Loading alternative title

أبعاد مقاصدية في الميراث .. في القطع والظنّ

تاريخ النشر: 2018-09-06 || 06:01

أبعاد مقاصدية في الميراث  ..  في القطع والظنّ
عبدالمجيد النجار عضو المجلس التأسيسي السابق - الأمين العام المساعد للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عبدالمجيد النجار

عضو المجلس التأسيسي السابق - الأمين العام المساعد للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

كتب د. عبدالمجيد النجار

في الجدل الدائر في قضية الميراث ملابسات من واجبنا أن نسهم في بيانها بما تيسّر لنا في حلقات هذه أولاها طالبين من الله السداد، وما أوتينا من العلم إلا قليلا. 
القطع في ثبوت النصوص المؤسّسة قرآنا وسنّة هو ورودها عن الرسول صلى الله عليه وسلّم على سبيل اليقين، وهي القرآن الكريم كلّه لآنه ورد بالتواتر، وهي بعض الحديث المنسوب إلى النبيّ الكريم. ولئن كانت الأحاديث القولية قليلة العدد في قطعية ورودها فإنّ الأحاديث العملية القطعية كثيرة، وعلى سبيل المثال فإنّ كيفية صلاتنا علمنا معظمها بطريق الأحاديث العملية التي وردت إلينا بالتواتر، وكذلك عبادات أخرى، وكذلك بعض قضايا الميراث، وهذا ما غفل عنه من نفوا القطع عن السنة النبوية ظانّين أنّ السنة منحصرة في السنة القولية.
والقطع في دلالة النصوص المؤسّسة هو انحصار المعنى في وجه واحد من وجوه الفهم بحسب ما تفضي إليه قواعد اللغة في ألفاظها ونظمها وسياقاتها وقرائنها على نحو " قل هو الله أحد" الذي لا يفهم منه إلا وحدانية الله تعالى، في حين أنّ الظنّي هو ما تسمح اللغة فيه بأكثر من وجه من وجوه الفهم، فقوله تعالى:" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" (البقرة/77) يحتمل فيه أن تكون الأموال أموال السفهاء أو تكون أموال المسلمين المأمورين بعدم الإيتاء. وكل من القرآن والسنة فيهما ما هو ظني وفيهما ما هو قطعي، وتلك حكمة من الله تعالى أن يكون الدين ثابتا في أصوله بما هو قطعي ومتلائم مع منقلبات الزمان والمكان بما هو ظني.
وإنكار القطعية في نصوص الدين هو هدم للدين كله، إذ لا يبقى فيه شيء ثابت، ويصبح فيه " قل هو الله أحد" قابلا لأن يفهم على معنى آخر غير وحدانية الله ، وذلك ما انتهى إليه على سبيل المثال عبد المجبد الشرفي زعيم مقولة " تعدد المعنى" في القرآن لكريم في كتابه "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" إلى تفسير الوحي على أنه مكاشفة نفسية تتولد فيها المعاني من النفس الباطنة للرسول ثم هو يعبر عنها بالكلام من عنده ثم ينسب إلى الله، كما انتهى في تأويل الصلاة على أنها تأمّل يقوم به الإنسان في بعض دقائق دون حركات ولا قراءات، وهي نظرية عدمية في فلسفة اللغة وافدة من ثقافة الغرب في نطاق الفلسفات العدمية المتعددة الاتجاهات. ولنا أن نتصور مدى الكارثة لو طبقنا مقولة نفي القطع في النصوص على النصوص القانونية، إذ يصبح كل قانون قابلا لأفهام شتى فينهدم إذن القضاء كله، أو طبقنا هذه المقولة على نصوص التعاقد بين الناس إذن لانهدمت العلاقات بينهم ودخل الوضع الإنساني في فوضى عارمة. ولماذا نسمح بنفي القطعية في نصوص الدين ولا نسمح بها في سائر النصوص الأخرى؟
