Loading alternative title

بين أبي نواس ورابعة العدويّة في نقد الرداءة...

تاريخ النشر: 2018-05-05 || 12:51

بين أبي نواس ورابعة العدويّة في نقد الرداءة...
نورالدين الغيلوفي باحث في اللسانيات البيداغوجية

نورالدين الغيلوفي

باحث في اللسانيات البيداغوجية

كتب نورالدين الغيلوفي 

امرأة تحترف الغناء صرّحت برأي لها ككلّ من آمن بحريته في أن يعبّر عن رأيه ابتداءً أو إجابة منه عن سؤال، وقد علمتْ من لغط المنابر أنّ ما بات يسمح بترسانة الرداءة التي يعتدي بها بعض الأشباه على الكافّة قد يسمح لها هي بالتعبير عن رأي يتلجلج داخل صدرها... وبمجرّد أن باحت، المسكينة، بما لا يرضي القواعد المتألّهة من مدارات الضِّيق بالمختلِف تعاورتها سهام من جهتين: جهة ذكور ولا رجولة وجهة نساء ولا أنوثة في بلاد ينصّ دستور دولتها على حرّية الضمير.. المغنية "حسبتْها لجّة" فكشفت عن رأيها وعبّرت عمّا بضميرها.. "وعينك ما تشوف إلّا النور".. انبرى القوم يتنافسون مضغها ولا يدّخرون ما دقّ من عرضها في غيابها كما يفعل كلّ جبان مُدَّعٍ لا تواتيه بطولته إلّا خاليا.. 
لم تكن لسذاجتها تعرف أنّه كان عليها أن تستأذنهم قبل أن تقول قولها وأن تطوف بهم فتبلّغهم مُضمَراتها سرّا قبل أن تجهر بها وأن تنتظر حتّى تحظى بإذنهم لكي لا يصيبها من غضبهم.. لأنّهم هم سدنة المعابد كلّها قد علِقوا من قبلُ في اللَّعقَ ولا عقل لديهم يقيهم سقوطا حرّا تسمع له دويّا.. 
ومن خيبة المسعى أن يظّن هؤلاء الحرافيش، بما يرفعون من أصواتهم وبما يرتدّ إليهم من أصدائها، أنّهم هم وحدهم من يرسمون حدود الكلام ويحدّدون ضوابط الرأي ويضعون شروط التعبير.. وقد وقعت المغنية المسكينة بين مخالبهم لأنها لم تقرأ تعاليم الكهنة ولم تتحسّب لردود فعلهم المتوحّشة وإلّا ما كانت لتكون عرضة لنهشهم.. لقد كان عليها أن تحجب هواجسها وتتلحّف كتمانَها في بلاد أصواتها عند لئامها...
***
لن أعتب على ذاك الثلاثي النكِد القابعين ببعض أقنية المسموع وقد جمعهتم مائدة "التقطيع والترييش" يحتسون قهوة صباحاتهم مخلوطة بأعراض من يجيء الأمر بهتكهم.. لقد تدرّبوا، مجتمعين لا مفترقين، على مضغ الأعراض وكيل التهم والتكاذب في الأقوال تلبية لوليّ نعمة جعلهم أصواتا له وكلّفهم بما لا يقوى عليه من القذارة يأتونها له تلقاء دراهم معدودات وهو فيهم من الزاهدين.. لا عتب على هؤلاء لأنّهم أحجار عثرة نقيس بها استواء الطريق ونقرأ من ملامحهم حساب طولها.. قماءة في دناءة في ركاكة في تعاسة في قرف.. وما خفي كان أعظم.
***
سأصرف قلمي، ولا أُسْرف، في "شبيه" أخر انطلق وحده يجري في المضمار يخوض مباراة لا منافس له فيها.. نزل إلى قاع القاع وكرع من عكارة السوء وهو يرسل تعليقا له على تلك المغنية التي سئلت سؤالا فأجابت عنه بما حسبته صوابا.. انقضّ عليها ذاك "الذَّكَرُ" مجازًا فقال: ((هاكلّي صوتها عورة كانت تسكر معانا في بار.. توة ولات رابعة العدوية)).. قال قولته ولم يسأله أحد.. 
ما هذا الإسفاف وهذا العفن؟ ما هذا السقوط؟ كيف بتنا نسمح لهذا القيح بأن يستفحل بيننا؟
لن أخاطلبك في الأخلاق فأنت لا تفهم لها معنى.. ومن كان له نصيبك من الوضاعة لم يرقَ إلى فهم الأخلاق وإدراك مكارمها...
