ان يحلموا بأزمنة الغيث تعوض الشاعرة هنا إيقاع القوافي والأروية بإيقاعات الإسناد ووقع الأسئلة الإنكارية, فتبدو القصيدة ترنيمة ساخرة تهزأ بواقع الناس الذين صارت تروقهم ظلمة ما هم فيه من بؤس وتعاسة. واقع جعل الشاعرة تتحسس غربتها وتوغل في السفر بعيدا محاولة الترفع عن هذه الظلمة التي تخنق روحها الحالمة. كأن حياتي عاشت قبلي لما وصلت الى بابي تعثر خطوها توقف فيها النفس كل شيء مشوش في لحمي ودمي غابات من النمل تسكنني أتراكض في لعلي ألحقني أتناسل في لعلي أجدني تنبت ظلالي على عتبات فجر ينتصب مسلوب النور خافت الصدى وهم مازالوا هنا يفرشون المال مثل السجادات الثمينة تخفوا في أماكنهم السرية ينقشون تاريخهم الغائب سدوا كل المنافذ والأبواب ولم ينتبهوا أنهم نسوا الماء والهواء خلف الأسوار هكذا هي القصائد مع زينب الأعوج, سفر بلا ذاكرة ولا وجهة ولا حقائب, إلا من وعي راسخ ان القصيدة حياة أو لا تكون. هكذا فقط تطالعنا الشاعرة حفنة من نور. تدرك جيدا كيف تشعل بالكلمات شمعة في القلب في زمن صعب وقاس، لا شيء فيه يبشر بخير. هكذا فقط تسري كلماتها في الفضاء فيتسع أكثر ليفسح عن النور الذي يسكنها فيمنح قارئها فسحة شاسعة للأمل وللفرح. زينب الأعوج, تلك الطفلة التي نسيت أن تكبر. سنديانة بربرية شامخة أعيت الريح فأخذ يراودها عن نفسها لتتناسل القصائد.

  • شارك على:
327
 إعادة استغلال خط السكة الحديدية الرابط بين قفصة وصفاقس نتنياهو: دول بالمنطقة تهرول للتطبيع بشكل لم نتخيله 

آخر الأخبار