Loading alternative title

حرية الضمير

تاريخ النشر: 2018-06-28 || 08:59

حرية الضمير
راشد الغنوشي مفكر ورئيس حزب حركة النهضة

راشد الغنوشي

مفكر ورئيس حزب حركة النهضة

كتب الأستاذ راشد الغنوشي 

يتسع الحديث لمحاضرة حول المسائل الدستورية و لاسيما المتعلقة بحقوق الانسان وحرياته وهي جوهر الدستور. لقد بذلت جهود كبيرة من أجل الوصول إلى توافقات حول المسائل الدستورية المتبقية.و كانت حوارات قرطاج منطلقاً مهماً للتغلب على المسائل الخلافية في الدستور سواء منها ما تعلق بصلاحيات رئيس الدولة و رئيس الحكومة و قد توصلنا فيها إلى وفاق و تجري الآن الصياغة القانونية له على نحو يقسم السلطة بينهما تقسيماً يبعد العلاقة بينهما عن التنازع و يجعل لكلٍ مجالاً خاصاً به أو بما يتعلق بمسألة حرية الضمير و حرية الاعتقاد أو مسألة التقييدات: هل الحريات التي يتضمنها الدستور (و هي باب رئيسي من أبواب الدستور) مقيدة أم مطلقة؟

هل يقيّد كل حق بتقييد؟ كما كان دستور 1959 يقيد ممارسة الحرية بالقانون و غالباً ما يأتي هذا القانون مصادراً لجوهر هذا الحق بحيث يعطيك باليمين و يسلب بشمال ما أعطاك.

كيف يمكن أن تكون الحقوق مطلقة؟ فحتى في مجتمعٍ منظميمكن أن يقود ذلك إلى مصادمات، فكان هناك مقترحٌ بأن ترد هذه الحقوق في الدستور مطلقة ثم يأتي بعد ذلك نصٌ جامعٌ يقيد هذه الحريات بأن ليكون فيها عدوانٌ على المصلحة العامة، بأن لا يكون فيها عدوانٌ على ماهو متفقٌ بين المجموعة الوطنية، بما لا يهدد الأمن العام.

 تعتبرمسألة حرية الضمير إحدى المسائل التي دار حولها خلاف؛ عموماً هناك تخوف مما يمكن أن تتضمنه هذه الحرية من عدوان على مقدسات الشعب و على ثقافته الأساسية.

نحن عموماً في حركة النهضة، أكادنا باستمرار أن مدخلنا إلى الحياة السياسية منذ 1981 كان قيمة الحرية باعتبارها قيمة مركزية في الاسلام على نحو أنه لا معنى لاعتقاد لا يستند إلى حرية ولذلك مبدأ “لا إكراه في الدين”، كما يقول الشيخ بن عاشور، “مبدأ حاكم على غيره”.

رغم أن هناك مفسرين قدامى و محدثين اعتبروا أن هذه الآية منسوخة بآيات تأمر بالجهاد لنشر الدعوة الاسلامية لكننا تمسكنا تماشياً مع الإيمان بقيمة الحرية أن مبدأ “لا إكراه في الدين” ينسخ كل فهم مخالف له. الحقيقة أن موضوع النسخ موضوع واسعٌ و كثيراً ما أعمل للإطاحة بعشرات الآيات و استبقائها مجرد صور بدون مضامين.

هناك مدرسة قديمة و حديثة في الاسلام لا ترى النسخ أصلاً إلا في آية أو آيتين مثل موضوع الخمر والتدرج في منعه. لأن الأصل هو اعمال النصوص و ليت كل نصٍ يعمل في مجاله.

الأصل هو الحرية وليس تقييد الحرية. الأصل هو أن الاسلام دعوة تحررية بل ثورة تحررية شاملة لتحرير العقل و لتحرير الناس من المخاوف و لتحرير حياتهم من الاستبداد و لتحرير مكاسبهم من الاستغلال و التسلط.

فهو ثورة حررت المرأة و حررت العبيد، رغم أن هذا التشوق، كما يقول العلماء،(العلماء يقولون: الشارع متشوق للحرية)، لم يواصل طريقه بالقدر الكافي و انما غلبت عليه روح التسلط و تجارة العبيد التي سادت في العصور القديمة، و لكن ظل تشوق الناس للحرية وليس للاستبداد. ليس هناك أمرٌ في الرق انما الأوامر كلها جاءت في العتق.

لذلك كثيراً ما عبنا نحن اسلاميي النهضة و جزء كبير من التيار الاسلامي على الذين يقدمون الاسلام على أنه جملة من القيود و ليس على أنه ثورة تحريرية. الذين يخافون على الاسلام من الحريّة هم في الحقيقة مخطئون لأن الإسلام ما أصيب بشيءٍ كما أصيب بسيطرة الإستبداد. و لذلك حري بالمسلمين أن يكونوا في طليعة المطالبين بإطلاق الحريّات، أن يكونوا في طليعة المطالبين بالحريّة، و ليس من صف أو من فريق الذين يخشون على الاسلام من الحريّة فيسعون إلى تقييد هذه الحريّات.

عند تناول موضوع حريّة الإعتقاد أو حريّة الضمير، تثار أحيانا مسائل مثل مسألة “الردّة” حيث يخشى أن يؤدي إقرار حريّة الاعتقاد أو حريّة الضمير إلى التشجيع على التفلّت من رفقة الاسلام.

هل لهذه الخشية مكان أم هي موهومة؟

كأن هذه الخشية تخفي أن النّاس مقيمون في الاسلام فقط بسبب الخوف من العقاب، الخوف من سيف الردّة هو الذي يجعلهم يقيمون في أرض الاسلام و في عقيدة الإسلام أما إذا فتحت الأبواب ما بقية في الإسلام أحد.