ولن أحدّثك في الرجولة لأنّها لا تعني لك غير ما قد تجده بين رجليك ممّا تراه لدى الكلاب والقطط والخنافس والحشرات.. تلك جميعها أدلّة نتعلّم منها بعضَ كيفِ الطبيعة أماّ انت فدون الدليل وما عليه يدلّ.. ومن كان مثلك لا يدلّ على ظاهر ولا يستدلّ على خفيّ.. 
سأحدّثك في أمرين اثنين:
الأوّل: هل تعرف من هي رابعة العدويّة ؟
هذا الاسم (رابعة العدويّة) لم يتشكّل إلّا من لحظتين بهما كان وعليهما قام فاستقام ولولا ما كان من توبة بعد الزلل ولو أنّها استقامت من البدء ما كان لاسمها أن يكون ولم يكن لها في الذاكرة حضور ولما سمعت أنت عنها فتمثّلتَ بها في مقام سخرية لا يليق بها.. وسواء كانت القصّة واقعية أو متخيَّلة فإنّها توضّح كيف يكون الإنسان مستطيعا وكيف يقدر على تغيير طريقته والثورة على ذاته تلبية لنداء ذاتيّ واستجابة منه لمعدن يصطفيه السلوك يستقيم بين الرغبة والإرادة.. لا أظنك فهمت شيئا عن رابعة العدوية.. وقصارى ما قد تكون علمت من أمرها حديثٌ استهلكتَه من بعض الروايات السينمائية.. ولا أظنّك، حتّى لو أنّك قرأت عنها، تفهم دلالة لما تقرأ... 
أمّا الثاني: فإنّني لم أر أحدا من قبلك تبجّح بارتياد "البارات" ولا فاخَر بشرب الخمر في بلاد يستتر شعبها من بعض الأفعال إذا أتاها.. والخمر كما أفهم سرّ من الأسرار لا يعرف لها قيمة سوى أصفياء يرتقون إلى منازل الندمان الذين يأتيك وصفهم بعد حين.. وقلّما تجد مبدعا إلّا وله مع الخمرة صلة غير أنّ أحدا من هؤلاء لم يجعل منها أداة للنّبز ولا منبرا للشتيمة.. ليس بداعي الخوف ولكن تقديرا للمقامات والخصوصيات..
إنّ ما كتبتَه، أيّها الكاتب، لا يعدو عيبا يتعارض مع القوانين المرعية والأخلاق المتعارف عليها.. وحتّى في صورة صدق ما أخبرت به فإنّك لم ترع للمرأة حرمة ولا قدّرت تداعيات وشايتك عليها وعلى أسرتها وأهلها وأبنائها ولا احترمت سنّك ولا التفتّ لدلالة اسمك.. ولن يشفع لك أنّك كتبت تدوينتك تحت سَوْرة الخمرة التي يبدو أنّها قد نزفت عقلك حتّى صرت ترى الديك حمارا واضطربت منك المائزة واختلّت الفاهمةك وأصبحت عاجزا عن ميز أبيض خيطك من أسوده.. وقتها لن أجد معنى لعتابك بسؤالك ما ضرّ لو أنّك حكّمت عقلك وتريّثت.. وأظنّك قد نُزف عقلك وأفسدك الدهر ولا من عقار يصلح ما أفسده...
أظنّك من صنف اللئام الذين ذكرهم أبو نواس في شعره لمّا كان يصدر تعاليمه ويرفع منزلة الأخلاق في خمرته بعيدا عن سلوك الحمقى الذين إذا شربوا كأسا تحوّلوا إلى حوافر ترفس من حولها ولا تعي... لقد قال أبو نواس من قديم الزمان:

ولا تُسقِ المُدامَ فتّى لئيما *** فلستُ أحِلُّ هذى لِلَّئيمِ ِ

‎لَأن الكرمَ من كَرَم ٍ و َجُودٍ *** وماء الكرمِ للرّجل الكريم ِ

‎ولا تجعل نديمَكَ في شرابٍ *** سخيف العقل أو دنَسَ الأديم ِ

ونادِم إن شربَت أخا معالٍ ***فإن الشَربَ يجمُلُ بالقُروم

كأنّ أبا نواس إنّما كان يصفك "فتى لئيما".. ولو عاصرك لضمّك نهيُه كما يضمّ " سخيف العقل أو دنَسَ الأديم"...

  • شارك على:
53
 حمض الفوليك أثناء الحمل يحمي طفلك من التوحد المعهد النموذجي بصفاقس يفوز بالكأس الممتازة لرالي تولوز الدولي في الرياضيات (صور) 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

إثارة مسألة الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم: هل تحقق مصلحة للمجتمع، أم تشوّش على أولوياته؟

تحقق مصلحته
تشوّش على أولوياته
النتائج