وبعض نفاة القطعية في النصّ الديني حصل عندهم وهم بين القطعية في الفهم وبين الظنية في التنزيل، فقد يكون الحكم الذي يرد به النص قطعيا في الدلالة ولكن لا يطبّق في الواقع لأن شروط تطبيقه غير متوفرة، ولكنه يبقى قائما في قطعية الفهم حتى إذا توفرت شروطه يكون تنزيله، ومن ذلك الوهم ما ورد في بعض التعليقات منذ أيام في مقام الاستدلال على نفي القطعية من أنّ عمر بن الخطاب تأوّل النص الذي "يُدّعى" أنه قطعي المتعلق بحكم السرقة وحكم المؤلفة قلوبهم ففهم منهما عدم الوجوب، والحقيقة أنّ الفاروق بقي على الفهم القطعي للحكمين غير أنه لم ينزّلهما في الواقع لعدم توفّر الظروف التي يثمران فيها المقصد منهما، فإذا ما توفّرت تلك الشروط عاد إلى التنزيل لبقاء الحكم على قطعيته، ولكنها جريرة النظام التعليمي الذي تربت عليه الأجيال والذي يخلو من مثل هذه البيانات التي تشبه أن تكون بديهية في العلوم الشرعية، والعتب على من تخرّج من كليات الشريعة ويقع في هذه الأوهام.
والدرجة العليا من القطع في النصوص هو ما كان فيه البيان رياضيا معبّرا عنه بالأرقام مثل الأربعة والخمسة والنصف والربع، فهذه لا تقبل التأويل مطلقا، إذ هي باصطلاح الأصوليين "نصّ في المعنى" فلا يفهم من الأربعة إلا الواحد مكررا أربع مرات، ولا يفهم من نصف الأربعة إلا الواحد مكررا مرتين، ولنا أن نتصور مدى الكارثة على الإنسانية قاطبة لو انهدمت هذه القطعية في دلالات الأعداد الرياضية. 
ومن حكمة الله تعالى أنه في النص القرآني حينما يريد أن يؤكّد على قطعية الحكم فإنه يعبّر عنه بالتعبير العددي من مثل قوله تعالى:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة"(البقرة/196)، ودع عنك ما يأتي في القرآن الكريم من مثل قوله تعالى " في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا" أوفي قوله تعالى " في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" إذا ما استشهد بها في ظنّية الدلالة، فإن تلك التعابير غايتها التكثير، وهو من أوجه البلاغة في لسان العرب، وباقية منه بقية في تعابيرنا العامية اليوم.
ولا يوجد في القرآن الكريم مجال من مجالات الأحكام ورد فيه البيان بالتعبير الرياضي مثل مجال المواريث، فالأحكام فيه مفصلة بالأنصاف والأرباع والأسداس والأثمان، فهذه النصوص إذن هي نصوص من القطعية في القمّة، ولا غرو فإنّ الله تعالى عليم بنفوس خلقه وما هي مفطورة عليه من جموح في شهوة المال وما يؤدي إليه ذلك من التنازع والشحناء ولو بين الأقربين، وما لذلك من أثر مدمّر على الأسرة التي هي ركن الاجتماع البشري، فهل نأتي إلى ما حصّنه الله تعالى بالقطع فندخله في منطقة الظنّ، ونفتح به الأبواب للفوضى المؤدية إلى الهلاك بتعلات هي لو دقّق النظر فيها لبانت أوهاما، وإلا لماذا خصّ الله تعالى هذا المجال دون غيره من المجالات بالتفاصيل في البيان الرقمي لأنصبة الميراث؟.
نعم لم تحط البيانات القرآنية كلّ أوضاع المواريث بالقطع، فهي أوضاع غير منحصرة في الواقع، فتركت بعض الفجوات التي لم يطلها القطع تيسيرا على الناس أن يجتهدوا في الحلول لما يطرأ من الأحوال غير المنحصرة فينتهوا فيها إلى حلول على ضوء المقاصد فيما ورد فيه بيان قطعي، مثلما اصطلح عليه المجتهدون بعد بالرد والعول وسواهما مما سنبينه إن شاء الله لاحقا، ولكن أصول الميراث قد جاء فيها البيان القرآني قطعيا في معمار هندسي دقيق وبديع لو انهدمت منه بعض الأركان بالتأويل بدعوى الظنية لانهدم المعمار كلّه ولانهدمت معه الأسرة، فالقطع في أحكام الميراث إنما المقصد الأسنى فيه هو حفظ الأسرة الركن الركين في بناء المجتمع، فلنتّق الله في حفظها كما أراد الله تعالى حفظها.

  • شارك على:
141
 باراغواي تتراجع عن نقل سفارتها إلى القدس السعودية تعلن إصابة 26 شخصا بشظايا صاروخ أطلقه الحوثيون 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

كيف ترى مستقبل حزب نداء تونس بعد خروجه من التحالف الحكومي؟

بإمكانه أن يستعيد موقعه في الإنتخابات القادمة.
انتهى ولا مستقبل له.
لا أعرف
النتائج