هذا وهم في الحقيقة لأن النّاس يأتون للإسلام ويبقون في الإسلام انسجاما مع ما يملأ ضمائرهم من محبة لله و لرسوله و لكتابه وليس خوفاً من سوط السلطان أن يأتي عليهم إذا هم تمرّدوا. و لذلك الاسلاميون الذين قمعوا بالاستبداد في بلادنا هاجروا أوّل مرّة  إلى العالم الاسلامي و لكن العالم الاسلامي لم يقبلهم و كانوا فيه مطاردين، فاتّجهوا إلى بلاد غير إسلامية ولكنها تقرّ بحريّة الاعتقاد و حريّة الضمير و بسائر الحريّات بما يؤكد أن الإقرار بالحرية كلها هو الضمان الأساسي لبقاء الاسلام في هذا العالم.

نرى الاسلام اليوم ينتشر بقدر ما تتوفر الحرية، كل مساحة للحرية هي خيرٌ وبركة للإسلام في الحقيقة.

تمدد الاسلام في البلاد الغربية حيث تتوفر ضمانات الحريات والحقوق بينما في ضل الاتحاد السوفياتي (و بعض الناس يريدون اعادتنا إلى تلك المرحلة المظلمة) الاسلام غاب من جمهوريات إسلامية ومن بلاد إسلامية عريقة كانت لها مساهمة عظيمة في الحضارة الاسلامية.

يزدهر الاسلام وينتشر بقدر ما يتوفر من حريات ومن حقوق في المجتمعات.

و لذلك لا يليق بالمسلمين عموماً أن يكونوا في نفوسهم خوفٌ من الحرية على الاسلام و انما العكس هو الصحيح؛ إن الخطر الأعظم على الاسلام هو غياب الحريات و عدم توفر ضمانات كافية لحرية الضمير و حرية التعبير و حرية الاعتقاد و حرية التنقل وسائر الحريات الاجتماعية.

 في الحقيقة، تختبر اليوم الحريات الديمقراطية في بلاد الربيع العربي، كذالك يختبر المنادون بالحريات والحقوق في بلاد الربيع العربي.

ما يحدث في مصر في الحقيقة هو امتحان لمدى عمق إيمان النخب الحديثة (إسلامين و غير اسلاميين) بقيم الحرية.

هل هي قيم مطلقة؟ بمعنى أنها مجردة، أننا نؤمن بها بصرف النظر عن مدى افادتنا منها أو افادة طرف آخر أم أنها مجرد نأخذ بهذه السلعة في وقت ونزهد فيها في وقت آخر.

 إن تشوش القيم في النخب الحديثة جعل كثيراً من الالسن تتلعثم في وصف ما حدث في مصر بأنه “إنقلاب”، بما يدل على أن القيم الحديثة في بلاد الربيع العربي لما تستقر بعد و لما تتحول إلى دستور، لم تتحول إلى ثقافة عامة في المجتمع بقطع النظر عن المستفيد اليوم و عن الذي سيستفيد غداً. هذا درس مهم جداً للتونسيين لكي يدركوا تمام الإدراك و هذا لا يحتاج إلى درس جديد و لأن نبذل اثماناً جديدة لأنه عندما غابت الحرية في زمن المخلوع بذريعة مقاومة الوصولية أصبح شعار الدفاع عن قيم المجتمع المدني مبرراً لأن تملأ السجون و يمارس التعذيب بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، و إنتهى الامر إلى الحكمة التي تقول “أكل الثور الأبيض الذي تغذى بالإسلاميين و تعشى بالحداثيين،” فهل سنكرر الدرس مرةً أخرى أم ينبغي أن نتفق تمام الاتفاق على أنه لا قيام لحضارة، لا قيام لمجتمعٍ حديث دون إيمان عميق بالحرية قيمة مطلقة ليست لهذا الحزب أو ذاك وإنما قيمة مطلقة في مجتمعاتنا؟

من يقيد هذه القيم المطلقة؟ الناس.

ليس هناك في مجتمع حديث أو في مجتمع إسلامي من مصدر للتشريع غير الشعب سواء مارس ارادته بشكل مباشر من خلال الاستفتاء أو مارس ارادته من خلال المجالس المنتخبة.

 الدين نفسه رغم أنه تنزيل من حكيم حميد، لكن لكي يتحول إلى نظام حياة، يحتاج إلى أن يدخل في دواليب المجتمع الحديث، في دواليب الدولة الحديثة. على قدر ما يحققه هذا الدين من قناعة في نفوس أهله بقدر مايكون له حظٌ في التطبيق.

الاسلام نصوص وهذه النصوص يفهمها الناس وعلى قدر ما يتبلور من فهم لها لدى الناس، تتأثر بذلك المؤسسات المنتخبة فيما تسنه من تشريعات و ما تسنه من مناهج ومن سياسات.   الحرية قيمة أساسية في الاسلام وهي المدخل لكل إصلاح وهي غاية من غايات التشريع و أيضاً هي وسيلة لكل إصلاح ولكل تقدم.ليس في نفوسنا أي خشية من توسع الحرية بال هذا الذي ينبغي أن نسعى إليه.

 

  • شارك على:
62
 تركيا وأردوغان عربيا المدير العام للصيدلية المركزية يكشف عن حجم المديونة 

آخر الأخبار

إستطلاع رأي

إثارة مسألة الميراث وزواج المسلمة من غير المسلم: هل تحقق مصلحة للمجتمع، أم تشوّش على أولوياته؟

تحقق مصلحته
تشوّش على أولوياته
النتائج